حدّثني أبو القاسم الحسن بن بشر الآمديّ «١»، كاتب القضاة من بني عبد الواحد بالبصرة، وله شعر جيّد حسن، واتّساع تام في الأدب، رواية «٢» له وحفظ، وكتب مصنّفة فيه، قال: حدّثني أبو إسحاق الزجّاج، قال:
كنّا ليلة بحضرة القاسم بن عبيد الله «٣» [يشرب] «٤»، وهو وزير، فغنّت [بدعة] «٥» جارية [عريب] «٦» .
أدلّ فأكرم به من مدلّ ومن ظالم لدمي مستحلّ
إذا ما تعزّز قابلته بذلّ وذلك جهد المقلّ
فأدّت فيه صنعة حسنة، فطرب القاسم عليه طربا شديدا، واستحسن الصنعة والشعر، وأفرط في وصف الشعر.
فقالت بدعة: يا مولاي، إنّ لهذا الشعر خبرا أحسن منه.
[ ١ / ٨٩ ]
قال: ما هو؟
قالت: هو لأبي خازم القاضي «١» .
قال: فعجبنا من ذلك، مع شدّة تقشّف أبي خازم، وبغضه «٢»، وورعه، وتقبّضه.
فقال لي الوزير: بالله يا أبا إسحاق، بكّر إلى أبي خازم، وسله عن هذا الشعر وسببه.
فباكرته، وجلست حتى خلا وجهه، ولم يبق إلّا رجل بزيّ القضاة عليه قلنسوة، فقلت له: شيء أقوله على خلوة.
فقال: قل، فليس هذا ممّن أكتم.
فقصصت عليه الخبر، وسألته عن الشعر والسبب.
فتبسّم، وقال: هذا شيء كان في الحداثة، قلته في والدة هذا- وأومأ إلى القاضي الجالس، فإذا هو ابنه- وكنت إليها مائلا، وكانت لي مملوكة، ولقلبي مالكة، أمّا الآن فلا عهد لي بمثله منذ سنين، وما عملت شعرا منذ دهر طويل، وأنا أستغفر الله مما مضى.
قام: فوجم الفتى، وخجل، حتى ارفضّ عرقا.
وعدت إلى القاسم فأخبرته، فضحك من خجل الابن، [وقال: لو سلم من العشق أحد، لكان أبو خازم مع بغضه] «٣» .
وكنّا نتعاود ذلك زمانا.
[ ١ / ٩٠ ]