وحدّثني القاضي أبو بكر أحمد بن سيّار «١»، قال: حدّثني شيخ من أهل اليمن، وذكر أنّ اسمه نعمان، وجدتهم يذكرون ثقته، ومعرفته بأمر البحر، وأنّه دخل الهند والصين، قال:
كنت ببعض بلدان الهند، وقد خرج على ملكها خارجيّ، فأنفذ إليه الجيوش، فطلب الأمان، فأمّنه، فسار ليدخل، من موضعه، إلى بلد الملك، فلما قرب، أخرج الملك الجيش ليلتقيه، والآلات، وخرجت العامّة، تنتظر دخوله، فخرجت معهم.
فلما بعدنا في الصحراء، وقف الناس ينتظرون طلوع الرجل، وهو راجل، في عدّة الرجال، وعليه ثوب ديباج، ومئزر في وسطه، جريا على زيّ القوم، فتلقّوه بالإكرام، ومشوا به، حتى انتهى إلى أفيلة عظيمة، قد أخرجت للزينة، وعليها الفيّالون، وفيها فيل عظيم يختصّه الملك لنفسه، ويركبه في بعض الأوقات.
فقال له الفيّال، لمّا قرب منه: تنحّ عن طريق الفيل، فسكت، فأعاد عليه، فسكت.
فقال له: يا هذا، احذر على نفسك، وتنحّ عن طريق فيل الملك.
فقال له الخارجي: قل لفيل الملك يتنحّى عن طريقي.
[ ١ / ١٠٨ ]
فغضب الفيّال، وأغرى الفيل به، بكلام كلّمه، فغضب الفيل وعدا إلى الخارجيّ، ولفّ خرطومه، وشاله الفيل شيلا عظيما، والناس يرونه، وأنا فيهم، ثم خبط به الأرض، فإذا هو قد انتصب على قدميه فوق الأرض، ولم ينحّ يده عن الخرطوم.
فزاد غضب الفيل، وشاله أعظم من ذلك، وعدا، ثم رمى به الأرض، فإذا هو قد حصل عليها مستويا على قدميه، منتصبا، قابضا على الخرطوم.
قال: فشاله الفيل الثالثة، وفعل به مثل ذلك، فحصل على الأرض منتصبا، قابضا على الخرطوم، وسقط الفيل ميتا، لأنّ قبضه على الخرطوم تلك المدة، منعه من النفس، فقتله.
قال: فوكّل به، وحمل [٣٣ ط] إلى الملك، وحدّث بالصورة، فأمر بقتله.
فاجتمع القحاب- بهذا اللفظ- وهم النساء الفواجر، يفعلن ذلك بالهند ظاهرا، عند البدّ، تقربا إليه عندهم، بلا اجتعال «١»، وهم العدول هناك، يشهدون في الحقوق، ويقمن الشهادة، فيقطع بها حاكمهم. ويشاورن في الأمور، وفي الآراء، وعندهن، إنهن ببذلهنّ نفوسهنّ عند البدّ، بغير اجتعال، قد صرن في حكم الزهّاد، والعبّاد.
قال: فقالت القحاب للملك، يجب أن تستبقي مثل هذا، ولا تقتله، فإنّ فيه جمالا للمملكة، ويقال: إنّ للملك خادما، قتل فيلا بقوّته وحيلته، من غير سلاح.
فعفا عنه الملك واستبقاه «٢» .
[ ١ / ١٠٩ ]