أخبرني القاضي «١»، وقال: أخبرني هذا الوكيل «٢»:
إنّ النعمان كان يعجبه، إذا قدّم إليه لون من طعام طيّب، أو حلو عجيب، أن لا يمعن في أكله، ويأمر بدفعه بعينه إلى السؤّال «٣» .
وكان رسمه، أن يفرّق في كلّ يوم، جميع ما يشال من مائدته، ويفضل في مطبخه، عن وظائف غلمانه، فكان يجتمع على بابه، كلّ يوم، منهم جمع عظيم.
قال: فأكل يوما عنده صديق له هاشميّ، فقدّم إليه لون طيّب، فما استتمّ أكله حتى أمر به للسؤّال، فشيل.
وقدّم جدي سمين، فما تهنّأوا بأكله حتى أمر به فرفع إلى السؤّال، وقدم جام لوزينج معمول بالفستق، وكان يعجب النعمان، ويلزمه على كلّ [٣٦ ط] جام خمسون درهما، وخمسة دنانير، وأقلّ، وأكثر، على قدر كبر الجام، فما أكلوا منه إلّا يسيرا، حتى قال: ارفعوه إلى السؤّال.
فقبض الهاشميّ على الجام، وقال: يا هذا، أحسب أنّنا نحن السؤّال، ودعنا نتهنّا بأكله، لم تدفع كل ما تشتهيه للسؤّال؟ وما للسؤّال وهذا؟
[ ١ / ١٢٠ ]
لهم في لحم البقر، وعصيدة التمر كفاية، والله لا شلته.
فقال: يا سيّدي، إنّ عادتي ما تراه.
قال: بئست العادة، لا نصبر لك عليها، تقدّم أن يعمل للسؤّال إذا كان لا بدّ لك من ذلك، مثل هذا، ودعنا نحن نتمتّع بأكله، أو ادفع إليهم مثل ثمنه.
فقال: أفعل مستأنفا، وأتقدّم بأن يصنع لهم مثله، فأمّا ثمنه، فإنّ السائل لا تسمو نفسه، ولا يتّسع صدره لعمل مثل هذا، ولو دفع إليه أضعاف ثمنه مرارا، لأنه إذا حصلت عنده الدراهم، صرفها إلى غير هذا، في أمره المختلّ الذي هو إلى إصلاحه أحوج، ولا يحسن أيضا، عمل مثل هذا، وأنا أحبّ أن يشاركوني في الالتذاذ بما آكل، يا غلام، تقدّم الساعة بعمل جامة «١» مثل هذه، وتفريقها على السؤّال، ففعل ذلك.
وكان بعدها إذا حضر من يحتشمه، أمر بعمل مثل ما يقدّم إليه، والصدقة به، ولم يأمر برفع ذلك من [٤٠ ب] حضرته، إلّا إذا بشمه الحاضرون.
[ ١ / ١٢١ ]