حدّثني أبو الحسين بن عيّاش، قال:
كان يألف أبا القاسم بن الحواريّ «١»، رجل من أهل عكبرا «٢» يخطب بأهلها، وكان ماجنا، خفيف الروح، مليح الحديث والكلام، طيّب النشوار والأدب، يكنى بأبي عصمة، وكان يؤاكله دائما، ويختصّ به «٣»، وينفق عليه.
وكان أبو القاسم، شديد البرّ بأمّه، فكان يتنغّص لها بالماء فضلا عمّا سواه، ولا يتهنّأ بأكل شيء، إلّا إذا أكلت منه، وكان من عادته إذا استطاب لونا، أن ينفذه من مائدته إليها.
فأكل عنده أبو عصمة هذا، أوّل يوم، وهو لا يعرف رسمه، فقدّم
[ ١ / ١٢٢ ]
لوزينج طيّب، فما شبع منه أبو عصمة حتى أمر به أبو القاسم فرفع إلى والدته.
وقدمت مضيرة جيّدة، بفراخ مسمّنة، ودجاج هنديّ، ودهن الجوز والخردل، فما أكلوا منها حسبا «١» حتى أمر ابن الحواريّ، برفعها إلى والدته، فأخذ أبو عصمة رغيفا، وقام يمشي مع الغضارة.
فقال له ابن الحواريّ: إلى أين يا أبا عصمة؟
قال: إلى الوالدة يا سيّدي، آكل معها هذه المضيرة، فإنّ هذه المائدة خراب، والخصب عندها.
فضحك ابن الحواريّ، وتقدم بردّ اللون إليه.
[ ١ / ١٢٣ ]