حدّثنا أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن بن جعفر الشيرازيّ الكاتب «١»، قال: حدّثني ابن سليمان الثلّاج «٢» قال: قال لي أبي:
كان أصل نعمتي من ثمن خمسة أرطال ثلجا، وذلك أنّه عزّ الثلج في بعض السنين ببغداد، وقلّ، وكان عندي منه شيء بعته، وبقي منه خمسة أرطال.
فاعتلّت شاجي «٣» جارية عبيد الله بن عبد الله [٣٧ ط] بن طاهر «٤»، وهو إذ ذاك أمير بغداد، فطلبت منه ثلجا، فلم يوجد إلّا عندي.
فجاؤوني، فقلت: ما عندي إلّا رطل واحد، ولا أبيعه إلّا بخمسة آلاف درهم، وكنت قد عرفت الصورة.
فلم يجسر الوكيل على شراء ذلك، ورجع يستأذن عبيد الله، وكانت شاجي بمنزلة روحه، وهي تتضوّر على الثلج، وتلحّ في طلبه.
فشتمه عبيد الله، وقال: امض واشتره بأيّ ثمن كان ولا تراجعني.
فجاءني، فقال: خذ خمسة آلاف درهم، وهات الرطل.
[ ١ / ١٢٥ ]
فقلت: لا أبيعك إيّاه إلّا بعشرة آلاف درهم، فلم يجسر على الرجوع للاستئذان، فأعطاني عشرة آلاف درهم، وأخذ الرطل.
وسقيت العليلة منه، فقويت نفسها، وقالت: أريد رطلا [٤١ ب] آخر.
فجاءني الوكيل بعشرة آلاف درهم، وقال: هات رطلا آخر، إن كان عندك، فبعت ذلك عليه.
فلما شربته العليلة، تماثلت، وجلست، وطلبت زيادة، فجاؤوني يلتمسون ذلك.
فقلت: ما بقي عندي إلّا رطل واحد، ولا أبيعه إلا بزيادة، فداراني، وأعطاني عشرة آلاف درهم، وأخذ رطلا.
وداخلتني رغبة في أن أشرب أنا شيئا من الثلج، لأقول إنّي شربت ثلجا سعر الرطل منه عشرة آلاف درهم.
قال: فشربت منه رطلا.
وجاءني الوكيل قرب السحر، وقال: الله، ألله، قد والله صلحت العليلة، وإن شربت شربة أخرى برأت، فإن كان عندك منه شيء، فاحتكم في سعره.
فقلت له: والله، ما عندي إلّا رطل واحد، ولا أبيعه إلّا بثلثين ألفا.
فقال: خذ.
فاستحييت من الله أن أبيع رطل ثلج بثلثين ألفا، فقلت: هات عشرين ألفا، واعلم أنّك إن جئتني بعدها بملء الأرض ذهبا، لم تجد عندي شيئا، فقد فني.
فأعطاني العشرين ألف، وأخذ الرطل.
[ ١ / ١٢٦ ]
فلما شربته شاجي، أفاقت، واستدعت الطعام، فأكلت، وتصدّق عبيد الله بمال.
ودعاني من غد، فقال: أنت- بعد الله- رددت حياتي بحياة جاريتي، فاحتكم.
فقلت: أنا خادم الأمير وعبده.
قال: فاستخدمني في ثلجه وشرابه، وكثير من أمر داره.
فكانت تلك الدراهم التي جاءتني جملة، أصل نعمتي، وقويت بما انضاف إليها من الكسب مع عبيد الله، طول أيّامي معه «١» .
[ ١ / ١٢٧ ]