تجارينا عند القاضي أبي الحسن محمد بن صالح بن عليّ الهاشميّ ابن أمّ شيبان «١» في سنة ستّين وثلاثمائة، عظم بغداد، وكثرة أهلها، في أيّام المقتدر، وما كان فيها من الأبنية، والشوارع، والدروب، وكبر البلد، وكثرة أهله، في سائر أنواع الناس.
وذكرت أنا كتابا رأيته، لرجل يعرف بيزدجرد بن مهبندان الكسرويّ «٢»، كان على عهد المقتدر، بحضرة أبي محمد المهلّبيّ، كان سلّم إليّ وإلى جماعة ممّن حضر، كراريس منه، لننسخه، وننفذه إلى الأمير ركن الدولة، لأنّه التمس كتابا في وصف بغداد، وإحصاء ما فيها من الحمّامات، وإنّها كانت عشرة آلاف «٣»، ذكر في الكتاب مبلغها وعدد من يحتوي عليه البلد من الناس، والسّفن، والملّاحين، وما يحتاج إليه في كلّ يوم من الحنطة [٣٨ ط]، والشعير، والأقوات، وإنّه حصّل «٤» ما يصل إلى أصحاب المعابر فيه من الملّاحين «٥» فكان في كلّ يوم، أربعين
[ ١ / ١٢٨ ]
ألفا، أو ثلاثين ألفا.
وذكر غيري كتابا ألّفه أحمد ابن الطيّب «١»، في مثل هذا.
فقال لي القاضي أبو الحسن: أمّا ذاك، فعظيم لا نعلمه، وقد شاهدنا [٤٢ ب] منه ما لا يستبعد معه أن يكون كما أخبر يزدجرد، وأحمد بن الطيّب، إلّا إنّا لم نحصه فنقطع العلم به، ولكن بالأمس، في سنة خمس وأربعين وثلاثمائة، لمّا ضمن محمد بن أحمد المعروف بترة، بادوريا «٢»، عمّرها، وتناهى في ذلك، فأحصينا وحصّلنا ما زرع فيها من جربان الخسّ، في هذه السنة، وقدّرنا بكلواذى وقطربّل وقرب بغداد، ما يحمل إليها من الخسّ على تقريب، فكان الجميع ألفي جريب «٣»، ووجدنا كلّ جريب خسّ يزرع فيه ستّة أبواب «٤»، يقلع من كلّ باب من الأصول، كذا وكذا، ولم أحفظه، يكون للجريب كذا وكذا أصلا، وسعر الخسّ إذ ذاك، على أوسط الأسعار كلّ عشرين خسّة بدرهم واحد «٥»، فحصل لنا أنّ ارتفاع الجريب، على أوسط الريع والسعر، ثلاثمائة وخمسون درهما،
[ ١ / ١٢٩ ]
قيمتها خمسة وعشرون دينارا، يكون لألفي جريب، خمسون ألف دينار، وكلّ ذلك يؤكل ببغداد، فما ظنّك ببلد يؤكل فيه في فصل من فصول السنة، صنف واحد من صنوف البقل، بخمسين ألف دينار.
ثم قال لنا القاضي، ولقد أخبرني رجل يبيع سويق الحمّص «١»، دون غيره من الأسوقة، أسماه وأنسيته، إنّه أحصى ما يتّخذ في سوقه من سويق الحمّص في كلّ سنة، فكان مبلغه مائة وأربعون كرّا «٢»، وأنّه يخرج في كلّ سنة منه، حتى لا يبقى منه شيء، فإذا حال الحول، طحنوا مثل ذلك.
هذا وسويق الحمّص، غير طيّب، وإنّما يأكله الضعفاء والمتجمّلون، شهرين أو ثلاثة من السنة، عند عدم الفواكه، وأضعافهم مرارا من الناس، من لا يأكل ذلك أصلا.
ثم قال: قال لي بعض مشايخ الحضرة: عمارة بغداد، في سنة خمس وأربعين «٣»، عشر ما كانت عليه في أيّام المقتدر «٤»، على تحصيل وضبط، يعني في الأبنية والناس.
[ ١ / ١٣٠ ]