حدّثني أبو العبّاس هبة الله بن محمد بن المنجّم [٣٩ ط]، عن أسلافه:
إنّ المأمون «١» نكب عاملا له، يقال له: عمرو بن نهيوي، صهر موسى بن أبي الفرج بن الضحّاك، من أهل السواد، موسرا، فأمر محمد ابن يزداد «٢» أن يتسلّمه إليه، ويعذّبه، ويعاقبه، حتى يأخذ خطّه بعشرة آلاف ألف درهم، ويستخرجها منه.
فسلّم عمرو إلى محمد، فأكرمه، وألطفه، وأمر بخدمته وترفيهه، وأفرده في حجرة سريّة من داره، وأخدمه فيها من الفرش والغلمان بما يليق به، ولم يكلّمه ثلاثة أيّام، والمأمون يسأل عن الخبر، فيبلغه ترفيهه له، فيغتاظ، ويسأله، فيقول: هو مطالب.
فلما كان في اليوم الرابع، استدعى عمرو محمدا، فدخل إليه.
[ ١ / ١٣٢ ]
قال محمد بن يزداد: فقال لي: يا هذا، قد عرفت ما تقدّم به إليك الخليفة في أمري، ووالله ما رأيت هذا المال، ولا نصفه، ولا ثلثه قط، ولا يحتوي عليه ملكي، ولعلّ الخليفة يريد دمي، وقد جعل هذا إليه طريقا، وقد تفضّلت عليّ بما لا يسعني معه أن أدّخر جهدا في تجميلك عند صاحبك، وقد كتبت تذكرة بجميع ما يحتويه ملكي، ظاهرا وباطنا، وهي هذه، وسلّمها إليّ، وإذا هي تشتمل على ثلاثة آلاف ألف درهم، وعليّ، وعليّ، وحلف بالطلاق والعتاق، والأيمان المغلّظة، ما تركت لنفسي بعد ذلك، إلّا ما عليّ من كسوة تستر عورتي، وهذا وسعي، وجهدي، فإن رأيت أن تأخذه، وتسأل الخليفة الرضا به منّي، فإن فعل فقد خلّصني الله بك، ونجّاني من القتل على يدك، وإن أبى، فإنّه يسلمني إلى عدوّي الفضل بن مروان «١»، وهو القتل، ووالله، لا أعطيت على هذا الوجه، درهما واحدا، ولا كنت ممن يجيء على الهوان، دون الإكرام، وسأتلف، ولا يصل الخليفة إلى حبّة من مالي، ولكنّ المنّة لك عليّ حاصلة «٢»، فإن عشت شكرتها، وإن متّ فالله مجازيك عنّي.
قال: فأخذت التذكرة، ورحت إلى المأمون.
فقال: ما عملت في أمر عمرو بن نهيوي؟
فقلت: إنّه قد بذل ألفي ألف درهم، وليس عنده أكثر من ذلك.
[ ١ / ١٣٣ ]
فاستشاط، وقال: لا، ولا كرامة له، ولا أربعة آلاف ألف، ولا ثمانية آلاف ألف.
وقال لي الفضل: ما دمت ترفّهه، وتكرمه، وتجلسه على الدسوت، وتخدمه بنفسك وغلمانك، كيف لا يتقاعد؟
فقلت له: فتسلّمه أنت إن شئت.
فقال الخليفة [٤٤ ب]: خذه إليك.
فأخذه، وأرهقه، وطالبه بعشرة آلاف ألف، ودهقه «١»، وضربه، وهو لا ينحلّ بشيء.
فنزل معه إلى خمسة آلاف ألف، فلم يستجب.
فقنع منه بثلاثة آلاف ألف، فلم يجب.
فلما زاد عليه المكروه، وخاف الفضل أن يتلف في العذاب، فيجب المال عليه في نفسه بإتلافه إيّاه، رفق به، وداراه، وخلع عليه، ورفّهه أيّاما.
وقال له: كان محمد بن يزداد بذل عنك ألفي ألف درهم، وقد قنعت بها منك، فهاتها.
فقال: ما ملكتها قط، ولا بذلتها لمحمّد.
فجاء الفضل إلى المأمون، فاقتصّ عليه خبره معه، في معاقبته، ومطالبته أولا، بالكلّ، واقتصاره ثانيا، وترفيهه له، وإكرامه، وقناعته منه بألفي ألف درهم، وإقامته على أنّه لا مال له، وإنكاره [٤٠ ط] أن يكون بذل ذلك، وكنت حاضرا.
فانقطع الحبل في يد المأمون، وكاد يهمّ بالفضل.
[ ١ / ١٣٤ ]
فقلت: يا أمير المؤمنين الرجال لا يكالون، وليس كلّ أحد يجيء على الهوان، وإنّ الفضل استخطأ رأيي فيما عاملت عمروا به، فصار إليه، وعامله بمثله حيث لم ينفع ذلك، ولو تركني معه في الأوّل، لاستخرجت منه ثلاثة آلاف ألف عفوا، وهذه تذكرة بخطّ عمرو تحتوي على ثلاثة آلاف ألف، فأخرجتها، وطرحتها بين يديه.
وقلت: لو كنت علمت أنّ أمير المؤمنين يجيبني في ذلك الوقت، إلى ثلاثة آلاف ألف، عنه، لبذلتها، فبذلت ألفي ألف، حتى إن لم يقنع، زدت ألف ألف، والآن فقد فسد هذا، ووالله، لا أعطي عمرو، مع ما جرى عليه، حبّة، فإن استحلّ أمير المؤمنين دمه، فذاك إليه، وإلّا فليس إلى استخراج شيء منه سبيل.
قال: فاستحيا المأمون، وأطرق مفكّرا مليّا، ثم رفع رأسه، وقال:
والله لا كان كاتب من كتّابي، ولا نبطيّ من عمّالي، أكرم، وأوفى، وأصحّ تدبيرا منّي، قد وهبت لك يا محمد، عمروا وما عليه، فخذه، واصنع به ما شئت.
فتسلّمته من الفضل بن مروان، وأطلقته مكرّما إلى بيته.
[ ١ / ١٣٥ ]