كان معزّ الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه «١»، لمّا ابتنى قصره بباب الشّماسية «٢»، والإصطبلات المتّصلة بآخره من أحد جوانبه، التي لم يسبق إلى حسنها، وعمل الميدان على دجلة متّصلا بين القصر والبستان الشارع على دجلة، الذي يلازق «٣» دار صاعد بن مخلد «٤»، الذي كان منزلا لأبي جعفر
[ ١ / ١٣٨ ]
محمّد بن يحيى بن شيرزاد «١» ثم صيّره أبو جعفر الصيمريّ «٢» بستانا، والجميع الآن داخل في جملة قصر معزّ الدولة.
أوّل ما بدأ بأن بنى السور المحيط بالقصر والميدان، والمسنّاة العظيمة التي من حدّ رقّة «٣» الشّماسية إلى بعض الميدان، وطول ما بناه منها ألف وخمسمائة ذراع، وعرضها نيّف وسبعون آجرّة كبارا، سوى الدّستاهيجات «٤» التي تخرج منها إلى داخلها لضبطها.
وكان العمل في ذلك متصلا، والصنّاع فيه متفرّقين.
وهذا بعد أن كان عمل على بناء مدينة لنفسه، وخرج إلى كلواذى «٥» ليتّخذها هناك، ثم أراد اتخاذها حيال كلواذى، ثم رحل إلى قطربّل «٦»، فأراد أن يبنيها عندها، ثم تقرّر رأيه على بناء دار بباب الشمّاسية، حصينة، يستغني بها عن المدينة، وتخفّ عليه نفقتها.
وقدّر لذلك ألوف ألوف دراهم، وزادت النفقة على التقدير أضعافا.
وكان يطالب وزيره أبا محمّد المهلّبي بتوجيه وجوه الأموال لذلك،
[ ١ / ١٣٩ ]
مع قصور الدّخل «١» عن الخرج، فيلقى منه عنتا «٢» .
ثم كلّفه تولّي [٤٦ ب] البناء بنفسه وكتّابه، فكان، وهم، يتولّون ذلك.
فسعى بعض أصحاب معزّ الدولة إليه، أنّهم يسنفون «٣» البناء في السور، ليتعجّل بنفقة خفيفة، ويسرقون الباقي.
وأوقفه على موضع منه، كان فيه ساف لبن لم يحكمه الصنّاع، ومشى عليه بحضرة معزّ الدولة- لأنّه ركب إليه- فانقلعت منه لبنة.
فحمي طبعه، وكان حديدا جدّا، سليم الباطن مع ذلك، وإذا أخرج حدّته، وانقضت سورة غضبه، يندم على فعله، ولكن من يقوم على تلك الحدّة.
فأحضر المهلّبيّ، وواقفه على ما رآه، فأخذ يحتجّ عليه.
فحمي، وأمر به، فبطح، وضرب مقارع كثيرة.
ثم قال: اخنقوه، فجعل في عنقه حبل، وأمسكه ركابيّون فوق السور، ليشيلوه، فيخنق.
وبلغ خبره القوّاد، والأتراك، وخواصّه، فبادروا إلى تقبيل الأرض بين يديه، ومسألته الصفح عنه، فأنزله، وأطلقه.
فمضى إلى داره كالميت، وأظهر قلّة حفل بذلك، لئلّا يشمت أعداؤه، ويطمعوا في صرفه، ويتقوّلون «٤» عليه بانكسار إن بان منه، ولئلّا يبلغ صاحبه أنّه مستوحش من ذلك، فيستوحش منه.
[ ١ / ١٤٠ ]
وكانت عادته أن يشرب في تلك الليلة النبيذ، ويدعو الغناء، فجمع النّدماء، ليري قلّة الاكتراث بما جرى عليه.
وعاد إلى داره وقد قرب المساء، فدعا بما يأكله، فأكل، وندماؤه معه، وليس فيه فضل لشدّة الألم، وهو يتجلّد، ويتحدّث.
ثم دعا بنبيذ، فقالوا له: أيّها الوزير، لو استرحت، وطرحت نفسك، كان أولى من النبيذ، فليس هذا وقته، وذنّبوا له في هذا.
فأخذ هو يعزّيهم عمّا جرى [٤٢ ط] عليه، ويسلّيهم، وتمثّل في كلامه بهذا البيت:
فإنّ أمير المؤمنين وفعله لكالدهر لا عار بما صنع الدهر
ثم شرب أقداحا، وقام.
أخبرني بذلك، من حدّثه به «١»، من ندماء أبي محمد، عن مشاهدة.
[ ١ / ١٤١ ]