حدّثني أبو الحسن، أحمد بن يوسف الأزرق، قال: حدّثني أبي قال:
كنت أكتب لبدر اللاني «١» [٤٣ ط] في أيام الموفّق «٢»، والمعتضد «٣»، وأدخل الدار معه، وأليه، فرأيت محمد بن الحسن بن سهل المعروف بشيلمة «٤»، وقد جعله كردناكا «٥» .
[ ١ / ١٤٤ ]
قال: فقلت له: كيف فعل ذلك؟ وما كان سببه؟
فقال: إنّ رجلا من أولاد الواثق، كان يسكن مدينة المنصور، سعى في طلب الخلافة، واستوزر شيلمة، فأخذ له البيعة على أكثر أهل الحضرة، من الهاشميّين، والقضاة، والقوّاد، والجيش، وأهل بغداد الأحداث، وأهل العصبيّة، وقوي أمره، وانتشر خبره، وهمّ بالظهور في المدينة، والاعتصام بها، والتحصّن، حتى إذا أخذ المعتضد، صار إلى دار الخلافة.
فبلغ المعتضد الخبر على شرحه، إلّا اسم المستخلف.
فكبس شيلمة [٤٨ ب] وأخذه، فوجد في داره جرائد «١» بأسماء من بايع، وبلغ الهاشميّ الخبر، فهرب.
وأمر المعتضد بالجرائد، فأحرقت ظاهرا، لئلّا يعلم الجيش بوقوفه عليها فتفسد نيّاتهم له، بما يعتقدون من فساد نيّته عليهم.
وأخذ يسائل شيلمة عن الخبر، فصدقه عن جميع ما جرى، إلّا اسم الرجل الذي يستخلف، فرفق به ليصدقه عنه، فلم يفعل.
وطال الكلام بينهما [فتوعّده] «٢»، فقال له: والله، لو جعلتني كردناكا، ما أخبرتك باسمه.
فقال المعتضد للفرّاشين: هاتم أعمدة الخيم الكبار الثقال، [فجاءوه بها] «٣» وأمر أن يشدّ عليها شدّا وثيقا [فشدّ] «٤»، وأحضروا فحما عظيما، وفرش على الطوابيق «٥» بحضرته، وأجّجوا نارا، وجعل الفرّاشون يقلّبون
[ ١ / ١٤٥ ]
شيلمة على تلك النار، وهو مشدود على الأعمدة «١»، إلى أن مات وانشوى «٢» .
[وأخرج من بين يديه ليدفن، فرأيته على هذه الصورة] «٣» .
قال: وأمر المعتضد بهدم السور المحيط بالمدينة، فهدم منه شيء يسير، فاجتمع إليه الهاشميّون، فقالوا: يا أمير المؤمنين، فخرنا، وذكرنا، ومأثرتنا «٤» فأمر بقطع الهدم، وصرف حفظة كانوا عليه متوكّلين برعيه، ورخّص فيه، وتركه وأهمله، وخلّى بينه وبين الناس.
فما مضت إلّا سنيّات، حتى هدم الناس أكثره، أوّلا فأوّلا، ووسّعوا به ما يجاوره من دورهم، واستضافوا مكانه إليها، حتى إنّ ذلك اتّسع، فجعل وزير «٥» المقتدر، على كل دار هذا حكمها، أجرة العرصة بحسب ذلك، وكان لها ارتفاع «٦» كثير.
ثم تبع ذلك بسنين، خراب المدينة، أوّلا فأوّلا، حتى بلغت إلى ما هي عليه.
[ ١ / ١٤٦ ]