وقد حكي: أنّ عافية الباقلّاني، وخالد الحذّاء «١»، رئيسي أصحاب العصبيّة في زمانهما، بايعا «٢» على أن يحمى لهما باب حديد، ويمشيان عليه، ففعلا ذلك. فلما حصلا فوقه، حلّ أحدهما مئزره، ثم ضرب يده إلى الآخر، وضبطه، وقال: انطرني أتوزّرهما عطفيّين «٣»، أي انتظر حتى أتّزر.
قال: فما فارقه، حتى شدّ مئزره، وهما فوق الباب المحميّ، ثم تمّم مشيه، حتى خرج منه، وقد غلب بتلك الساعة «٤»، وإن لم يكن في الباب الحديد حيلة، أو عادة، مثلما يكون أسفل القدر، كالنار إذا دام الوقود عليها، فيأخذها الإنسان [لساعته] «٥» على راحته، لأنّ البخار يتصاعد، ثم يدعها قبل أن ينعكس البخار إلى أسفلها.
وقد شاهدت أنا، أبا الأغرّ بن [أبي] «٦» شهاب التيميّ «٧» بالبصرة، فعل ذلك، وإلّا، فلا أدري ما هو.
[ ١ / ١٤٩ ]
وقد أخبرني غير واحد، أنّ القطعة الحديد، إذا أدخلت الكور، وأحميت حتى تبيضّ بياضا شديدا، فأخذها الإنسان، فلطعها مرتين، أو ثلاثة، قبل أن يرجع فيها الحمي، لم تضرّ لسانه.
وقد شاهدت أنا، أبا الحسن عليّ بن محمد بن أحمد التنوخيّ، وقد أدخل إلى فيه، غير مرّة، شمعة [مشعلة] «١» فيها رطل، وعضّ عليها، وكشّر شفتيه لي، حتى تبيّنت اتّقاد الشمعة في فيه، ساعة، ثم أخرجها غير منطفئة.
وسألته عن علّة ذلك، فقال: يحتاج إلى حذق في سرعة الإدخال، حتى لا تحرق الشفتين، فإذا حصلت في داخل الفم، لم تضرّ، لأنّ ما يتصاعد من حمي الجوف، يغلب على حماها «٢»، فلا تضرّ.
[ ١ / ١٥٠ ]