حدّثني أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب التنوخيّ، قال:
قال أبي:
كنت مع [٤٥ ط] صاحبي الذي كنت أكتب له، بدر اللّاني، في عسكر الموفّق، وهو يقاتل صاحب الزنج «١» .
فرمى زنجيّ «٢» من أصحاب الخائن «٣»، يقال له: قرطاس، الموفّق، بسهم، فأصاب ثندوءته «٤»، وصاح [٥٠ ب]: خذها مني وأنا قرطاس، فصارت مثلا للرماة إلى الآن «٥» .
فحمل الموفّق صريعا في حد التلف، ونزع السهم وكان مقطّنا «٦»، فبقي الزجّ «٧» مكانه، وجمّع «٨»، وانتفخ، وأمدّ «٩»، وأشرف على الموت.
[ ١ / ١٥٣ ]
واستخبر بذلك أهل عسكر الخائن، وكانوا يصيحون بنا في كلّ يوم:
ملّحوه، أي: قد مات الموفّق، فاجعلوه مكسودا «١» .
فأجمع رأي الطبّ على بطّه، فلم يمكّنهم الموفّق من ذلك.
فقالوا للمعتضد: إنّه إن لم يبطّ، عمل إلى داخل، فأتلفه.
فقال: احتالوا عليه وبطّوه، وأنا أمنعكم منه «٢» .
فطوّل أحد الطب، ظفر إبهامه اليمين، وجعل تحته حديدة مبضع، وجاء إلى الموفّق، فقال: أيّها الأمير، دعني أجسّه، وأنظر كيف هو.
فقال: لعلّك تبطّه؟
فأراه يده، وقال: كيف أبطّه، وليس في يدي حديد، فمكّنه منه، فجسّه وخرقه بالمبضع من أوّله إلى آخره مستعجلا، فندر الزجّ وخرج، وتبعته مدّة عظيمة وقيح.
ففزع الموفّق في حال البطّ، لمجيئه على غفلة، فلكم»
الطبيب، فقلبه عن مكانه، فلمّا استراح بما خرج من الموضع، ووجد خفّة، خلع على الطبيب، وأجازه، وعولج إلى أن برئ.
وجعل أبو العباس وكده «٤» طلب قرطاس، وكان إذا رآه في الحرب، طرح نفسه لأخذه، فيحاربه قرطاس أشدّ حرب، ويقول له بعجمته:
«يا بلئباس، يريد يا أبا العبّاس، إن وقعت في يدك، قدّ مني أوتارا» .
قال: فلم يزل المعتضد يجهد نفسه في أمره، حتى أخذه أسيرا، وقد
[ ١ / ١٥٤ ]
وقعت به جراحات، فجاء به إلى الموفّق، فأمر بضرب عنقه.
فقال له المعتضد: تهب لي قتله، حتى أعمل به ما أريد.
فقال: أنت أحقّ به، فخذه، فأخذه، فقدّ من أصابعه الخمس «١» أوتارا.
قال: فقلت لأبي: كيف فعل ذلك؟
فقال: قلع أظفاره، وسلخ جلد أصابع كفّه من رؤوسها، إلى أكتافه، وعبر بها صلبه وكتفيه إلى آخر أصابعه الأخرى، وجلد بني آدم غليظ، فخرج له ذلك، فأمر أن تفتل له أوتار، ففعل، وصلب بها قرطاس «٢» .
[ ١ / ١٥٥ ]