حدّثني أبو الحسن أحمد بن يوسف الأزرق، قال:
بلغني أنّ الحسين بن منصور الحلّاج «١» [كان] «٢» لا يأكل شيئا [٥٢ ط] شهرا أو نحو ذلك، على تحصيل ورصد، قال: فهالني هذا، وكانت بيني وبين أبي الفرج بن روحان الصوفيّ مودّة، وكان صالحا من أصحاب الحديث، ديّنا، وكان القصريّ، غلام الحلّاج، زوج أخته، فسألته عن ذلك.
فقال: أمّا ما كان الحلّاج يفعله، فلا أعلم كيف كان يتمّ له، ولكنّ صهري القصريّ غلامه، قد أخذ نفسه سنين، بقلّة الزاد، ودرّجها على ذلك، حتى تمكّن بعد مدّة، أن يصبر عن الأكل خمسة عشر يوما، ونحو ذلك [٤٧ ط]، أقلّ أو أكثر.
وكان يتمّ له ذلك بحيلة كانت تخفى عليّ، فلما حبس في جملة الحلّاجية، كشفها لي، وقال: إنّ الرصد، إذا وقع بالإنسان شديدا، وطال فلم
[ ١ / ١٥٩ ]
تنكشف معه حيلة، ضعف عنه الرصد [ثم لا يزال يضعف، كلّما لم تنكشف حيلته، حتى يبطل أصلا، فيتمكّن حينئذ، من فعل ما يريد] «١» .
وقد رصدني هؤلاء منذ خمسة عشر يوما، فما رأوني آكل شيئا [بتّة] «٢»، وهذا نهاية صبري عن فقد الغذاء، وإن لم آكل بعده بيوم، تلفت، فخذ رطلا من الزبيب الخراسانيّ، ورطلا من اللوز [السمين] «٣» .
ودقّهما، واجعلهما مثل الكسب «٤» وأصلحهما صفيحة رقيقة، فإذا جئتني غدا، فاجعلها بين ورقتين من دفتر، وخذ الدفتر في يدك مكشوفا، مطويّا في كفّك طيّا مدوّرا من غير انتشار، ليخفى ما فيه، فإذا خلوت بي، ولم تر من يلاحظني، فاجعل ذلك تحت ذيلي، وانصرف، فإنّني آكله سرّا، وأشرب الماء إذا تمضمضت للطهور «٥»، فيكفيني خمسة عشر يوما أخرى، إلى أن تجيئني «٦» ثانيا، على هذا السبيل.
ومتى رصدني هؤلاء في هذه الخمسة عشر يوما الثانية، لم يجدوني آكل شيئا على الحقيقة، إلى أن تعود أنت بعد هذه المدّة بالقوت، فأغتفلهم في أكله أيضا، فيقوم بي.
قال: فكنت أعمل ذلك معه، طول حبسه.
[ ١ / ١٦٠ ]