أخبرني أبو الحسين بن عيّاش القاضي، عمّن أخبره:
إنّه كان بحضرة حامد بن العبّاس، لما قبض على الحلّاج، وقد جيء بكتب وجدت في داره، من قوم تدلّ مخاطبتهم، إنّهم دعاته في الأطراف، يقولون فيها:
وقد بذرنا لك في كلّ أرض ما يزكو فيها، وأجاب قوم إلى أنّك الباب- يعنون الإمام- وآخرون أنّك صاحب الزمان- يعنون الإمام الذي تنتظره الأماميّة- وقوم إلى أنّك [٤٨ ط] صاحب الناموس الأكبر- يعنون النبيّ ﷺ- وقوم إلى أنّك أنت هو هو- يعنون الله ﷿-[تعالى الله عمّا يقول الظّالمون علوّا كبيرا] «١» .
قال: فسئل الحلاج عن تفسير هذا الرمز، فأخذ يدفعه، ويقول:
لا أعرف هذه الكتب، هذه مدسوسة عليّ، لا أعلم ما فيها، ولا معنى لهذا الكلام.
وحدّثني أبو الحسين بن عيّاش، عمن حضر مجلس حامد ابن العباس الوزير «٢»، وقد جاءوا بدفاتر وجدت للحلّاج، فيها:
إنّ الإنسان إذا أراد الحجّ فإنّه يستغني عنه، بأن يعمد إلى بيت من داره، فيعمل فيه محرابا ذكره، ويغتسل، ويحرم، ويقول كذا، ويفعل كذا، ويصلّي كذا، ويقرأ كذا، ويطوف بهذا البيت كذا، ويسبّح كذا، ويصنع كذا، أشياء قد رتّبها وذكرها من كلام نفسه، قال: فإذا فرغ
[ ١ / ١٦٢ ]
من ذلك، فقد سقط عنه الحجّ إلى بيت الله الحرام.
وهذا شيء معروف عند الحلّاجيّة، وقد اعترف لي رجل منهم، يقال إنّه عالم لهم، ولكن ذكر أنّ هذا رواه الحلّاج عن أهل البيت صلوات الله عليهم، وقال ليس عندنا إنّه يستغنى به عن الحجّ، ولكنّه يقوم مقامه، إن لم يقدر على الخروج، بإضاقة، أو منع، أو علّة، فأعطاني المعنى، وخالف في العبارة.
قال لي أبو الحسين: فسئل الحلّاج عن هذا، وكان عنده إنّه لا يوجب عليه شيئا، فأقرّ به، وقال: هذا شيء رويته كما سمعته، فتعلّق بذلك عليه.
واستفتى حامد، القاضيين أبا جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخيّ الأنباري «١»، وأبا عمر محمد بن يوسف «٢»، وهما إذ ذاك، قاضيا بغداد.
فقال أبو عمر: هذه زندقة، يجب عليه القتل بها، لأنّ الزنديق لا يستتاب.
وقال أبو جعفر: لا يجب عليه القتل، إلّا أن يقرّ بأنّه يعتقد هذا، لأنّ الناس قد يروون الكفر ولا يعتقدونه، فإن أخبر أنّ هذا شيء رواه وهو [٥٤ ب] يكذّب به، فلا شيء عليه، وإن أخبر إنّه يعتقده، استتيب منه، فإن تاب، فلا شيء عليه، وإن لم يتب، وجب عليه القتل.
قال: فعمل في أمره على فتوى أبي عمر، وعلى ما شاع وذاع من أمره، وظهر من إلحاده وكفره، واستغوائه الناس، وإفساده أديانهم،
[ ١ / ١٦٣ ]
فاستؤذن المقتدر في قتله، وكان قد استغوى نصرا القشوري»
، من طريق الصلاح والدين، لا ممّا كان يدعو إليه، فخوّف نصر السيّدة أمّ المقتدر «٢» .
من قتله، وقال: لا آمن أن يلحق ابنك- يعني المقتدر- عقوبة هذا الشيخ الصالح، فمنعت المقتدر من قتله، فلم يقبل، وأمر حامدا بأن يقتله، فحمّ المقتدر يومه ذاك، فازداد نصر والسيّدة افتتانا، وتشكّك المقتدر فيه، فأنفذ إلى حامد من بادره بمنعه من قتله، فتأخّر ذلك أياما، إلى أن زال عن المقتدر ما كان يجد من العلّة، فاستأذنه حامد في قتله، فضعّف الكلام فيه «٣»، فقال له حامد: يا أمير المؤمنين، إن بقي، قلب الشريعة، وارتدّ خلق على يده، وأدّى ذلك إلى زوال سلطانك، فدعني أقتله، وإن أصابك شيء، فاقتلني، فأذن [٤٩ ط] له في قتله، فعاد، فقتله من يومه، لئلّا يتلوّن المقتدر.
فلما قتل، قال أصحابه، ما قتل هو، وإنّما قتل برذون كان لفلان الكاتب، اتّفق إنّه نفق «٤» ذلك اليوم. وهو يعود إلينا بعد مدّة، فصارت هذه الجهالة، مقالا لطائفة منهم.
[ ١ / ١٦٤ ]