وكانت أكثر مخاريق الحسين بن منصور الحلّاج، هذا، التي يظهرها كالمعجزات، ويستغوي بها جهلة «١» الناس، إظهار المآكل في غير أوانها، بحيل يقيمها، فمن لا تنكشف له، يتهوّس بها، ومن كان فطنا، لم تخف عليه.
فمن طريف ذلك، ما أخبرني بها أبو بكر محمد بن إسحاق بن إبراهيم الشاهد الأهوازيّ، قال: أخبرني فلان المنجّم، وأسماه، ووصفه بالحذق والفراهة، قال:
بلغني خبر الحلّاج، وما كان يفعله من إظهار تلك العجائب [والمخرقات] «٢» التي يدّعي أنّها معجزات، فقلت أمضي وانظر من أيّ جنس هي من المخاريق.
فجئته، كأنّي مسترشد في الدين، فخاطبني وخاطبته، ثم قال: تشهّ «٣» الساعة ما شئت، حتى أجيئك به.
وكنّا في بعض بلدان الجبل التي لا تكون فيها الأنهار. فقلت له: أريد سمكا طريا [في الحياة] «٤» الساعة.
فقال: أفعل، اجلس مكانك.
فجلست، وقام، وقال: أدخل البيت، وأدعو الله تعالى أن يبعث لك [به] «٥» .
[ ١ / ١٦٥ ]
قال: فدخل بيتا حيالي وأغلق بابه، وأبطأ ساعة طويلة، ثم جاءني وقد خاض وحلا إلى ركبته، وماء، ومعه سمكة تضطرب كبيرة.
فقلت له: ما هذا؟
فقال: دعوت الله تعالى، فأمرني أن [٥٥ ب] أقصد البطائح «١» فأجيئك بهذه، فمضيت إلى البطائح فخضت الأهوار «٢»، وهذا الطين منها، حتى أخذت هذه.
فعلمت أنّ هذه حيلة، فقلت له: تدعني أدخل البيت، فإن لم تنكشف لي حيلة فيه آمنت بك.
فقال: شأنك.
ودخلت البيت، وأغلقته على نفسي، فلم أجد فيه طريقا ولا حيلة.
فندمت، وقلت: إن أنا وجدت فيه حيلة وكشفتها له، لم آمن أن يقتلني في الدار، وإن لم أجد، طالبني بتصديقه، فكيف أعمل؟
قال: وفكّرت في البيت، فدققت «٣» تأزيرة «٤»، وكان مؤزّرا بإزار ساج،
[ ١ / ١٦٦ ]
فإذا بعض التأزير فارغ، فحرّكت منه جسريّة «١» خمّنت «٢» عليها، فإذا هي قد انقلعت، فدخلت فيها، فإذا ثمّ باب مسمّر، فولجت منه إلى دار كبيرة، فيها بستان عظيم، فيه صنوف الأشجار، والثمار، والنوّار، والريحان، التي هي في وقتها، وما ليس هو في وقته، مما قد عتّق، وغطّي، واحتيل في بقائه، وإذا بخزائن مليحة، فيها أنواع الأطعمة المفروغ منها، والحوائج لما يعمل في الحال، إذا طلب، وإذا بركة كبيرة في الدار، فخضتها، فإذا هي مملوءة سمكا، كبارا وصغارا، فاصطدت واحدة كبيرة، وخرجت، فإذا رجلي قد صارت بالوحل والماء إلى حدّ ما رأيت رجله.
فقلت: الآن إن خرجت، ورأى هذا معي، قتلني، فقلت: أحتال عليه في الخروج.
فلمّا رجعت إلى البيت، أقبلت أقول: آمنت، وصدّقت.
فقال لي: ما لك؟
قلت: ما هاهنا حيلة، وليس إلا [٥٠ ط] التصديق بك.
قال: فاخرج.
فخرجت، وقد بعد عن الباب، وتموّه عليه قولي، فحين خرجت، أقبلت أعدو إلى باب الدار، ورأى السمكة معي، فقصدني، وعلم أنّي قد عرفت حيلته، فأقبل يعدو خلفي، فلحقني، فضربت بالسمكة صدره ووجهه، وقلت له: أتعبتني، حتى مضيت إلى اليمّ «٣»، فاستخرجت لك هذه منه.
[ ١ / ١٦٧ ]
قال: فاشتغل [عني] «١» بصدره وبعينيه، وما أصابه «٢» من السمكة، وخرجت.
فلمّا صرت خارج الدار، طرحت نفسي مستلقيا، لما لحقني من الجزع والفزع.
فخرج إليّ، وصاح بي، وقال: ادخل.
فقلت: هيهات، والله لئن دخلت، لا تركتني أخرج أبدا.
فقال: اسمع، والله لئن شئت قتلك على فراشك، لأفعلنّ، ولئن سمعت بهذه الحكاية لأقتلنّك، ولو كنت في تخوم الأرض، وما دام خبرها مستورا، فأنت آمن على نفسك، امض الآن حيث شئت، وتركني، ودخل.
فعلمت أنّه يقدر على ذلك، بأن يدسّ أحد من يطيعه «٣» ويعتقد فيه ما يعتقد، فيقتلني.
فما حكيت الحكاية [٥٦ ب]، إلى أن قتل.
[ ١ / ١٦٨ ]