وكنت أنا، اجتمعت ببغداد، في سنة [نيّف و] «١» خمسين وثلاثمائة، مع أبي عليّ بن أبي عبد الله بن الجصّاص «٢»، فرأيت شيخا طيّبا، حسن المحاضرة، فسألته عن الحكايات التي تنسب إلى أبيه، مثل قوله خلف إمام قد قرأ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
، فقال: إي لعمري، بدلا من آمين «٣» .
ومثل قوله للخاقانيّ الوزير: أسهرني البارحة صوت كلاب في الحارة «٤» على بابي، كلّ كلب مثلي ومثل الوزير.
وقوله له، وأراد تقبيل رأسه، فقال: إنّ فيه دهنا فلا تفعل، فقال:
لو كان في رأس الوزير خرا لقبّلته «٥» .
ومثل قوله: قمت البارحة في الظلمة إلى الخلاء فما زلت اتلحّظ المقعدة حتى وقعت [١٠ ط] عليها «٦» .
[ ١ / ٢٩ ]
ومثل قوله وقد وصف مصحفا بالعتق، فقال: هو كسرويّ «١»، وأمثال هذا على كثرته عنه، وتواتر الرواية له.
فقال لي: أمّا أمر المقعدة، وإي لعمري، وما كان من هذا الجنس، فكذب، وما كانت فيه سلامة «٢» تخرجه [١١ ب] إلى هذا، وما كان إلّا من أدهى الناس وأخبثهم «٣»، ولكنّه كان يطلق بحضرة الوزراء قريبا ممّا حكي عنه، بسلاسة طبع «٤» كانت فيه، ولأنّه كان يحبّ أن يصوّر نفسه عندهم بصورة الأبله، ليأمنه الوزراء، لكثرة خلواته بالخلفاء، فيسلم عليهم، وأنا أحدّثك عنه بحديث حدّثنا به، لتعلم معه إنّه كان في غاية الحزم، وإنّ فاعله لا يجوز عليه مثل ما حكي عنه.
فقلت: أحبّ أن تفعل.
قال: حدّثنا أبي قال: إنّ أبا الحسن بن الفرات «٥»، لما ولي بعض
[ ١ / ٣٠ ]
وزاراته قصدني قصدا قبيحا، لشيء كان في نفسه عليّ، فأنفذ العمّال إلى ضياعي، وأمر بنقض معاملاتي، وبسط لسانه بثلبي وتنقّصي في مجالسه، وأدام الغضّ منّي إذا دخلت إليه.
فوسّطت بيني وبينه جماعة، وبذلت له أشياء توجب صلاح ما بيننا، فما نجعت، وأقام على قصدي، وأنا محتمل، طامع في رجوعه «١» .
فدخلت يوما داره، فسمعت حاجبه يقول وقد وليّت عنه: أيّ بيت مال يمشي على وجه الأرض؟ ألفا ألف دينار تمشي وليس لها من يأخذها؟
فعلمت أنّ هذا من كلام صاحبه، وأنّي منكوب، وكان عندي في ذلك الوقت سبعة آلاف ألف دينار، عينا وجوهرا، سوى غيرهما ممّا يحتوي عليه ملكي.
فضاقت عليّ الدنيا، وسهرت ليلتي بأسرها أفكّر في أمري معه، فوقع لي الرأي في الثلث الأخير، فركبت في الحال إلى داره، فوجدت الأبواب مغلقة، فطرقتها.
فقال البوّابون: من هذا؟
فقلت: ابن الجصّاص.
فقالوا: ليس هذا وقت وصول، والوزير نائم.
فقلت: عرّفوا الحجّاب أنّي حضرت لمهمّ، فعرّفوهم، فخرج إليّ أحدهم، فقال: إنّه إلى ساعة ينتبه، فتجلس وتنتظر.
فقلت: الأمر أهمّ من ذلك، فأنبهه وعرّفه عنّي هذا.
[ ١ / ٣١ ]
فدخل، فأبطأ ساعة، ثم خرج، فأدخلني من دار إلى أخرى، حتى انتهيت إلى مرقده، وهو على سرير وحواليه نحو خمسين فراشا لغلمان له، كأنّهم حفظة، وقد قاموا، وبعض الفرش تنقل، وهو جالس في فراشه، مرتاعا، قد ظنّ أنّ حادثة حدثت، أو أنّي جئته برسالة الخليفة، وهو متوقّع لما أورده.
فرفعني، وقال: ما الذي جاء بك في هذا الوقت؟
فقلت: خير، ما حدثت حادثة، ولا معي رسالة، وما جئت إلّا في أمر يخصّ الوزير ويخصّني، لم تصلح مفاوضته فيه إلّا على خلوة شديدة.
فسكن، ثم قال لمن حوله: انصرفوا، فمضوا.
وقال: هات.
فقلت: أيّها الوزير إنّك قد قصدتني أقبح قصد، وشرعت في هلاكي، وإزالة نعمتي، وفي إزالتها خروج نفسي، وليس من النعمة والنفس عوض، ولعمري انّي قد أسأت في خدمتك، وقد كان في بعض هذا التقويم بلاغ [١٢ ب] عندي، وقد جهدت في استصلاحك بكلّ ما قدرت عليه، ووسّطت [١١ ط] بيني وبينك فلانا، وبذلت كذا، وقلت «١» كذا، فأبيت إلّا الإقامة على أذاي، وليس شيء أضعف من السنّور، وإذا عاثت في دكّان بقّال، فظفر بها، ولزّها إلى الزاوية ليخنقها، وثبت عليه، فخدشت وجهه وبدنه، ومزّقت ثيابه، وطلبت الحياة بكلّ ما يمكنها، وقد وجدت نفسي معك في مثل هذه الصورة، ولست أضعف بطشا من السنّور، وقد جعلت هذا الكلام عذرا بيننا، فإن نزلت تحت حكمي في الصلح، وإلّا فعليّ وعليّ، وحلفت له بأيمان غليظة، لأقصدنّ الخليفة الساعة،
[ ١ / ٣٢ ]
ولأحوّلنّ إليه من خزانتي ألفي ألف دينار عينا وورقا «١»، ولا أصبح إلّا وهي عنده، وأنت تعلم قدرتي عليها، وأقول له: خذ هذا المال، وسلّم ابن الفرات إلى فلان، واستوزره، وأذكر له أقرب من يقع في نفسي أنّه يجيب إلى تقليده، ممّن له وجه مقبول، ولسان عذب، وخطّ حسن، [ومخرقة حادّة] «٢»، ولا أعتمد إلّا بعض كتّابك، فإنّه لا يفرّق بينك وبينهم إذا رأى المال حاضرا، فيسلمك في الحال لهم، ويراني المتقلّد بعين من أخذه وهو صغير، فجعله وزيرا، وغرم عنه هذا المال الكثير، ويعتقد أنّي ربّه، ووليّ نعمته، فيخدمني، ويتدبّر بتدبيري، في جميع أمره، فأسلمك إليه، فيفرغ عليك العذاب، حتى يأخذ منك الألفي ألف دينار بأسرها، وأنت تعلم أنّ حالك تفي بها، ولكنّك تفتقر بعدها، ويرجع إليّ المال، ولا يذهب عليّ منه دانق، وأكون قد أهلكت عدوّي، وشفيت غيظي، واسترجعت مالي، وصنت نعمتي، وازداد محلّي عظما بصرف وزير، وتقليد وزير.
فلمّا سمع هذا أسقط في يده «٣»، وقال: يا عدوّ الله أو تستحلّ هذا؟
فقلت: لست عدوّ الله، بل عدوّ الله من استحلّ منّي ما أحوجني إلى الفكر في مثل هذا، ولم لا أستحلّ مكروه من يريد هلاكي وزوال نعمتي؟
فقال: أو أيش؟.
قلت: أو أن تحلف الساعة بما أستحلفك به من الأيمان المغلظة، أنّك تكون لي لا عليّ، في صغير أمري وكبيره، ولا تنقض لي رسما، ولا تغيّر
[ ١ / ٣٣ ]
معاملة، ولا تضع منّي، وتزيد في رفعتي، وذكري بالجميل، ولا تبغي لي الغوائل، ولا تدسّس عليّ المكاره، ولا تشرع لي في سوء ولا نكبة أبدا، ظاهرا ولا باطنا، وتفعل وتفعل ، فاشترطت عليه الأمن من كلّ ما كنت أخافه منه.
فقال: وتحلف أنت أيضا بمثل هذه اليمين على جميل النيّة، وحسن الطاعة، والمؤازرة.
فقلت: أفعل.
فقال: لعنك الله فما أنت إلّا إبليس، سحرتني والله.
واستدعى دواة، وعملنا [١٣ ب] نسخة اليمين، فأحلفته بها أوّلا، ثم حلفت له.
فلما أردت القيام، قال: يا أبا عبد الله لقد عظمت في نفسي وخففّت ثقلا عنّي، فو الله ما كان المقتدر «١» يفرّق بيني مع كفايتي وغنائي وموقعي، وبين أخسّ كتّابي- كما ذكرت- مع المال الحاضر، فليكن ما جرى مطويّا.
فقلت: سبحان الله.
[ ١ / ٣٤ ]
فقال: وإذا كان غدا، فصر إلى المجلس [العامّيّ] «١» لترى ما أعاملك به.
فنهضت، فقال: يا غلمان، بأسركم بين يدي أبي عبد الله، فخرج بين يديّ مائتا غلام، فعدت إلى داري وما طلع الفجر، فاسترحت [١٢ ط] .
وجئته في وقت المجلس، فرفعني فوق جميع من كان بحضرته، وقرّظني التقريظ التام، وعاملني بما علم منه الحاضرون، رجوعه لي، وأمر بإنشاء الكتب إلى عمّال النواحي، بإعزاز وكلائي، وصيانة أسبابي وضياعي وتقدّم إلى كتّاب الدواوين بإخراج كل ما كانوا أدخلوه إليها من تغيير رسومي، والزيادة عليّ، وأن أجرى على الرسوم القديمة.
فشكرته، وقمت، فقال: يا غلمان بين يديه، فخرج الحجّاب يجرّون سيوفهم بين يديّ، والناس يشاهدون ذلك، ويعجبون منه، وقد رجع جاهي، ولم يعلم أحد سبب صلاح ما بيننا، فما حدّثت بذلك إلّا بعد القبض عليه.
ثم قال لي أبو عليّ ابنه: فهل كان هذا فعل ورأي من يليق به ما حكي من تلك الحكايات عنه؟
فقلت لا.
[ ١ / ٣٥ ]