وبلغني أنّ آخر، أسرع في ماله، فبقيت منه نحو خمسة آلاف دينار «١»، فقال: أريد «٢» أن تفنى بسرعة، حتى أنظر أيّ شيء أعمل بعدها.
فعرضت عليه أشياء من هذا الجنس، فلم يردها.
فقال له بعض أصحابه: تبتاع زجاجا مخروطا بالمال كلّه، إلّا خمسمائة دينار، وتعبّيه بحذائك، ويكون في نهاية الحسن، وتنفق الخمسمائة دينار في يوم واحد، في جذور «٣» المغنيّات، والفاكهة، والطيب، والشراب، والثلج، والطعام، فإذا قارب الشراب أن يفنى، أطلقت فارتين في الزجاج، وأطلقت خلفهما سنّورا، فيتعادى الفار والسنّور في الزجاج، فيتكسّر جميعه، وتنهب الباقي.
فقال: هذا طيّب.
فعمل ذلك، وجلس يشرب، فحين سكر، قال: هي، وأطلق الرجل الفارتين والسنّور، وتكسّر [٥٣ ط] الزجاج، وهو يضحك، ونام.
وقام الرجل ورفقاؤه، فجمعوا ذلك [٥٩ ب] الزجاج، وعملوا من قنّينة قد تشعّثت قدحا، ومن قدح قد تكسّر برنيّة غالية «٤»، ولزقوا ما تصدّع،
[ ١ / ١٧٨ ]
وباعوه بينهم، فرجع عليهم منه دراهم صالحة اقتسموها، وانصرفوا عن الرجل، فلم يعرفوا خبره.
فلما كان بعد سنة، قال صاحب المشورة، بالزجاج والفار والسنّور، لو مضيت إلى ذلك المدبر، فعرفت خبره.
فجاء، فإذا هو قد باع قماش بيته، وأنفقه، ونقض داره، وباعها، وسقوفها، حتى لم يبق إلّا الدهليز، وهو نائم فيه، على قطن، متغطّ بقطن قد فتق من لحف وفرش، بيعت وبقي القطن، فهو يتوطّاه، ويتغطّى به من البرد.
قال: فرأيته، وكأنّه سفرجل بين القطنين.
فقلت: يا ميشوم، ما هذا؟
قال: ما تراه.
فقلت: في نفسك حسرة؟
قال: نعم.
قلت: ما هي؟
قال: أشتهي أن أرى فلانة، مغنيّة كان يعشقها، وأتلف أكثر المال عليها.
قال: وبكى، فرققت له، وأعطيته من منزلي ثيابا، فلبسها، وجئنا إلى بيت المغنّية، فقدّرت أنّ حاله قد ثابت «١»، فدخلنا إليها «٢»، فحين رأته، أكرمته، وبشّت به، وسألته عن خبره، فصدقها عن الصورة.
فقالت له في الحال: قم، قم.
قال: لم؟
قالت: لئلا تجيء ستّي وتراك وليس معك شيء فتحرد عليّ لم
[ ١ / ١٧٩ ]
أدخلتك، فاخرج إلى برّا «١» حتى أصعد أكلّمك من فوق.
فخرج، وجلس ينتظر أن تخاطبه من روزنة «٢» في الدار إلى الشارع، وهو جالس.
فقلبت عليه مرقة من قدر سكباج «٣»، وصيّرته آية ونكالا، وضحكت.
فبكى، وقال: يا أبا فلان، بلغ أمري إلى هذا»
؟ أشهد الله، وأشهدك أنّي تائب.
قال: فأخذت أطنز به «٥»، وقلت: أيش تنفعك التوبة الآن؟
قال: ورددته إلى بيته، ونزعت ثيابي عنه، وتركته بين القطن، كما كان أوّلا، وحملت ثيابي، فغسلتها، وأيست منه، فما عرفت له خبرا، نحو ثلاث سنين.
فأنا ذات يوم، في باب الطاق «٦» فإذا بغلام يطرّق «٧» لرجل راكب، فرفعت رأسي إليه، فإذا به على برذون فاره، بمركب خفيف مليح فضّة،
[ ١ / ١٨٠ ]
وثياب حسنة، ودراريع فاخرة، وطيب طيّب، وكان من أولاد الكتّاب، وكان قديما [أيام يساره] «١» يركب من الدواب أفرهها، ومن المراكب أفخرها، وآلته وثيابه، [وقماشه] «٢» أفخر شيء ممّا كان يقدر عليه، أو ورثه عن والديه.
فحين رآني، قال: فلان، فعلمت أنّ حاله قد صلحت، فقبّلت فخذه، وقلت: سيّدي أبو فلان.
فقال: نعم.
قلت، إيش هذا؟
قال: صنع الله، والحمد له، البيت، البيت، فتبعته، حتى انتهى إلى بابه، فإذا بالدار [٦٠ ب] الأوّلة، قد رمّها «٣»، وجعلها صحنا واحدا، فيه بستان، وجصّصها من غير بياض، وطبّقها «٤»، وترك فيها مجلسا واحدا، حسنا، عامرا، وجعل باقي المجالس صحنا، وقد صارت طيّبة، إلّا أنّها ليست بذلك السرو الأول.
وأدخلني إلى حجرة كانت له قديما، يخلو فيها، وقد أعادها إلى أحسن ما كانت عليه، وفيها فرش حسن [٥٤ ط] ليس من ذلك الجنس، وفي داره أربعة غلمان، قد جعل كلّ خدمتين إلى واحد منهم، وخادم شيخ، كنت أعرفه له، قد ردّه، وجعله بوّابا، وشاكريّ «٥»، وهو سائسه.
وجلس، فجاؤوه بآلة مقتصدة نظيفة، فخدم بها، وبفاكهة مختصرة
[ ١ / ١٨١ ]
متوسّطة، وطعام نظيف كاف، إلّا أنّه قليل، فأكلنا، وبنبيذ تمر جيّد، فجعلوه بين يديّ، وبمطبوخ جيّد بين يديه.
ومدّت ستارة، فإذا بغناء طيّب، وبخّر بعود طريّ «١» وندّ جميعا، وأنا متشوّف إلى علم السبب.
فلما طابت نفسه، قال: يا فلان، تذكر أيّامنا الأوّلة؟
قلت: نعم.
قال: أنا الآن في نعمة متوسّطة، وما قد أفدته «٢» من العقل، والعلم بالزمان، أحبّ إليّ من تلك النعمة، هو ذا ترى فرشي؟
قلت: نعم.
قال: إن لم يكن بذلك العظم، فهو مما يتجمّل به أوساط الناس.
قلت: نعم.
قال: وكذلك آلتي، وثيابي، ومركوبي، وطعامي، وفاكهتي، وشرابي، فأخذ يعدّد ويقول في كل فصل: إن لم يكن ذلك المفرط، ففيه جمال، وبلاغ، وكفاية.
إلى أن ذكر كلّ ما عنده «٣»، ويضيف ذلك إلى أمره الأوّل، ويقول:
هذا يغني عن ذلك، وقد تخلّصت من تلك الشدّة الشديدة، تذكر يوم عاملتني المغنّية لعنها الله بما عاملتني به؟ وما عاملتني به أنت ذلك اليوم، وقلته في كلّ يوم، وفي يوم الزجاج؟
فقلت: هذا قد مضى، والحمد لله الذي أخلف عليك، وخلّصك مما كنت فيه، فمن أين لك هذه النعمة، والجارية التي تغنّينا الآن؟
[ ١ / ١٨٢ ]
فقال: اشتريتها بألف دينار «١»، وربحت جذور القيان «٢»، وأمري الآن على غاية الانتظام والاستقامة.
فقلت: من أين هذا؟
قال: مات خادم لأبي، وابن عمّ لنا بمصر، في يوم واحد، فخلّفا ثلاثين ألف دينار، فحملت إليّ بأسرها، فوصلت في وقت واحد، وأنا بين القطن، كما رأيت، فحمدت الله، واعتقدت أن لا أبذّر، وأن أدبّر، وأعيش بها إلى أن أموت، وأنفقها على اقتصاد.
فعمّرت هذه الدار، واشتريت جميع ما فيها من فرش وآلة وثياب ومركوب وجواري وغلمان، بخمسة آلاف دينار، وجعلت تحت الأرض خمسة آلاف دينار [٦١ ب]، عدّة للحوادث، وابتعت ضياعا ومستغلات بعشرة آلاف دينار، تغلّ لي في كلّ سنة، مقدار نفقتي، على هذا المقدار الذي تراه من النفقة، ويفضل لي في كلّ سنة إلى وقت ورود الغلّات، شيء آخر، حتى لا أحتاج أن أقترض ولا أن أستدين، وأمري يمشي على هذا.
وأنا في طلبك منذ سنة، ما عرفت لك خبرا، فإنّي أحببت أن ترى رجوع حالي، ومن دوام صلاحها، واستقامتها، أن لا أعاشرك، يا عاضّ بظر أمّه، أبدا، خذوا يا غلمان برجله.
فجرّوا والله برجلي، وأخرجوني، ولم يدعوني أتمّم شربي عنده ذلك اليوم.
وكنت ألقاه بعد ذلك على الطريق راكبا. فيضحك إذا رآني، ولا يعاشرني، ولا أحدا من تلك الطبقة «٣» .
ويبعد في نفسي، ما حكي من أمر سفاتج الأعراب والأكراد، والزجاج، [٥٥ ط] فإن هذا عندي، لا تسمح به نفس مجنون.
[ ١ / ١٨٣ ]