قال أحمد بن أبي حجلة المغربي: للناس فيه كلام من الطرفين، وتبختر بين الصفين، فقائل بأنه اضطراري، وقائل بأنه اختياري، ولكل من القولين وجه مليح، وقد رجيح، ونحن نذكر ما يعم
[ ١٧ ]
به الانتفاع، ونتكلم في طوله وعرضه بالباع والذراع. فمن ذلك ما قاله القاضي محمد بن أحمد النوقاتي في كتابه "منحة الظراف": العشاق معذورون على كل حال، مغفور لهم جميع الأقوال والأفعال، إذ العشق إنما دهاهم على غير اختيار، بل اعتراهم على جبر واضطرار، والمرء إنما يلام على ما يستطيع من الأمور، لا في المقضى عليه والمقدور، هذا مما لا يشك فيه ذو لب، ولا يختلج خلافه في قلب. وجاء في تفسير قوله تعالى: (فلما رأينه وأكبرنه وقطعن أيديهن) [يوسف: ٣١] . وهذا اضطرار واضح. قال وهب: كن أربعين امرأة، فمات منهن تسع وجدا بيوسف وكمدا عليه. وقال الفضيل بن عياض: لو رزقني الله دعوة مجابة لدعوت الله تعالى بها أن يغفر للعشاق، لأن حركاتهم اضطرارية لا اختيارية. وفي كتاب "امتزاج الأرواح" للتميمي: قال بعض الأطباء: وقوع العشق بأهله ليس باختيارهم، ولا بحرصهم عليه، ولا لذة لأكثرهم فيه، ولكن وقوعه بهم كوقوع العلل المدنفة والأمراض المتلفة، لا فرق بينه وبين ذلك. وقال المدائني: لام رجل رجلا من أهل الهوى، فقال: لو كان لذي هوى اختيار لاختار أن يهوى، ولكن لا اختيار له. وقال الحافظ ابن القيم ﵀: فسر كثير من السلف قوله تعالى: (ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به) [البقرة: ٢٨٦] بالعشق، وهذا لم يريدوا به التخصيص، وإنما أرادوا به التمثيل، وإن العشق من تحميل ما لا يطاق، أي: التحمل القدري لا الشرعي الأمري. انتهى. وحكى ابن حزم أن رجلا قال لعمر
[ ١٨ ]
بن الخطاب ﵁: رأيت امرأة فعشقتها، فقال عمر: ذلك مما لا يملك. وقال ابن طاووس في قوله تعالى: (وخلق الإنسان ضعيفا) [النساء: ٢٨] أي: إذا نظر إلى السماء لم يصبر. ومن هذا ظهر أن عذلهم في هذه الحال بمنزلة عذل المريض في مرضه. وذهب جماعة من الأطباء وغيرهم إلى أنه اختياري، والإنسان هو المختار فيه بتسليط فكرته في بحار سكرا ته، والمحبة إرادة قوية، والعبد يحمد ويذم على إرادته، إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا، وقد ذم الله تعالى الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وأخبر أن عذابهم أليم، ولو كانت المحبة لا تملك لم يتوعدوهم بالعذاب على ما لا يدخل تحت قدرتهم، ومنه قوله تعالى: (ونهى النفس عن الهوى) [النازعات: ٤٠] ومحال أن ينهي الإنسان نفسه عما يدخل تحت قدرته. والقول الصحيح الذي ليس فيه رد، ولا عن محبوبه صد، التفصيل في ذلك، وهو أن العشق يختلف باختلاف ما جبل الإنسان عليه من اللطافة ورقة الحاشية، وغلظ الكبد، وقساوة القلب، ونفور الطباع وغير ذلك، فمنهم من إذا رأى الصورة الحسنة مات من شدة ما يرد على قلبه من الدهش، كما تقدم في حق النسوة اللاتي متن لما رأين يوسف ﵇. وقد كان مصعب بن الزبير إذا رأته المرأة حاضت لحسنه، ومنهم من إذا رأى المليح سقط من قامته، ولم يعرف نعله من عمامته، فهذا وأمثاله عشقه اضطراري، والمخالفة فيه مكابرة في المحسوس. ومنهم من يكون أول عشقه الاستحسان للشخص، ثم تحدث له إرادة القرب
[ ١٩ ]
منه، ثم المودة، وهو أن يود، أو ملكه، ثم يقوى الود فيصير محبة، ثم يصير خلة، ثم يصير هوى، ثم يصير عشقا، ثم يصير تتيما، ثم يصير ولها، فهذا وأمثاله مبدأ عشقه اختياري، لأنه كان يمكنه دفع ذلك وحسم مادته، على أن هذا النوع أيضا إذا انتهى بصاحبه إلى ما ذكرنا صار اضطراريا، كما قال الشاعر:
العشق أول ما يكون مجانة فإذا تمكن صار شغلا شاغلا
وقال بعض الفلاسفة: لم أر حقا أشبه بباطل ولا باطلا أشبه بحق من العشق، هزله جد، وجده هزل، أوله لعب، وآخره عطب. قال صاحب "روضة المحبين": وهذا كان بمنزلة السكر مع شرب الخمر، فإن تناول المسكر اختياري، وما يتولد منه من السكر اضطراري. فحينئذ يكون ادعاء من قال: إنه اضطراري مطلقا أو اختياري مطلقا غير مقبول عند ذوي العقول.