[ ٢٢ ]
وقد عبّر عنه جماعةٌ فكان أقربَ أقوالهم الى القلب ما ذكرَه عبد الله بن المُعتز، فإنه قال: الاستثناء في الشعر تأكيد مدحٍ بما يُشبهُ الذمَ. فمن ذلك قولُ النابغة:
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنّ سُيوفَهُمْ بهِنّ فُلولٌ من قِراع الكتائِبِ
وأما النّحويّون فالاستثناء في الكلام عندهم استخراجُ بعضٍ من كلٍ في حكم شاملٍ بمعنى إلا. وقال أيضًا:
فتىً كمُلَتْ أخلاقُه غيرَ أنّه جوادٌ فما يُبقي من المالِ باقيا
وقال أيضًا:
فتىً تمّ فيه ما يسُرُّ صديقَهُ على أنّ فيه ما يسوءُ الأعاديا
فقوله في البيت الأول غير أنه وفي البيتِ الثاني على أنّ فيه من أبرعِ الاستثناء وأحسنه. وقالوا: أحسنُ ما ورد في هذا النوع قول الربيع بن ضَبّة:
فَنيتُ ولا يَفْنى حديثي ومنطقي وكلّ امرئٍ إلا أحاديثَهُ فانِ
وقال قوم: بل قول الآخر:
فلا تَبعُدَنْ إلا من السوءِ إنّني إليكَ وإن شطّتْ بيَ الدارُ نازِعُ
وقال آخرون: بل قول بعض الأعراب: خَرْقاءُ إلا أنها صَناع. وقد أحسن وأجاد في هذا الباب أبو هِفّان المِهْزَميّ العبدي حيث يقول:
فإن تسألي عنّا فإنّا حُلَى العُلى بني عامرٍ، والأرضِ ذاتِ المناكبِ
ولا عيبَ فينا غيرَ أنّ سماحَنا أضرّ بنا، والبأسُ من كل جانِبِ
فأفنى الرّدى أعمارَنا غيرَ ظالمٍ وأفنى النّدَى أموالَنا غيرَ عائبِ
أبونا أبٌ لو كان للناسِ كلِّهمْ أبٌ مثلُهُ، أغناهُمُ بالمناقِبِ
ومنها: