ومعنى الاستطراد خروج الشاعر من ذمٍّ الى مدحٍ أو من مدحٍ الى ذمّ. وللمُحدَثين في هذا الباب أشعارٌ كثيرة عجيبة. قال زهير:
إنّ البخيلَ ملومٌ حيثُ كان ول كنَّ الجَوادَ على عِلاّتِه هَرِمُ
استطردَ الكلامَ الي مدْحِ هرِم. وقال الفرزدق:
كأنّ فِقاحَ الأزْدِ حوْلَ ابنِ مِسْمَعٍ إذا عَرِقَتْ، أفواهُ بكرِ بنِ وائِلِ
استطرد الكلام الى ذمّ بكرِ بن وائل. وقد حَثا جريرٌ التّرابَ في وجه السابقِ الى هذا المعنى فضلًا عمّن تلاهُ، فإنّه استطرد باثنين في بيتٍ واحد وهو:
لمّا وضَعْتُ على الفرزدقِ ميسَمي وضَغا البَعيثُ جدَعْتُ أنفَ الأخطلِ
الضَّغُو والضُّغاءُ صوتُ الذليلِ المقهور وقال آخر:
أنتَ ابنُ بِيضٍ لعَمْري لستُ أُنكِرُهُ حقًّا يقينًا، ولكن مَنْ أبو بِيضِ؟
وقال بكرُ بنُ النطّاح في مالِك بن طَوْق وهو استطرادٌ من مدحٍ الى مدح:
عرضْتُ عليها ما أرادَتْ من المُنى لتَرْضَى فقالَتْ قُمْ فجِئْني بكَوْكَبِ
فقُلتُ لها: هذا التّعَنُّتُ كلُّهُ كمن يتَشهّى لحمَ عَنقاءَ مُغرِبِ
سَلي كلَّ أمرٍ يستقيمُ طِلابُه ولا تَذْهَبي يا دُرُّ، في كل مذْهَبِ
فأُقْسِمُ لو أصبحتُ في عِزِّ مالكٍ وقُدْرَتِهِ أعْيا بما رُمْتِ مَطْلَبي
فتىً شَقِيَتْ أموالُهُ بنَوالِهِ كما شَقِيَتْ قيسٌ بأرماحِ تغْلِبِ
وشبيهٌ بهذه الأبيات ما ذكرَهُ الأصفهاني في كتابه قال: قال أحمدُ بن عُبيد اللهِ بن عمّار: كنا عندَ المُبرِّد يومًا وعندَه فتىً من وُلْدِ أبي البَختريّ وهْب بن وهب القاضي، أمردُ حسَنُ الوجه، وفتىً من وُلْدِ أبي دُلَف القاسم بن عيسى العِجْلي شبيهٌ به في الجمال، فقال المبرد لابن أبي البَختري: أعرفُ لجَدِّكَ قِصةً طريفةً من الكرَم حسنةً لم يُسْبَقْ إليها، فقال الفتى: وما هي؟ قال: دفعِيَ رجُلٌ من أهلِ الأدبِ الى بعض المآدبِ فسقَوْهُ نبيذًا غير الذي كان يشربون، فقال:
نَبيذانِ في مجلسٍ واحدٍ لإيثارِ مُثْرٍ على مُقْتِرِ
[ ١٩ ]
فلو كانَ فِعلُكَ ذا في الطّعامِ لَزمتُ قياسَكَ في المُسْكِرِ
ولو كنتَ تفعَلُ فِعْلَ الكِرامِ صنعتَ صَنيعَ أبي البَخْتَري
تتبّعَ إخوانَهُ في البلادِ فأغْنى المُقِلَّ عن المُكثِرِ
فبلغتِ الأياتُ جدَّكَ فبعث الى الرّجل خمسمائة دينار. قال ابن عمّار: فقلت: وقد فعلَ جدُّ هذا الفتى في هذا المعنى ما هو أحسنُ من هذا، قال المُبرّد: وما هو؟ قلت: بلغني أن ابنَ أبي فَنَنٍ افْتَقَر بعد ثروةٍ، فقالت له امرأته: افْتَرِضْ في الجُنْدِ، فأنشأ يقول:
إليكِ عني فقد كلَّفْتِني شَطَطًا حَمْلَ السِّلاحِ وقوْلَ الدّارِ عينَ قِفِ
تمشي المنايا الى قومٍ فأكرَهُها فكيف أمشي إليها عاريَ الكتِفِ
حَسِبْتُ أنّ نفاد المالِ غيّرني أو أن قلْبيَ في جَنْبَيْ أبي دُلَفِ
فأحضرهُ أبو دُلَف وقال له: كم أمّلَت امرأتُكَ أن يكون رزقُك؟ قال: مائةَ دينار، قال: وكمْ أمّلْتَ أن تعيشَ؟ قال: عشرين سنة، قال: فلكَ عليّ الذي أمّلْتَ وأمّلَتِ امرأتُك في مالي دون مالِ السلطان. وأمرَ بدفعِ ذلك إليه. قال: فرأيتُ وجهَ ابن أبي دُلَف يتهلّل، وانكسر ابن أبي البَختري. وقال الآخر:
أسَرْنا كما قد عوّدَتْنا رِماحُنا لدَى مَعْرَكِ الخيلينِ، والنَّقْعُ ثائِرُ
أخبر أنه أسَرَ عدوًا واستطرد الكلامَ الى أنه معوَّدٌ لذلك. ومنها: