[ ٢٣ ]
الاستعارة من أشرف صنعة الكلام وأجلّها، وكان القدماء يسمّونها الأمثالَ فيقولون: فلان كثير الأمثال. ولقبُها بالاستعارة ألزمُ لأنه أعَمّ، ولأن الأمثالَ كلَّها ليس تجري مجرى الاستعارة، ألا ترى قول السُّلَيْك بن السُّلَكَة وقد وقع عليه رجلٌ وهو نائم فضغطَه السُلَيكُ، فحبَقَ الرجل، فقال السليك: أضرطًا وأنتَ الأعلى! فأرسلها مثلًا، وقد أورد الشيءَ على حقيقته. ومن أبرع ما قيل في الاستعارة قول ذي الرّمّة:
أقامتْ به حتى ذوى العودُ في الثّرى وساقَ الثُّريّا في مُلاءَتِه الفجْرُ
قال أبو عمرو بن العلاء: كانتْ يدي في يد الفرزدق فأنشدته بيت ذي الرمة، فقال: أُنشِدُكَ أم أدعُك؟ قال: قلت: بل أنشِدْني، فقال: أقامَت به حتى ذوى العودُ والثّرى، ثم قال: العود لا يذوي مهما أقام في الثرى، ثم قال: ولا أعلمُ كلامًا أحسنَ من قوله: وساقَ الثريّا في مُلاءَته الفجْرُ، ولا مُلاءَة له وإنما هي استعارة. وقال ابن المعتزّ: العود لا يذوي ما دام في الثّرى. قال الصّولي: اجتمعتُ وجماعةً من فرسان الشعر عند عبد الله بن المعتز، وكان بعِلمِ البديع محقِّقًا ينْصُرُ دعواه لسانُ مذاكرتِهِ، فلم يبقَ مسلَكٌ من مسالكِ الشر إلا وسلكناه، وأوردْنا أحسن ما قيل في معناه، الى أن قال ابنُ المعتز: ما أحسنُ استعارةٍ للعرب اشتملَ عليها بيتٌ من الشر؟ فقال الأسدي: قول لبيد:
وغداةَ ريحٍ قد كشَفْتُ وقرّةٍ إذْ أصبَحتْ بيدِ الشّمالِ زمامُها
فجعل للشمال يدًا وللغداةِ زِمامًا، فقال ابن المعتزّ: هذا حسن وغيرُه أحسن منه، وقد أخذَه من قول ثعْلَبة بن صُعَيْر المازني يصفُ نَعامةً وظَليمًا:
فتذكّرا ثَقَلًا رثيدًا بعدَما ألْقَتْ ذُكاءُ يمينَها في كافِرِ
الثَّقَل: بيضُ النعام، والرثيد: المنضود بعضُه على بعض، وذُكاء: الشمس، وكافر: الليل، جعل للشمس يمينًا ملقاةً في الليل. قال: وقول ذي الرّمة أعجب إليّ منه وإنْ تأخّر زمانُه، حيث يقول:
ألا طرَقَتْ مَيٌّ هَيومًا بذِكْرِها وأيْدي الثُريّا جُنَّحٌ في المغاربِ
وقال بعضُنا: قولُ لبيد أحسن:
ولقد حَمَيْتُ الحيَّ تحمِلُ شكَّتي فُرُطٌ، وشاحي إذ غدَوْتُ لجامُها
يقال: فرسٌ فُرُط إذا تقدّم الخيلَ وسبقها. قال ابنُ المعتز: هذا حسن، وانظروا الى قول الهُذَليّ:
ولو أنني استودَعْتُهُ الشّمسَ لارتَقَتْ إليه المنايا عينُها ورسولُها
ثم قال: هذا بديع، وأبدعُ منه في استعارة لفظ الاستيداع قولُ الحُصَيْن بن الحُمام المُرّي حيث يقول:
نُطاردُهُم نستودِعُ البيضَ هامَهُمْ ويستودعونا السَّمْهَريَّ المُقَوَّما
في هذا البيت معنىً لطيف يدلّ على إقدامهم وتأخّر خصومهم، فاعرِفْه من لفظه، وقال بعضُنا: قول ذي الرمة أحسن:
أقامت به حتى ذَوى العودُ في الثّرى وساق الثريّا في مُلاءَتِه الفجْرُ
فقال ابنُ المعتز: هذا هو الغاية، وذو الرمة أبدعُ الناس استعارة. قال الصّولي: فكأنه والله نبّهني على ذي الرمّة، فقلت: بل قوله أحسن:
ولما رأيتُ الليلَ والشمسُ حيّةٌ حياةَ الذي يقضي حُشاشةَ نازِعِ
فقال ابن المعتز: اقتَدَحْتَ زنْدَك فأوْرَى يا أبا بكر، هذا بارعٌ جدًا، ولكن قد سبقَه الى هذه الاستعارة جرير وأجاد بقوله:
تُحْيي الرّوامِسُ رَبْعَها فتُجِدُّهُ بعدَ البِلَى، وتُميتُهُ الأمطار
قال: وهذا بيت حسن قد جمع الاستعارة والمُطابقة، لأنه جاء فيه بالإحياء والإماتة والبِلى والجِدّة، ولكنْ ذو الرّمة قد استولى ذِكرَ الإحياء والإماتة في موضع آخر فأحسنَ بقوله:
ونَشْوانَ من طِولِ النُعاس كأنّهُ بحَبْلَين في أنشوطةٍ يترجّحُ
إذا ماتَ فوق الرّحْلِ أحْيَيْتُ روحَه بذِكْراكِ والعيسُ المراسيل جُنَّحُ
قال الصّولي: وانصرفْنا وما من الجماعة إلا من قد غمرَهُ بحْرُ ابنِ المعتز في عِلم الشعر، وحُسْن تصرّفهِ في الكلام.
وأقول: إنّ أوّل مَن استعارَ في الشِّعر امرؤ القيس، فمن استعاراته قولُه:
[ ٢٤ ]
وليلٍ كموْجٍ اليَمِّ مُرْخٍ سُدولَه عليّ بأنواع الهمومِ ليَبْتَلي
فقلت له لما تمطّى بجَوْزِه وأردف أعْجازًا وناءَ بكَلكَلِ
وقال زهير:
صَحا القلبُ عن سَلْمى وأقصرَ باطلُهْ وعُرِّيَ أفراسُ الصِّبى ورَواحلُهْ
قال الأصمعي: أول من عرّى أفراس الصِّبى طُفَيل بقوله:
فأصبحتُ قد عنّفْتُ بالجهلِ أهلَه وعُرِّيَ أفراسُ الصِّبى ورواحِلُهْ
وقال العُدَيْل بن الفَرْخ:
تكون لنا بيضُ السيوف مَعاذَةً إذا طِرْن بالأيدي كلَمْحِ العقائِقِ
وقال أيضًا:
مَن الطاعِنُ الجبّار، والخيلُ بينها عجاجٌ تهادى نقْعُهُ بالسّنابِكِ
الاستعارة تَهادى، والقرينةُ بالسنابك. وقال مُزاحم العُقَيْلي:
سجَنْتُ الهوى في الصّدْرِ حتى تطلّعَتْ بناتُ الهوى يُعْوِلْنَ من كلِّ مُعْوِلِ
جعل صدرَه سِجنًا للهوى، وجعل للهوى بناتٍ، وإنما يعني همومَه، وجعلها متَطلِّعةً، وجعلها مُعْوِلَةً، وهذه من الاستعارات الحسَنةِ. وقالت الخنساء:
لدى مأزِقٍ بينها ضيِّقٍ تجُرُّ المنيةُ أذْيالَها
جعلتْ للمنية أذيالًا وجعلَتْها مجرورةً والقرينة لفظية. وقال مُزاحم العُقيلي يصِف فَلاةً:
تموتُ الرياحُ الهُوجُ في حَجَراتِها وهيهاتَ من أقطارِها كلُّ مَنْهَل
وقال جرير:
ورأيت راحلةَ الصِّبا قد قصّرتْ بعدَ الذّميلِ وملّتِ التَّرحالا
وقال أيضًا:
غداةَ ابتَقرْنا بالسيوفِ أجِنّةً من الحرْبِ في مَنْتوجَةٍ لم تُطَرَّقِ
ابتقرنا، افتعلنا من البَقر وهو شقُّ البطن للحُبْلى وغيرها، فاستعار للحرب بطنًا وأوجب عليها بَقْرًا، واستخراج جنينها. والتطريق أن يعْسُرَ خروج الولد، وهذه استعارة للحرب حسنة. وقال العائذي:
ونحنُ بنو حربٍ غذَتْنا بثَدْيِها وقد شمِطَتْ أصداغُها وقرونُها
وقال حاجب بن زُرارة:
ومِثلي إذا لم يُجْزَ أكرَمَ سعيهِ تكلّمُ نُعْماه بفِيها فتَنطِقُ
ومن هذا البيت أخذ نُصَيْب قولَه:
فعاجُوا فأثْنَوا بالذي أنتَ أهلُهُ ولو سكَتوا أثنَتْ عليكَ الحقائِبُ
وقال الفرزدق:
والشيبُ ينهضُ في الشبابِ كأنّهُ ليلٌ يَصيحُ بجانبَيْهِ نهارُ
أخذهُ ابنُ هَرْمة فقال:
وقد صاحَ في الليلِ النّهارُ كأنّه خِلافَ الدُجى أقرابُ أبْلَقَ أقْرَحا
وقال ابن مُقْبِل:
لدُنْ غُدْوَةً حتى نزَعْنَ عشيّةً وقد مات شطرُ الشّمْسِ والشطْرُ مُدْنِفُ
وقال سليمان بن عمّار السُلَميّ:
وموْلًى كداءِ البطنِ ليسَ بزائلٍ تدِبُّ أفاعيه لَنا والعقارِبُ
أقام قوارصَ كلامِه مقامَ الأفاعي والعقارب، وهذه استعارة حسنة قرينتُها لفظية وهي قوله: تدِبُّ. وقال جَحْشُ بن زيدٍ الحَنَفي:
فَطَمْنا بني كعبٍ عن الحرب بعدَها ولاقَوْا من الأبطال وقعًا غَشَمْشَما
القرينةُ في هذا البيت معنويّة، وذلك أنه قد استقرّ عندَهُم تشبيهُ الحرب بالناقة على صِفاتٍ مختلفة، وأنهم يذكرون أخلافها وأنها تدِرُّ وتُحلب، فلما استقرّ عندَهم وكثُرَ بينهم كان اطِّراحُه وإيرادُه عندهم واحدًا، وهذا معنى لطيف فاعْرفْهُ. وقال عجلان بنُ لأيٍ الثّعلبي:
عجِبْتُ لداعي الحرب والحربُ شامِذٌ لَقاحٌ بأيْدينا تُحَلُّ وتُرْحَلُ
الشامِذُ: الناقةُ شَمذت تشْمِذُ بالكسر شِماذًا إذا لُقِحَتْ فشالَت بذنَبِها. وقال صابرُ بنُ صفوان الهُذَلي الحنَفيّ:
وقدأشعلَتْ نيرانَها الشمسُ واصْطَلى بها غَضْوَرُ البيداءِ حتى تلهّبا
وقال المُحْرِز بن المُكعبِر الضّبّي:
سالتْ عليهِ شِعابُ العِزِّ حين دَعا أصحابَهُ بوجوهٍ كالدنانيرِ
هذه استعارة حسنة قرينتُها لفظية، وهي قولُه: سالتْ عليه شعابُ العِزِّ فذكر السّيْلَ مع الشِعاب، ولو قال: سالَ عليه العزُّ لم يكُ حسَنًا. وقال رجلٌ من بَلْعنبر:
[ ٢٥ ]
قومٌ إذا الشرُّ أبْدى ناجِذَيْهِ لهُمْ طاروا إليه زَرافاتٍ ووِحدانا
وأنشد الأصمعي:
وما زِلتُ أرْشو الدّهرَ صَبْرًا على التي تَسوءُ الى أن سرّني فيكُمُ الدّهْرُ
جعل الصبْرَ رِشوةَ للدهر ليُعينَه وهي استعارة حسنة. وقال قُرْطُ بن حارثة العامري الكلبي:
إنّما شيّبَ الذُؤابةَ مني وشجاني تناصرُ الأحزانِ
الاستعارةُ في تناصر. وقال أبو دَهْبَل الجُمَحي:
أقول والرّكْبُ قد مالَتْ عمائِمُهمْ وقد سَقى القومَ كأس النّشوةِ السّمَرُ
وقال ذو الرمة:
سقاهُ الكَرى كأسَ النُعاسِ فرأسُهُ لدِين الكَرى من آخِر الليل ساجِدُ
وقال حمزة بن بَيْض الحنَفيّ:
وأقام في رأسي المشيبُ فراعَني ضيفٌ لَعَمْرُ أبيكَ ليسَ برائِمِ
وحنَى قناتي ثمّ وتّر قوسَه ورَمى بأسْهُمِهِ فشكّ قوائِمي
وقال الأفوهُ الأْوديّ:
إنما نِعْمةُ قومٍ مُتعَةٌ وحياةُ المرءِ ثوْبٌ مُستعار
جعل الحياةَ ثوبًا وجعله مُسْتعارًا. وقال ابنُ ميّادة يصف الألحاظ:
وبَرَيْنَ، لمّا أن أردْنَ نِضالَنا نَبْلًا بلا ريشٍ ولا بِقداحِ
لما استقرّ النبلُ للحظ استعار النضال والريشَ، والقرينة هنا لفظيّة. وقال الآخر:
أخذْنا بأطرافِ الأحاديثِ بيننا وسالَتْ بأعناقِ المطيِّ الأباطِحُ
وقال عمر بن أبي ربيعة المخْزومي:
وهْيَ مكنونةٌ تحيّرَ منها في أديمِ الخدّيْنِ ماءُ الشّبابِ
وأنشد ثعْلَب:
إذا ما أتاهُ السائِلونَ توقّدَتْ عليهِ مصابيحُ الطّلاقَةِ والبِشْرُ
وقال مِحْجَن بن عُطارِد العنْبري:
تُحدّثُني أنّ البليّةَ قد أتَتْ وأنّ سِنينَ المحْلِ قد صاحَ هامُها
وهذه استعارة حسنة. والاستعاراتُ في المنظوم والمنثور تتجاوز حدَّ كل حدٍ محصور، فيما أتينا به مَقْنَع.
ومن الألقاب المقدّم ذكرها: