وهو أن يُعَلِّقَ الشاعرُ لفظةً في البيت بمعنى ثم يردِّدُها فيه بعينِها ويعلِّقُها بمعنىً آخر. وأجمع أهل النقدِ أنّ أبا حيّة النُّمَيْري سبقَ الى هذا الإحسان جميعَ مَنْ تقدَّمَه وتأخّر عنه بقوله:
ألا حَيِّ من أجلِ الحبيبِ المغانيا لبِسْنَ البِلى مما لبِسن اللّيالِيا
إذا ما تقاضَى المرْءَ يومٌ وليلةٌ تقاضاهُ شيءٌ لا يمَلُ التقاضِيا
ابتدأ في المِصراع الأول فأحْسنَ الابتداءَ وردّدَ في المصراع الثاني فأحسنَ الترديد. وقال أبو تمام الطائي: لا أعرف أحدًا أحسنَ صنعةً في الترديد من قوْلِ زُهير وهو:
مَنْ يلْقَ يومًا على عِلاّتِه هرِمًا يَلْقَ السّماحةَ منهُ والنّدَى خُلُقا
ويُروى: إن تلقَ وتلقَ السّماحةَ. قال الأصمعي: هذا أمدحُ بيتٍ قالتْهُ العرَب. وقال أبو علي الحاتميّ: لقد أحسنَ أبو نواس في الترديد بقوله:
صفراءُ لا تنزِل الأحزانُ ساحتَها لو مسّها حجَرٌ مسّتْهُ سرّاءُ
وقال أيضًا:
ظنّ بي مَنْ قد كلِفْتُ به فهوَ يجْفوني على الظّنَنِ
قال الحاتمي: ولقد أجاد عليُّ بنُ جبَلَة مع تأخُّرِ زمانِه في صِفة فرس حيث يقول:
مُضْطَربٌ يرْتَجّ من أقطارِهِ كالماءِ جالَتْ فيه ريحٌ فاضطَرَبْ
إذا تظنّيْنا به صدّقَنا وإنْ تظَنَّى فوْتَهُ العيْرُ كذَبْ
والترديد في أشعار المتأخرينَ كثيرٌ ولكن لم نصْرِفْ إليه هِمّة، ففيما أتيْنا به من المثال كفاية. ومنها: