[ ٢٠ ]
سُئِلَ جماعةٌ ممن يتعاطى علمَ البديع ونقد الشعر الصنيع عن التسهيم، فما منهم من أجاب بجوابِ التفهيم، ولمْ يحصَلُ من إشاراتِهم إليه، ونصوصِهم عليه، سوى أنّ المُسهَّم هو الذي يسبِقُ السامعُ الى قوافيه قبلَ أن ينتهي إليها راويه.
قلت: ليس هذا اللقبُ دالًا على هذا المعنى، فإن كان الملَقِّبُ قصدَ الإغراب به فقد أبعَدَ المَرمى وزلّ عن النهج الأقوم. وإنما التسهيمُ التخطيطُ، والبُرْدُ المسَهَّمُ: المخططُ. وكان الأجدرُ أن يُقال: إن التسهيم في الشعر هو التحسينُ له، والتنقيحُ لألفاظِهِ ومعانيه تشبيهًا بالبُرد المحَسَّنِ بالتسهيم، حتى يكون هذا النوعُ من الشِّعر معناه الى قلبِكَ أسرَعَ من ألفاظِه الى سمْعِكَ. ولو سُميَ المُطمِعُ، أي من سَمِعَهُ يطْمَع في قول مثلِه - وهو من ذاك بعيد - لجاز، وقد أوردناهُ كما سمعْناهُ وروْيناهُ.
قال الأخفش: ومن أبرعِ ما قيلَ في التسهيمِ ما قالتْهُ الجنوب أخت عمرو ذي الكَلْب:
فأقسَمْتُ يا عمرو لو نَبّهاك إذَنْ نبَّها منكَ داءً عُضالا
إذن نبَّها ليْثَ عِرّيسةٍ مُفيتًا مفيدًا نُفوسًا ومالا
وخَرْقٍ تجاوزْتَ مجهولَهُ بخَرْقاءَ حرفٍ تشَكّى الكَلالا
فكنتَ النّهارَ بها شَمْسَهُ وكنتَ دُجى الليلِ فيها الهِلالا
ثم قال: انْظُر الى ديباجةِ هذا الكلام ما أصفاها، والى تقسيماتِه ما أوفاها، وانظر الى قولها مفيتًا مفيدًا، والى وصْفِها إيّاهُ في النهار بالشمسِ وفي الليل بالهلال، تجد البعيدَ المُطمِعَ المُمْتَنِع، وفي هذه البُلْغَةِ اليسيرةِ من هذا الباب كِفايةٌ إن شاء الله تعالى. ومنها: