المُتابعة في الكلام المنثور الشعر المنظوم أن يأتي المتكلمُ بالمعاني التي لا يجوز تقديمُ بعضها على بعض، لأن المعاني فيها مُتتالية، فالأولُ يتلوه الثاني والثاني يعقُبُه الثالث، الى أن ينتهي المتكلمُ الى غاية مُرادِه. ولا يجوز تقديمُ الثاني على الأول، ولا الثالث على الثاني، مثالُ ذلك قولُه تعالى: (هو الذي خلقَكُم من تُرابٍ ثمّ من نُطْفَةٍ ثمّ من علَقَة، ثمّ يُخرجُكُم طِفلًا ثم لتَبْلُغوا أشُدَّكُم ثمّ لتكونوا شُيوخًا) . وقال ﵎: (فناداها من تحتِها ألاّ تحزَني قد جعلَ ربُّكِ تحتَكِ سَرِيًّا. وهُزّي إليك بجِذْعِ النّخلةِ تُساقِط عليكِ رُطَبًا جَنِيًّا. فكُلي واشْرَبي وقَرّي عيْنًا) . فهذا من أحسنِ صِناعةِ الكلامِ في هذا الباب فسُبْحانَ المتكلم به وتعالى عُلُوًّا كبيرًا. وأنشد الأصمعي:
لكنّها خُلّةٌ قد سِيطَ من دمِها فجْعٌ ووَلْعٌ وإخلافٌ وتبديلُ
الفجْعُ: الغَدْرُ، والولْعُ: الكذِب. وقولهم: الدنيا لا تؤمَن فجائعُه، أي غَدراتُها، ووجهُ المتابعةِ أنّ الغدرَ إذا وقعَ تبيّن الكذِبُ، وإذا وقع التبديلُ ظهر الخلافُ. وقال زهير:
يؤخَّرْ، فَيوضَعْ في كتابٍ، فيُدَّخَرْ ليومِ حسابٍ، أو يعجَّلْ فيُنْقَمِ
وقال الشّنْفَرى:
بعَيْنَيّ ما أمسَتْ، فباتَتْ، فأصبحَتْ فقضّتْ أمورًا، فاستقلّتْ، فولَّتِ
وقال أرْطاةُ بن سُهَيّة:
أكلتفمْ دَمًا وشَرِبْنا دَمًا فلم نُرْوَ منهُ ولم تَشْبَعوا
وقال ابنُ سُليمان الكِلابي:
[ ٣١ ]
فما زالَ منهم ذامرٌ ومُطاعِنٌ على حالةٍ أو ضارِبٌ ومُطاعِنُ
وقال أعشى عُكْل:
وَقَفْنا بها حتى مضَتْ سَورَةُ الضُحى نُقَضّي لُباناتٍ ونَبكي تَصابِيا
ونُهْدي تَحَياتٍ ونُبدي صَبابةً ونُخفي من الوجْدِ الذي ليسَ خافيا
أما البيت الأول فلا شاهِد فيه ولكنْ أثبَتْناهُ لوضوحِ البيت الثاني، ويجوز فيه التقديم والتأخير. وأما البيتُ الثاني فوجْهُ المتابعةِ فيه أنّ التحياتِ هي التي يُبدأ بها، ثمّ تبدو الصّبابةُ ويختفي بعضُه، وإنْ كان لا يَخفى كما ذكر. وقال زيادٌ الأعجم:
يالَ لُكَيْزٍ دعوةً غيْرَ ندِمْ أعَنَزيٌّ سبّني ثمَّتَ لمْ
يُلْطَمْ ولمْ يفجْدَعْ ولم يُخْضَبْ بدَمْ
وقال عمرو بن الحارث:
فقد يعتَري قِدري وأغْرِفُ لحْمَها فأصبحُ ندْماني فأكْسَبُ محمدي
الاعتراء يكون أولًا ثم الغرْف، ثم السّقي وبعد ذلك يُكتسب الحمد. وقال الجَوْنُ النَّمري:
مَنْ مُبلغٌ شيبانَ أن ني لم يكُنْ أمري خفِيّا
رامَيْتُه حتى إذا ما كان نَبلانًا نفِيّا
طاعَنْتُه حتى إذا ما كان رُمحانا شَظيّا
ضاربتُه حتى إذا ما كان سَيْفانا حنِيّا
أثْخَنتُه غلَبًا وكا نَ مُمَنَّعًا قِدْمًا أبِيّا
أعطيتُه رَحْلي ورا حلتي وكُورًا حِمْيرِيّا
أرأيتَ لو لدَغَتْ أخا كُم حيّةٌ في الأرضِ قَيّا
أو نالَهُ مرضُ المنو نِ فما عليَّ وما لدَيّا
ولهذه الأبيات حكايةٌ يطولُ شرحُها، وإنما نذكرُ اليسيرَ منه: وذاك أنه لما كان يومُ أوارَة، أسرَ الجَوْنُ النَمَريّ حارثةَ بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، فغلب الملكُ المنذر على الجَوْن، وأخذ منه حارثةَ فقتله وادّعَتْ بنو شيبان أنّ الجَوْنَ قتلَه، فقال هذا الشِعرَ يصف حالَه معه، فابتدأ بذكرِ الرِّماءِ الذي هو أوّلُ الحرب، وثنّى بذكرِ الطِّعان، ثم بذكرِ الضّربِ، ثم الغلَبَة لأحدِ الفريقَيْن تكون؛ فإمّا مَنٌّ أو قتلٌ، فلما استوفى ذلك، أتْبَعَهُ بعتابٍ كالمعتذِر إليهم، وفي هذا المثال كفاية. ومنها: