قال عليُّ بن الحُسَيْن القُرَشيّ: سألتُ جعفر بن قُدامة الكاتب، وكان من جهابِذَةِ الشعر، عن المُقابلة فقال: سألت أبي عنها فقال: هو أن يضع الشاعر معانيَ يعتمدُ التوفيق بين بعضِها وبعض، أو المخالفة، فيأتي بالموافق مع ما يوافِقُه، وفي المخالفِ بما يخالِفُه على الصِّحّة، أو يشترطَ شروطًا، ويعدِدَ أحوالًا في أحدِ المعنَيَيْن فيجب أن يأتي فيما يوافقُه بمثل الذي شرَط فيما يُخالفُه بأضدادِ ذلك. قال: فقُلتُ له: فأنشدني أحسنَ ما قيلَ فيه فقال: لا أعرفُ أحسنَ من قول الأول:
أيا عجَبًا كيفَ اتّفقْنا فناصِحٌ وفيٌّ ومَطْويٌّ على الغِلِّ غادِرُ
فجعل بإزاء ناصح مطويًا على الغِلِّ، وبإزاء وفيّ غادرًا. قال: وقول الطِّرِمّاح بن حَكيم الطائي في ذلك حسن أيضًا، وهو:
أسَرْناهُمْ وأنْعَمْنا عليهمْ وأسقَيْنا دِماءهُم التُّرابا
فَما صبَروا لبأْسٍ عند حرْبٍ ولا أدّوا بحُسنِ يَدٍ ثَوابا
يقولُ: لمّا سَقَيْنا التراب دِماءَهُم لم يكن لهم صبْرٌ على ما نزل بهم منا لفشَلِهم وضعْفِ نُفوسِهم، ولمّا أنعمْنا عليهم وأحسنّا إليهم لم يجازوا بالثناء علينا، فجعل بإزاء أن سَقَوا دماءَهم التُرابَ وقاتلوهم، أن يصبروا، وبإزاء أن أنعَموا عليهم، أن يُثْنوا، وقال هذه المقابلة. وقال عليّ بن هارون: كان يحيى بن علي يزعُم أن أحسن ما قيل في المقابلة قولُ النابغة:
فتىً تمّ فيه ما يسُرُّ صديقَهُ على أنّ فيه ما يَسوءُ المُعادِيا
فجعل بإزاء السرورِ الإساءةَ وبإزاء الصديق المعادي. وهذه نُغْبَة في هذا الباب كافية. ومنها: