أما المماتنة فهي تنازعُ الشّاعِرَيْنِ بينهما بيتًا، يقولُ أحدُهما صدرَه والآخر عجُزَه.
وأما الإنفادُ والإجازة، فالإنفاد، بالدّال غير المعجمة، هو من قولهم: خصْمٌ مُنافِد إذا خاصم حتى تنفَدَ حُجّتَه. وتقول: نافدتُ الرّجُلَ، مثل حاكمتُه. وفي الحديث: إن نافَدْتَهُمْ نافَدوك. وهو أن يقول الشاعرُ بيتًا تامًا ويقول الآخرُ بيتًا.
وأما المماتَنة فقد رُويَ أنّ غلامًا من بني جَنْب يُقال له رِفاعة، ويقال: إنّه المحترشُ، نبغ في الشِّعر وماتَنَ شُعراءَ قومِه حتى أبرَّ عليهم. فلمّا وثِقَ من نفسِه بذلك قال لأبيه: لأخرُجَنّ في قبائلِ اليمن؛ فإنْ وجدتُ من يماتِنُني رجعتُ الى بلادي، وإنْ لم أصادفْ من يماتنُني تقرَّيْتُ قبائلَ العرب كلَّها. فنزل بصِرْمٍ من بني نهْد، والحيُّ خُلوف، فأناخ حَجْرةً عن الحِواء فإذا عجوز حَيْزبون قد أقبَلَتْ تتوكأ على مِحْجَن فقالت: عِمْ ظلامًا، فقال: نعم ظلامُك، فقالت: ممّن الرجل؟ فقال: من مَذْحِج، قالت: من أيّهم؟ قال: من جَنْب، قالت: أضَيْفٌ؟ قال: نَعَمْ، قالت: فلا رحِمَكَ الله، ما عدَوْتَ أن بخَّلتَنا وأسأتَ أحدوثتَنا، ثم أثارتْ راحتلَه وقالت: قُم الى قُبة أضيافنا. فما ملّكتْهُ راحلتَه حتى أتت بها القبة فأناخَتْها ثم حطّت رحلَهُ وكفَتتْهُ في خبائها وأمرت وليدةً لها فجاءتْ بمُدْيَة وعَتود يمْرَحُ في إهابِه سِمَنًا وقالت: اذبحْ أيّها الرجل، واعتجنَتْ وامتلّت وطبخَتْ، وقرّبتْ طعامًا، فجلسَ الرجلُ والعجوزُ والوليدةُ يأكلون. فقالت له العجوز: ما رَمى بك هذه البلاد؟ فأخبرَها بخبره، فضحكَتْ وقالت: بِتْ ناعمًا أجِئْكَ غدًا بعشر خرائدَ يُماتِنَّك دون الرجال، فإنْ غُلبْتَ فارجعْ الى بلادِك. فلما أصبح أقبَلَتِ العجوزُ ومعها ثلاثُ فتيات كالمهرات، فانتبَذْن حَجْرةً، ثم أشارت الى واحدة منهنّ فأقبلتْ كالعَيْدانةِ يُميلها الصِّبا فقالت: أأنتَ المُتحدّي بالمُماتنة؟ فقال: نعم، فقالت: قُل أسمَعْ، فقال:
سَوامٌ تداعَتْ بالحَنينِ عشارُها
فقالت:
حوامل أثقالٍ تنوءُ فتدلحُ
فقال:
إذا أيّهت في حَجْرَتَيْها رِعاؤها
فقالت:
سمَتْ فُرَّقٌ منها شوامذ لُقَّحُ
فقال:
إذا وطِئَتْ أرضًا سقَتْها بدَرِّها
فقالت:
أفاويقُ مِسْكٍ محضه لا يُضيَّحُ
فقال:
[ ٣٣ ]
إذا انسفَحَتْ أخلافُها خِلتَ ما جَرى
فقالت:
على الأرضِ منها لُجّةٌ تتَضَحْضَحُ
فقال الرجل للعجوز: أمطلقةٌ هذه الجارية أم ذات بعلٍ؟ فقالت:
عِقالٌ لعَمْرُ اللهِ لو شئت بتَّهُ شِرادي ولكنّ التكرُّمَ أجْدَرُ
قال الرجل: فعُجْتُ الى رَحْلي، فقالت العجوز: روَيْدًا أجْلبْ لك الأخرى، فقال: أروَتْني الأولى، فقالت: إلْحَقْ الآن بأرضك. قال الرجل: فخرجتُ أريدُ الرجوعَ الى قومي ثمّ أبى لي اللَّجاجُ إلا قصْدَ ما خرجت له، فدُفِعْتُ الى صِرْمٍ من جَرْمٍ، وإذا أُصَيْبيةٌ يلعبون على غديرٍ فنزلتُ أنظر إليهم، وإذا هم يرتجزون، فدعوتُ غلامًا من أنشَزهم فقلت: يا غلام هل في صِرْمِكم هذا من يماتنُني فإني قد أبْرَرْتُ على شعراء العرب، فقال: أنا أماتنك، فقلت: أنت أيها القُصَيْعِل! فقال: قُلْ ودَعْ عنك ما لا يُجدي عليك.
فقلت:
أوابِدُ كالجَزْعِ الظَفاري أرْبَعُ
فقال:
حَماهُنّ جَوْن الطُرَّتَيْنِ مولَّعُ
فقلت:
يرودُ بهنّ الروضَ والأمنُ جارُهُ
فقال:
وأخلى لهُنّ المُنْتَضى والمُودَّعُ
فقلت: أولى لكَ، وامتطيتُ راحلتي حتى دُفِعتُ الى شيخ يرعى غُنيمات له فاستقريْتُه، فقام مُبادرًا الى قَعبٍ فاحْتلبَ غُبَّر ما في ضروعِهنّ، ثم جاءني به فشربتُ، فلما اطمأننت قال لي: ما رمى بكَ هذا القُطر؟ فأخبرته، وكتمتُه ما لاقيتُ، فكشّر الشيخُ ثم صاح بغِلْمةٍ يرعَون قريبًا منه، فأقبل غلامٌ منهم فقال: ادعُ عَشْرَقَة، فما لبثَ أن جاءَتْ جُوَيْريَةٌ عُجيفاء كأنّها وبيلةُ خَيْسَفوجٍ حتى وقفت بين يديهِ فقال: إنّ ابنَ عمّك هذا خرج من بلادِه يتحدّى بالمُماتنةِ فهل عندكِ شيء؟ فقالت: قلْ أيّها المتحدي، وإنها لتُقَلِّبُ عينَيْها كعينَيْ أرقمِ، فقلت:
ما نطفةٌ زرقاءُ في ظلِّ صخرةٍ
فقالت:
ذخيرةُ غَرّاءِ الذُرى جَوْنة النَضَدْ
فقلت: نفى سَيلانُ الريحِ عن متنها القَذى فقالت:
وذادَتْ غصونُ الأيْكِ عن صَفْوها الوَقَدْ
فقلت:
يُشابُ مُجاجٌ أخلص الدّبْرُ أرْيَهُ
فقالت:
بِصَهْباءَ صِرْفٍ جيبَ عن مَتْنِها الزَّبَدْ
قال: فتركتُ ما قصدتُه ومِلت الى وجهةٍ أخرى، ووصفت ناقةً فضحِكَتْ وقالت: أعْوَصْت؟ فقلت: إذا انْشَبَحَ الحِرباءُ في رأس عودِه فقالت:
وألجأ أمَّ الحِسْلِ في مَكْوِها الصَّخَدْ
قال رِفاعة: فرجعت الى أهلي وآليْت على نفسي أن لا أماتِنَ بعدَها أحدًا ما عشت.
فهذا مثال في المُماتنة كافٍ، ولولا الإطالة لأوردتُ من هذا النوع أشياء طريفةً عجيبةً.
وأما الإنفادُ والإجازة فرُويَ أنّ كعبَ بن زهير لما تحرّك بالشِّعر كان أبوه زهير ينهاه عنه؛ مخافةَ ألا يكون استحكم شعرُه، فيُروى عنه ما يُعابُ به. وكان يضربُه على ذلك، فغلبَهُ وطالَ ذلك عليه فأخذَه وسجنَهُ وقال: والذي أحْلِف به لا تتكلّمُ ببَيْتِ شعر ولا يبلُغُني أنك تُريغُ لشعرٍ إلا ضربتك ضربًا يُنكِلك عن ذلك. فمكَثَ محبوسًا أيامًا ثم أخبِر أنه تكلم به فضربَه ضربًا مبرِّحًا، ثم أطلقَه وسرّحَه في بَهْمةٍ وهو غُليِّمٌ صغير، فانطلقَ فرعاها ثم راح بها وهو يرتجز:
كأنّما أحدو ببَهْمي عِيرا من القُرى مُوقرةً شعيرا
فخرج زهيرٌ إليه وهو غضبان، فدَعا بناقةٍ فركِبها وتناوله فأردفَه خلفَه، ثم حرّك ناقتَه وهو يريد أن يتعنّتَ كعبًا، ويعلَم ما عندَه، ويطّلعَ على شعره، فقال حين فصَلَ من الحيّ:
وإنّي لتَغْدو بي على الهمِّ جَسْرَةٌ تخُبُّ بوَصّالٍ صَرومٍ وتُعْنِقُ
ثم ضربَه وقال: أجِزْ يا لُكَعْ، فقال:
كبُنْيانَةِ القاريِّ موضعُ رحْلِها وآثارُ نِسْعَيْها من الدَفِّ أبْلَقُ
فقال زهير:
على لاحِبٍ مثلِ المَجَرّةِ خِلْتَهُ إذا ما عَلا نشْزًا من الأرض مُهْرَقُ
ثم قال: أجِزْ يا لُكَع، فقال:
منيرٌ هُداهُ ليلُهُ كنهارِهِ جميعٌ إذا يعْلو الحُزونةَ أفْرَقُ
فقال زهير:
تظَلُّ بوَعْساءَ الكثيبِ كأنّها خِباءٌ على صَقْبَيْ بُوانٍ مُروَّقُ
ثم قال: أجِزْ يا لُكَع، فقال:
[ ٣٤ ]
تَراخَى به حُبُّ الضّحاءِ وقد رأى سماوةَ قشراء الوظيفَيْنِ عَوْهَقِ
فقال زهير:
تحِنُّ الى مِثلِ الحَبابيرِ جُثَّمٍ لدَى مُنْهَجٍ من قَيْضِها المُتَفَلِّقِ
ثم قال: أجِزْ يا لُكَع، فقال:
تحطّمَ عنها قيْضُها عن خَراطِمٍ وعن حدَقٍ كالنَّبْخِ لم يتَفَلَّقِ
فأخذ زُهير بيد كعْب وقال له: قدْ أذِنْتُ لك في الشِعر. ومنها: