[ ٥١ ]
أما الشعرُ فإنه ديوان الأدب، وفخر العرب، وبه تُضرَب الأمثال، ويفتَخِر الرّجالُ على الرجال، وهو قيدُ المناقبِ ونظامُ المحاسنِ، ولولاهُ لضاعَتْ جواهرُ الحِكَم، وانتثرت نجومُ الشّرَفِ، وتهدّمتْ مباني الفضل، وأقوَتْ مرابِعُ المجدِ، وانطمسَتْ أعلامُ الكرمِ، ودرَستْ آثارُ النِّعَم. شرَفُه مخلّدٌ، وسُؤدُدُه مجدّدٌ، تَفْنى العصورُ وذِكرُه باقٍ، وتهوي الجبالُ وفخرُه الى السماء راقٍ، ليس لما أثْبَتَه ماحٍ، ولا لمَن أعذَرَه لاحٍ.
مات سُحَيمٌ عبدُ بني الحَسْحاس، وله ذِكر أضْوَع من المسكِ وأنضرُ من الآسِ، ولولا الشعرُ لما عُرِف، ولا بالإجادةِ وُصِفَ، وكم في بني حامٍ، من مجهول طَغامٍ، ولا يُذكَر ولا يُشْكَر. وقد قيل: إنّ إبراهيم بن المهدي لما اعتذر الى المأمون، وكلامُهُ معروف، قال للمأمون في جوابِ قوله له: أنتَ الخليفةُ الأسودُ: وأما كوني أسودَ فقد قال عبدُ بني الحَسْحاس:
أشعارُ عبد بني الحَسْحاسِ قُمْنَ له يومَ الفَخارِ مقامَ الأصلِ والوَرِقِ
إنْ كُنتُ عبدًا فنفسي حُرّةٌ كرَمًا أو أسودَ اللونِ إني أبيضُ الخُلُقِ
فقال المأمون: لوَدِدْت أنهما لي بجميع مُلكي، يعني البيتين.
ولولا زهير لما ذُكِر هَرِمٌ، ولا جرى بمدحِه قلَم. ماتا وبَلِيا، وتمزّقت أوصالُهما وفَنِيا، وذِكرُهما غضٌ جديدٌ، وصيتُهما باقٍ مديدٌ، هذا لفضلِه وهذا لإفضالِه، ولولا الشعرُ لما ذُكِرا ولا عُرِفا.
وحكى الرُّهني في كتابهِ الذي سماهُ ذخائر الحكمة، يرفعُهُ الى سالم بن عبدِ الله بن عمر عن أبيه عبد الله أنه قال: كنا ذات يومٍ عند عمرَ بن الخطاب ﵁ إذْ قال: من أشعرُ الناس؟ فقلنا: فلانٌ وفلان، فبينما نحن كذلك إذْ طلَعَ عبدُ اللهِ بنُ عباسفسلّم وأجلسَهُ الى جنبهِ ثم قال: قد جاءَكُم ابنُ بَجْدَتِها. من أشعرُ الناس يا بنَ عبّاس؟ قال: ذاك زهيرُ بن أبي سُلمى، قال: فأنشِدْنا شيئًا من شعرِه نستدلُّ به على ما تقول، قال: امتدحَ قومًا من غطَفان يُقالُ لهم بنو سِنان فقال:
لوْ كان يَقْعُدُ فوقَ الشمسِ من بشَرٍ قوم بأوّلِهم أو مجدِهِم قعَدوا
قومٌ سِنانٌ أبوهم حين تَنسُبُهمْ طابوا وطابَ من الأولادِ ما ولدوا
إنسٌ إذا أمِنوا جِنٌ إذا فزِعوا مُرزَّؤونَ بَهاليلٌ إذا جُهِدوا
مُحسَّدونَ على ما كان من نِعَمٍ لا ينزِعُ اللهُ عنهم ما له حُسِدوا
فقال عمر ﵁: قاتَلَهُ الله يا بنَ عباس لقد قال كلامًا حسنًا ما كان يصلُحُ إلالأهل هذا البيتِ من بني هاشم لقرابَتِهم من رسول الله ﷺ، واستعظمَ ما مدَحَ به بني سنان وطلب له مُستَحِقًا فما رأى إلا بني هاشم.
وهذا جريرُ بنُ الخطَفى مع لُؤم أصله، وضِعَة بيتِه، وقِلّة أهْليهِ، وخُمولِ جدّه وأبيه، قد رفعَهُ شعرُه، وعمّرَه قولُه، فهو مخلّدٌ باقٍ، وعليه من الفناء بشعرِه واقٍ، ولقد شُيِّدَ بذكره ذكرُ يربوع، وشُهِر اسمُهُ بين المحافلِ والجموعِ، وضاهى الفرزدقَ وناواهُ، وجاهرَهُ بالأهاجي وعاداهُ، مع شَرَفِ الفرزدق وكرَمِ أصلِه. ولولا الشعرُ لكان بنَجْوَةٍ عن مُجاراةِ مثلِه، حتى ذكر الفرزدقُ آباءه، وقال:
أولئكَ آبائي فجئني بمثلِهم إذا جمَعَتْنا يا جريرُ المجامِعُ
ولقد ذهب امرؤ القيس وأبوه، وملكُه وأهلوه، وغبَرَ شعرُه وكلامُه، وعُمِّرَ قولُه ونظامُه. وكم من ملِكٍ في كِندة ذهبَ وذهبَتْ منه العُدَد والعِدّةُ فما تُحَسُّ نبأتُه، ولا يُعرَفُ اسمُه ولا سمَتُه. ولقد ذهبَ مُلْكُ التبابعةِ والأكاسرة، وزالَ سُلطانُ المَقاوِلِ والأساورَة ولم يبْقَ لهم سوى بيتٍ سائرٍ، من مديح شاعرٍ، ولولا مدائحُ زياد الذُبياني لما عُرِفَ الملِكُ ابنُ الجُلاح، ولا ضاعَ له أرَجُ ثناءٍ ولا فاح، وكذاك أبوه الجُلاح فلولا أبو أُمامة، لما كان عليه من سِمَةِ الذِّكر علامة:
ماتَ الجُلاحُ ولم يمُتْ ما قالَ فيه أبو أمامه
ولقد كانت العربُ تَعُدُّ الشّعرَ خطيرًا، وترى الشاعرَ أميرًا، فإذا نبغَ في القبيلة شاعرٌ هُنِّئَتْ به، وحُسِدَتْ من سبَبه، لأنه ينافِح عن أنسابِها، ويكافِح ويناضلُ عن أحسابها.
[ ٥٢ ]
كمْ كان في الأوْسِ من أميرٍ ماتوا جميعًا سِوَى عَرابهْ
أحْياهُ بعدَ المماتِ بيتٌ لشاعِرٍ إذْ دَعا أثابَهْ
لعلّه كان في الذُنابَى فردَّهُ الشِّعرُ في الذُّؤابهْ
ألا ترى الى أبي دُلَف العِجْليّ كيفَ رفعَه، على ضَعَةِ بيتِه ودناءَةِ بني عِجْلٍ، فإنكَ لا تجدُ فيهم ممدوحًا سواه، قول ابن جبلة:
إنما الدنيا أبو دُلَفٍ بنَ باديهِ ومُحتَضَرِهْ
فإذا ولّى أبو دُلَفٍ ولّتِ الدُنيا على أثَرِهْ
وكان أبو الصّقْر بنُ بُلبلٍ لا يُعدّ من ذوي الأصول الثابتة، ولا ذوي الفروعِ النابتةِ، حتى مدحَه ابنُ جُريج بقوله:
قالوا أبو الصّقْرِ من شيبانَ قلتُ لهم كلاّ لعَمْري ولكن منهُ شيبانُ
وكم أبٍ قد علا بابنٍ ذُرَى شرَفٍ كما عَلا برسولِ اللهِ عدنانُ
ولم أقصِّرْ بشيبانَ التي بلغَتْ بها المبالغَ أعراقٌ وأغصانُ
فصار في سَرواتِ الممدوحين، وبمدحِه يتمثّلُ المتمَثِّلون. وكان بنو قُرَيْع يُدعَون أنفَ الناقةِ فيَغضَبون لذلك، ويسخَطون منه، فلمّا مدحَهم الحُطيئة بقوله:
قومٌ هُمُ الأنفُ والأذنابُ غيرُهُم ومَنْ يُسوّي بأنفِ الناقةِ الذّنَبا
رضوا به وصار من أكبر مفاخرِهم، ولولا الشعرُ لعدّوه من أقبحِ ألقابِهم.
وخبَرُ الحُطيئة مع الزِّبرِقان بن بدْرٍ وما كان من زوجته أمِّ شَذْرَة وتقصيرها في حقّه ومراسلة بني أنفِ الناقة له حتى استفْسَدوه ونَقلوه إليهم، مشهورٌ مذكور. ولمّا خُيِّرَ الحُطيئة اختار بني أنفِ الناقة على الزِبرِقان فشقّ ذلك عليه، وأرسل الزبرقان الى رجل من النَّمِر بن قاسطٍ يُقال له دِثار بن شيبان وأمرهُ أن يهجوَهم فقال النَّمَري من أبيات:
وقد ورَدَتْ مياهَ بني قُرَيْعٍ فما وصَلوا القرابَةَ مُذْ أساؤوا
فاحتاج الحُطيئة عند ذلك أن يهجوَ الزبرِقان بن بدر فهجاهُ بأبياتٍ منها:
دعِ المكارمَ لا تنهَضْ لبُغيَتِها واقعُدْ فإنّك أنتَ الطاعِمُ الكاسي
فلمّا بلغتِ الزبرقان استعدى عليه عُمرَ بن الخطاب ﵁ وقال: هجاني، فلما استنشَدَه قال عمر: لا بأس بذلك، فقال أرسِل الى حسان بن ثابتٍ وسلْهُ أهجاني أم لا، فقال حسان: نعم هجاهُ وسلَحَ عليه، فحبسَه عمر، فكتب إليه الحطيئة من الحبس أبياتًا منها:
ماذا تقولُ لأفراخٍ بذي مرَخٍ حُمْرِ الحواصلِ لا ماءٌ ولا شجَرُ
ألقيْتَ كاسِبَهُم في قعْرِ مُظلمةٍ فامْننْ عليهِ هداكَ اللهُ يا عُمَرُ
فأثّر الشعرُ عند عمر فاستتابَه وأطلقَه. ولو أن الحطيئة قد شتم الزبرقان بغير الشعرِ لما تأثّر بشتمِه، ولما كان شعرًا رآه بقوله: فأنت الطاعمُ الكاسي، قد جنى عليه وأساءَ إليه.
ولمّا هَجا الحطيئة بني العجلان استعدوا عليه عمرَ بن الخطاب فقالوا هَجانا وشعّث من أعراضِنا، قال عمر: وما قال؟ قالوا: قال فينا:
إذا اللهُ عادَى أهلَ لُؤمٍ ودِقّةٍ فعادى بني العجلانِ رهطَ ابنِ مُقبِلِ
قال عمرُ دَعا عليهم. قالوا إنه قال:
قُبيّلَةٌ لا يغدِرون بذِمّةٍ ولا يظلِمون الناسَ حبّةَ خردَلِ
قال عمر: هؤلاء قوم صالحون ليتَني منهم وليست آل الخطاب كانوا منهم. قالوا إنه قال:
ولا يرِدون الماءَ إلا عشيةً إذا صدرَ الوُرّادُ عن كلِّ منهَلِ
قال عمر: ذاك أخفُّ للزِحام وحينئذ يصفو الماء ويطيب الوِرْدُ. قالوا إنه قال:
وما سُمّي العجْلانُ إلا لقِيلهم خُذِ القَعْبَ واحْلُبْ أيها العبدُ واعجَلِ
فقال عمر: سيّدُ القومِ خادِمُهم وأصغَرُهم شَفْرَتُهُم. قالوا إنه قال:
تعافُ الكلابُ الضارياتُ لحومَهُم ويأكُلْنَ من كعبِبن عوفٍ ونَهْشَلِ
فقال عُمر: كفى ضَياعًا من تأكُلُ الكِلابُ لحمَه، قالوا: يا أمير المؤمنين ليس هذا من عملِكَ فلو أرسلت الى حسّان بن ثابت فسألته، فأرسل الى حسّان فسألهُ: أهَجاهُم؟ قال لا يا أمير المؤمنين ولكنْ سلحَ عليهم.
[ ٥٣ ]
وتهدد رسول الله ﷺ من حفِظ قصيدة الأفوَه الأوْديّ وضمِن له النار، أنفَةً من الهجاء وغضبًا من مواقعِ نبْله. وسمع ﷺ رجلًا يُنشد:
كانتْ قُريشٌ بيضَةً فتفلّقَتْ فالمُحُّ خالِصُها لعبدِ الدارِ
فغضبَ رسول الله ﷺ، وقال لأبي بكر رضي الله تعالى عنه: أهكذا قال الشاعر؟ قال لا يا رسولَ الله إنما قال:
يا أيها الرجلُ المُحَوِّلُ رحْلَهُ هلاّ نزلْتَ بآلِ عبدِ مَنافِ
الضاربينَ الكبْشَ يبْرُقُ بيضُهُ والقائِلينَ هلُمَّ للأضْيافِ
الخالطينَ فَقيرَهُم بغنيِّهم حتى يعودَ فقيرُهُم كالكافي
عَمْرو العُلَى هشَمَ الثريدَ لقومِه ورجالُ مكةَ مُسْنِتون عجافُ
كانت قُريْشٌ بيضةً فتفلّقَتْ فالمُحُّ خالِصُها لعبدِ منافِ
ففرح ﷺ حتى برقَتْ أساريرُ وجهه وقال: هكذا قال. وبلغة ﷺ أن كعبَ بن زُهير هجاهُ فنذرَ دمَه، فجاءَه متنكِّرًا حتى دخل المسجِدَ واستأذنه في إيراد مدحته فأذِنَ فقام بين يديه وأنشد:
بانَتْ سُعادُ فقلبي اليومَ متْبولُ متيّمٌ إثرَها لم يُفْدَ مكبولُ
فلما بلغَ الى قوله:
نُبّئتُ أنّ رسول الله أوعدَني والعفوُ عند رسولِ الله مأمولُ
فقال: عفَى الله عنكَ، وخلعَ عليه بُردَتَه وطيّبَ نفسه وأمنَه ولولا شِعرُهُ لطاحَ دمُه وكان مآلُه جهنّم.
وحدّث أبو يعلى الأشْدَق قال: سمِعْتُ النابغةَ يقول: أنشدتُ النبي ﷺ:
بلَغْنا السماءَ مجدُنا وجُدودُنا وإنّا لنَرْجو فوقَ ذلك مَظْهَرا
فغضب وقال: أين المَظهَرُ يا أبا ليلى؟ قلت: الجنةُ يا رسولَ الله، قال: أجلْ إن شاءَ الله تعالى وتبسّم فقلت:
ولا خيْرَ في حِلمٍ إذا لم تكُنْ له بوادرُ تحمي صَفوَهُ أن يُكَدّرا
ولا خيرَ في جهْلٍ إذا لم يكُنْ لهُ حليمٌ إذا ما أوردَ القومُ أصْدَرا
فقال النبي ﷺ: أجَدْتَ لا يَفْضُضِ اللهُ تعالى فاكَ مرّتين، فعاش أكثر من مائة سنة وكان من أحسن الناس ثغرًا.
وحدّث أبو غزيّةَ الأنصاري قال: لما أنشدَ حسانُ بن ثابت رسول الله ﷺ كلمَتَه حتى وصل الى قوله:
هجَوْتُ محمّدًا فأجبتُ عنهُ وعندَ اللهِ في ذاكَ الجزاءُ
تبسّم ﷺ وقال له: جَزاكَ اللهُ الجنةَ على ذلك. ثم أنشده:
فإنّ أبي ووالدَه وعِرْضي لعِرْضِ محمّدٍ منكم وِقاءُ
فقال ﷺ: وقاكَ اللهُ حرَّ النار.
وحدّث هشامُ بنُ عروة قال، حدّثني أبي قال: حدّثتني عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ قاعِدًا يخصِفُ نعلًا وأنا قاعدَة أغزِلُ، فجعلتُ أنظرُ الى سالفتِه وخدُّه قد عرِقَ، فجعلَ يتولّدُ عرقُه نورًا فبُهِتُّ. فرفع رأسَه فنظر إليّ فقال: يا عائشة، إلى ماذا تنظرين، قد بُهِتِّ؟ فقلت: ما أنظرُ الى شيء منكَ إلا تولّد في عيني نورًا، أمَا والله لو رآكَ أبو كَبير الهُذَليّ لعلِمَ أنك أحقُّ بشِعره من غيركَ، قالت: فقال: وأي شيء قال أبو كبير؟ فقلت: قال:
ومبرّأٍ من كلِّ غُبَّرِ حَيضَةٍ وفسادِ مُرضِعَةٍ وداءٍ مُغيلِ
وإذا نظرْتَ الى أسرّةِ وجهه برَقَتْ كبرقِ العارضِ المتهلِّلِ
قالت: فوضع رسول الله ﷺ ما كان في يده وقام إليّ فقبل ما بين عينيّ وقال: جزاك اللهُ تعالى يا عائشة خيرًا، فما أذكرُ متى سُرِرْت كسُروري بكلامك.
وروى هشام بن عروة أنّ رسول الله ﷺ أمر عبدَ الله بن رَواحة أن يرتجِلَ شعرًا فقال من أبيت:
أنتَ النبيُّ ومن يُحْرَم شفاعَتَهُ يومَ الحِسابِ فقد أزْرى به القدرُ
فثبّتَ اللهُ ما آتاكَ من حسَنٍ تثبيتَ موسى ونصْرًا كالذي نُصِروا
[ ٥٤ ]
فقال ﷺ: وأنت فثبّتك الله يا بنَ رواحة. قال راوي هذا الحديث: فثبّته الله أحسنَ الثبات فقُتِلَ شهيدًا، ومضى سعيدًا.
وحدّث عمر بنُ هِزّان بنُ سعيد الرُّهاوي عن أبيه أنّ رجلًا من قومِه يقال له عمرو بنُ سُبَيْعٍ وفد على النبي ﷺ فأنشده:
إليكَ رسولَ الله أعمَلْتُ نصَّها تجوبُ الفَيافي سَمْلَقًا بعد سمْلَقِ
على ذات ألواحٍ متى أُرِدِ السُّرى تخُبُّ برحْلي تارةً ثم تعنِقُ
فما لكِ عندي راحةٌ أو تلَحْلَحي ببابِ النبيّ الهاشميّ الموَفَّقِ
سلِمتُ إذا من رِحلةٍ بعد رِحلةٍ وقطْعِ دياميمٍ وليلٍ مروَّقِ
ففرحَ رسولُ الله ﷺ بشعره وعقد له لواءً. تلحْلَحي: أصلُه تلحّحي من الإلحاح، فأبدلوا من الحاء المُدغَمة لامًا كراهيةً من اجتماعِ الحاءات.
ولما أتى النبيَّ ﷺ وفدُ هوازن بالجِعِرّانَة أنشدَهُ أبو جَرْوَلٍ الجُشَميُّ قصيدةً منها:
أُمْنُن علينا رسول الله في كرمٍ فإنك المرء نرجوه وندّخرُ
أمنن على بيضةٍ إعتاقُها قدَرٌ ممزِّقٌ شملَها في دهرِها غِيَرُ
فلما سمِعَ شعرَه عطفَ عليهم وردّ إليهم أنباءَهُم ونساءَهم. والحديث مشهور.
ولما قتلَ النبيُّ ﷺ النّضْرَ بن الحارث أنشأَتْ ابنتُه قُتيلة تقول من أبيات:
أمحمدٌ ولأنتَ نجلُ نجيبةٍ في قومها والفَحْلُ فحْلٌ مُعْرِقُ
ما كان ضرّك لو مَنَنْتَ وربما منّ الفتى وهو المَغيظُ المُحنِقُ
فلما سمع ﷺ شِعرَها قال - وما ينطقُ عن الهوى -: لو سمعْتُه قبل قتلِه لما قتلتُه.
ومدحَهُ ﷺ العباسُ بنُ مرداس السُلَميّ بأبيات منها:
رأيتُكَ يا خيرَ البريّةِ كلّها نشَرْتَ كتابًا جاءَ بالحقِّ مُعْلَما
شرَعْتَ لنا دينَ الهُدى بعد جَيْرِنا عنِ الحقِّ لمّا أصبحَ الحقُ مُظلِما
فمنْ مُبلِغٌ عني النبي محمدًا وكل امرئٍ يُجْزى بما كان قدّما
أقمْتَ سبيلَ الحقّ بعدَ اعوجاجهِ وكان قديمًا رُكنُه قد تهدّما
فخلعَ حُلّتَه عليه، وقطع لسانَه بإحسانه إليه، ولولا الشعرُ، لما شمِلَه من النبي البِرُّ.
وقد سمِعَ ﷺ الشعرَ من جماعة غير هؤلاء مُقبلًا بالإصغاء عليهم، ومائِلًا بالاستحسان إليهم. فمنهم أعشى بني مازِن، وضِرار بن الأزْوَر، وقِردة بن نُفاثَة السّلوليّ، وممّا سمِعَ منه:
بانَ الشبابُ ولم أحفِلْ به بالا وأقبلَ الشّيبُ والإسلامُ إقبالا
فالحمدُ للهِ إذْ لم يأتِني أجَلي حتى اكتَسَيْتُ من الإسلامِ سِربالا
فقال ﷺ: الحمدُ لله. وسمعَ من عبد الله بن كُرْز اللّيْثي، ومن حُمَيْد بن ثَوْر ومن النَّمر بن تَوْلَب العُكْلي، ومن لبيد بن ربيعة، ومن فَرْوَة بن عامرِ الجُذاميّ، ومن عَمرو بن سالمٍ الكعبي.
ولمّا قصده ميْمون بنُ قيْس الأعشى وامتدحه، لقِيَه أبو جهل فقال: أين قصْدُك يا أبا بصير؟ قال: محمد رسولُ الله. قال: وهل قلتَ فيه شيئًا؟ قال: نعَمْ وأنشده:
ألمْ تغْتَمِضْ عيناكَ ليلةَ أرْمَدا وبِتَّ كما باتَ السليمُ مُسهَّدا
حتى انتهى الى قوله:
وآليْتُ لا أرثي لها من كَلالها ولا من حَفا حتى تزورَ محمّدا
متى ما تُناخي عندَ بابِ ابن هاشمٍ تُراحي وتلْقَيْ من فواضِلِه يَدا
نَبيٌّ يرى ما لا تَرونَ وذِكْرُهُ أغارَ لعَمري في البلادِ وأنجَدا
فحسدَه أبو جهلٍ على مديحِ الأعشى، فقال له: يا أبا بصير، إنه يحرِّك عليك الخمرَ، ولم يزَلْ به حتى صدّهُ عنه، فقال الأعشى: سآتيه من قابِل، فمات وحالتِ المنيّةُ، دون الأمنيّة.
[ ٥٥ ]
وشَكا إليه الناسُ الجدْبَ فاستسْقى لهم فسُقُوا، فلما كان الجُمُعَة الثانية جاءَهُ رجلٌ يسعى فقال: يا رسول الله تهدّمتِ الدورُ وسقطَتِ الجُدُر، فتبسّم ﷺ ضاحكًا من قوله، وقال: أيُّكُم يروي كلمَةَ عمي أبي طالب؟ فقام أبو بكر فقال: أنا يا رسولَ الله، قال: أنشِدْ، فأنشده:
كذَبْتُمْ وبيتِ اللهِ يُبْزَى محمّدٌ ولمّا نُصرَّعْ حولَهُ ونُقاتلُ
فلما انتهى الى قوله:
وأبيضَ يُسْتَسْقى الغَمامُ بوجهه غياثُ اليَتامى عِصمَةٌ للأرامِلِ
فرحَ رسولُ الله ﷺ وتهلّل وجهُه. ولما قتلَ هشامُ بنُ الوليد بن المغيرة أبا أُزَيْهِر الدَّوْسيّ بذي المجاز، وكانت في هشام عجَلَة، اجتمعَ الناسُ وتهيّئوا للقِتال، فجاء أبو سفيان فقال: ما أسرعَ الناس الى دماء هذا الحيِّ من قُريش! وقال لأصحابه: لا تَشاغَلوا بالحرب بينكم عن حربِ محمدٍ، يريدُ النبي ﷺ، وقال رسولُ الله لحسان بن ثابت: حرِّض أبا سفيان في دَمِ أبي أُزَيْهِر، فقال حسّانُ من أبيات:
كساكَ هشامُ بنُ الوليدِ ثيابَه فأبْلِ وأخْلِفْ مثلَها جُدُدًا بعْدُ
قَضى وطَرًا منه فأصبحَ ماجدًا وأصبحْتَ رِخْوًا ما تَخُبُّ وما تغدو
فما منعَ العَيْرُ الضّروطُ ذمارَهُ وما منَعتْ مَخْزاةَ والدِها هِنْدُ
فلوْ أنّ أشياخًا ببَدْرٍ تشاهدوا لَبلّ نِعالَ القومِ معْتَبَطٌ ورْدُ
وإنما أراد ﷺ أن ينْتَخيَ أبو سفيان ويهزَّهُ الشعرُ على عادةِ العرب فيتَشاغل عن حربه بحرْبِ بني مخزوم ويقع الخلافُ بينهم فيقْوى أمرُه ﷺ ويَضْعَفون عنه في عادة العرب في الحَميّة. ألا ترى أن جسّاسَ بنَ مُرّة قتلَ كُلَيْبَ وائِلٍ في غِرّةٍ بناقةِ جارِ خالتِه لأبياتٍ قالتْها وهي:
لعَمرُ أبي لو كُنتُ في دارِ مِنْقرٍ لما ضِيمَ سعْدٌ وهْو جارُ أُبَيّاتي
ولكنني أصبحتُ في دار غُربةٍ متى يغْدُ فيها الذّئْبُ يغْدُ على شاتي
فَيا سعْدُ لا يغْرُرْكَ قوميَ وارتحِلْ فإنّك في حيٍّ عن الجارِ أمواتِ
ودونَك أذوادي فسُقْها فإنني لَخائِفَةٌ أن يغْدِروا ببُنَيّاتي
فلما سمع جسّاسٌ الأبيات حرّكتْه وهزّتْه وأغضبتْهُ وقال أقلّي عليكِ أيتها العجوزُ فلأقْتُلنّ بناقةِ جارِكِ أعظمَ فحلٍ للعرب، فظنّتْه يقتلُ بعض إبل كُلَيْب، فخرجَ من وقته فطعنَ كُلَيْبًا فقتلَه. ولكنّ أبا سُفيان لما سمعَ أبياتَ حسّان، وكان خبيثًا ترك حربَ مخزوم خوفًا مما حسبَه النبيُّ ﷺ وحاولهُ.
وقالت صفيّة بنتُ عبد المطّلب تحضُّ أبا سفيان على أخذِ ثأرِ أبي أُزَيْهِر من بني مخْزوم، وتعرِّضُ له بالنار التي أوقِدَتْ له بالغدرِ، وذلك أن العرب كانت إذا غدَر الرجلُ أوقَدُوا له نارًا على جبل، وقيل: هذه غَدْرَة فلان، فلمّا قُتِلَ أبو أُزيهر وهو صِهْر أبي سُفيان فلم يأخُذ بثأرهِ أوقِدتْ النار على أبي قُبَيْس بالموسِمِ وقيل: هذه غَدْرة أبي سفيان، وهي أبياتٌ منها:
ألا أبْلِغْ بني عمّي رَسولًا ففيم الكيْدُ فينا والأمارُ
وسائِلْ في جُموعِ بني عليٍّ إذا كثُرَ التّناشُدُ والفَخارُ
تُريدُ بني عليّ بن بكر بن كِنانة، منها:
ونحنُ الغافرون إذا قَدِرْنا وفينا عندَ غدْوَتِنا انتصارُ
ولم نبدأْ لذي رَحِمٍ عُقوقًا ولمْ تُوقَدْ لنا بالغَدْرِ نارُ
فلم يحرِّكْهُ ذلك لِما كان في نفسه من حرْبِ رسول الله ﷺ.
ورُوي أنّ معاوية قال لعُروة بنِ الزُبير: أتنشد قولَ جدَّتِك صفيّة:
خالَجْتُ آبادَ الدّهورِ عليكُمُ وأسماءُ لم تشْعُرْ بذلِكَ أيِّمُ
فلو كان زيرًا مُشرِكًا لعذَرْتُه ولكنّه قد يزْعُمُ الناسُ مُسْلِمُ
[ ٥٦ ]
وإنما أراد معاويةُ أن يحرِّكَ عُروةَ بذلك، فقال عُروةُ: نعم، وأروي قولَها: ألا أبلِغْ بني عمي رسولا الأبيات، فخجِلَ معاويةُ حتى عرِقَ جبينُه لذِكر غَدْرةِ أبيه والنارِ التي أوقِدَتْ له على أبي قُبَيْس.
ولما مات رسول الله ﷺ وارتدّت العربُ، كان الحُطيئة أكبرَ دواعيهم الى الرِّدّة بقوله:
أطعنا رسولَ اللهِ ما كان بيننا فوا عَجَبًا ما بالُ مُلْكِ أبي بكرِ
أيورِثُها بكرًا إذا مات بعدَهُ فتِلكَ لعمْرُ اللهِ قاصمةُ الظّهرِ
فانتَخَتْ العربُ لقول الحُطيئة وأنِفَتْ من طاعةِ أبي بكر.
ومن تأثير الشعر أن ابن هشام بنَ الوليد كان قد ولّى عبدَ الرحمن بنَ حزْم الأنصاري المدينة، فقال الأحْوَص:
لا تَرْحَمَنّ لحَزْميٍّ مررْتَ به يومًا ولو أُلقِيَ الحَزْميُّ في النارِ
الناخِسينَ بمروانٍ بذي خُشُبٍ والداخلينَ على عثمانَ في الدّارِ
فلمّا سمعَ هشامٌ شِعْرَ الأحوَص عزَل عبد الرحمن عن المدينة وأمر بقبض ضِياعِهم وأموالهم. فلما ولِيَ المنصورُ دخل عليه بعضُ أولادِ بني حَزْم فقال: يا أمير المؤمنين لنا ستّون سنةً ما أخذْنا عَطاءً ولا وصلنا الى شيء من أموالنا لقول الأحوصِ وأنشدَه البيتَيْن فتأثرَ لهُما وقال: إذًا واللهِ تحْمَدُ العاقبةَ عندَ بني هاشمٍ، اكتُبوا بردِّ ضياعهم والقبض على ضِياع بني أميّةَ وتسليمها إليهم ليستَغلّوها ستينَ سنة، ثم أمر له بعشرة آلاف دينار صِلة.
ودخل سُدَيْفٌ على السّفّاح وعندَه بنو أميّة على مراتِبِهم فأنشده:
لا يغُرّنْكَ ما ترى من أناسٍ إنّ تحْت الضُلوعِ داءً دَويّا
فضَعِ السيفَ وارفعِ السّوطَ حتى لا ترى فوقَ ظهرِها أُمَويّا
وأنشدَه سُدَيف أيضًا:
أصبحَ المُلكُ ثابتَ الآساسِ بالبَهاليلِ من بَني العبّاسِ
حتى انتهى الى قوله:
واذكُروا مصْرَعَ الحُسين وزَيدٍ وقتيلٍ بجانبِ المِهْراسِ
تأثّر السّفاح بذلك تأثّرًا بانَ في صفَحاتِ وجهه وكان سَببًا لقتل بني أمية، مع ما كان في النفس منهم:
والقوْلُ يفعلُ ما لا تفعَلُ الإبَرُ
وأمر بضربِ رِقابِهم عن آخرهم، وقصّتُهم مشهورة.
وحدّث المدائنيّ أنّ المنصورَ قال: صحِبْتُ رجلًا ضريرًا الى الشام وكان يريد مروانَ بن محمّد في شعرٍ قاله فيه. قال المنصور: فسألته أن يُنشدني الشّعرَ فامتنع وقال: لا يسمعُهُ إلا مَنْ قِيلَ فيه، فلم أزَل أُلاطِفُه وأؤانسهُ الى أن أنشدَنيه، فمنه:
ليتَ شِعْري أفاحَ رائِحةُ المِس كِ وما إنْ أخالُ بالخَيْفِ إنْسي
حينَ غابَتْ بنو أميّةَ عنهُ والبَهاليلُ من بني عبدِ شمْسِ
خُطَباءٌ على المنابرِ فُرسا نٌ عليها، وقالَةٌ غيرُ خُرْسِ
لا يُعابون قائِلينَ وإنْ قا لوا أصابوا ولمْ يقولوا بلَبْسِ
بحُلومٍ إذا الحُلومُ استُخِفّتْ ووجوهٍ مثل الدّنانيرِ مُلْسِ
قال المنصور: فواللهِ ما فرَغَ من شعرهِ حتى ظننْتُ أنّ العمى قد أدرَكَني، ولقد والله حسدتُ مروانَ على الشعر أكثر من حسَدي له على الخِلافة. فلما أفضى الأمرُ إليّ خرجتُ حاجًّا سنَةَ إحدى وأربعين ومائةٍ فنزلتُ عن الجَمّازة في جبَليْ زَرودٍ أمشي في الرمل لنذْرٍ كان عليّ، وإذا أنا بالضرير، فأومأْتُ الي من كان معي فتأخّروا، ودنَوتُ منه فأخذتُ بيده وسلّمُ عليه، فقال: منْ أنت؟ جُعِلتُ فِداك، فما أُثْبِتُك معرفةً، قلت: أنا رفيقُك الى الشام في أيام بني أميةَ وأنتَ متوجهٌ الى مروان بن محمد الجَعْدي. فسلّم عليّ وتنفّس الصُّعداء وأنشد:
آمتْ نساءُ بني أميةَ منهمُ وبناتُهُم بمَضيعَةٍ أيْتامُ
نامتْ جُدودُهُمُ وأُسْقِطَ نجمُهمْ والنّجمُ يسقطُ والجدودُ تنامُ
خلَتِ المنابِرُ والأسرّةُ منهمُ فعليهمُ حتى المماتِ سَلامُ
[ ٥٧ ]
قال المنصور: فقلت له: كمْ كان مروانُ أعطاك؟ قال: أغناني غِنى الأبَد، فما أسألُ أحدًا بعدَه، قال: فهمَمْتُ بقتله، ثم ذكرْتُ حقّ الاسترسال، وحُرمَةَ الصُحبة، فأطلقْتُه، وبدا لي فأمرتُ بطلبهِ فكأنّ البيداء أبادَتْهُ ورُويَ أنّ يزيدَ بنَ رُوَيْمٍ الشَيْباني، وكان رجلًا مِسْياعًا فأراحَ إبلَهُ ذات ليلةٍ من المَرْعى على أبيه، فقال له أبوه: لمْ تُعَشّها؟ فقال: بَلى قد فعلتُ، فدفعَ أبوه ثوبَه في وجوهِ الإبل فنفّرها وصرفَها الى المرعى وقال: أحسِنْ عَشاءها، فقال الغلام: إني لأحسِبُ غيرَك سيَبيتُ ربَّها. فلما صار الى الموضع الذي يُعَشّي إبلَهُ فيه، مرّ به سِرْحانُ بن أرطأة السّعْدي في مِقْنَبٍ له، فساق الإبلَ وأخذَ الغلامَ فأوثقَهُ شدًّا على بعض تلك الأباعر فرفعَ الغلام عقيرته وأنشد:
يا ويْحَ أمٍّ لي عليّ كريمةٍ فقْدي لَها شجَنٌ من الأشجانِ
إنّ الذي ترْجينَ نفْعَ إيابِه سقَطَ العشاءُ به على سِرحانِ
سَقَطَ العشاءُ به على مُتقَمِّرٍ ثَبْتِ الجَنانِ مُعاودِ التّطْعانِ
فلما سمع سرحانُ بنُ أرطأة شِعرَه قال له: أشاعر؟ قال: نعم، قال: خلّوا عنه، فأطلقَه وردّ عليه إبلَه. وقولهم في المثل: وقعَ العشاءُ به على سِرحان، قيل: السرحانُ هاهُنا الذّئب، وقال قوم: بل هو سرحانُ بنُ معتَّب الغنَويّ، وكان قد أغار على إبلِ نُصَيْحَةَ الأسَديّ، فقال أخوه هزيلةُ بنُ معتَّب:
أبْلِغْ نُصَيحةَ أنّ راعي إبْلهِ سقطَ العشاءُ به على سِرْحانِ
سقَطَ العشاءُ بهِ على مُتَقمِّرٍ لمْ يُثْنِهِ خوفٌ من الحدَثانِ
والرواية الصحيحة ما ذكرناه أولًا. ولولا الشعرُ والشاعرُ، لذهبَتِ النفس والأباعرُ.
وقال المفضّلُ الضّبيّ: كنتُ الى جنب إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن علي بن أبي طالب ﵁ يوم لقائِه عسكرَ المنصور، فالتفتَ إليّ وقال: يا مفضّل أنشدني شيئًا، فقلت: إنّه يريدُ مني ما أحرِّكُهُ به، فأنشدْته أبياتَ عُوَيْفٍ الفَزاريّ:
أقول لفِتيانٍ كِرامٍ ترَوّحوا على الجُرْدِ في أفواهِهنّ الشكائِمُ
قِفوا وَقْفَةً مَنْ يَحْيَ لا يخْزَ بعدها ومن يُخْتَرَمْ لا تتّبعْه اللوائِمُ
وما أنت باعَدتَ نفسَك عنهُمُ لتَسلمَ منها، آخرَ الدّهر سالِم
فقال: يا مفضَّل أعِدْ. فأعدتُ ثلاثًا، فتمطّى في رَكْبه حتى قلت تقطّعَتْ، وحملَ مرّةً بعد مرة يقتلُ في كل واحدة النفس والعشْرَة الى أن حملَ فلم يعُد. وقيل: جاءَهُ سهمٌ عائر فذبحَه.
وحكَى شُرَحْبيل بنُ معن بن زائدة قال: كنتُ بطريقِ مكةَ فسِرْتُ تحتَ قُبّةِ يحْيى بن خالد، وعديله أبو يوسُف القاضي إذ أقبلَ رجلٌ على نجيب، فأنشدَ شِعْرًا لم يرْضَهُ يحيى، وقال له: ألم أنْهَكَ عن قول مثله؟ هلاّ قلتَ كما قال الشاعر:
بَنو مطَرٍ يومَ اللّقاءِ كأنّهمْ أسودٌ لها في غِيلِ خفّانَ أشبُلُ
لَهاميمُ في الإسلام سادوا ولم يكُنْ لأوّلهم في الجاهليةِ أولُ
همُ يمنعون الجارَ حتى كأنّما لجارِهِمُ بينَ السِّماكَيْنِ منزلُ
همُ القومُ إن قالوا أصابوا وإن دُعوا أجابوا وإن أَعْطَوا أطابوا وأجزَلوا
ثلاثٌ بأمثالِ الجبالِ حُلومُهمْ وأحلامُهمْ منها لدى الرّوعِ أثقَلُ
وما يستطيعُ الفاعِلونَ فَعالَهُم وإنْ أحسَنوا في النّابياتِ وأجْمَلوا
فقال أبو يوسف ليحيى: لله درُّ قائله! لمَنْ هذا الشعر؟ فقال يحيى: لمروان بن أبي حفْصَة في والد هذا الفتى، ورمَقَني بطَرْفِه، فالتفتَ أبو يوسف إليّ وقال: من أنت يا فتى؟ فقلت: شُرَحْبيلُ بنُ معن بن زائدة. قال شُرَحْبيل: فوالله ما أعرفُ دخلَ على قلبي سُرور أعظم من سروري بذلك، ولا مرّتْ عليّ ساعةٌ أطيبُ من تلك الساعة.
وقيل لمّا بلغَ علقمَةَ قولُ الأعشى:
تَبيتون في المشتى مِلاءً بُطونُكم وجاراتُكم غَرْثَى يبِتْنَ خمائصا
[ ٥٨ ]
بكى، ولعله لم يبْكِ عندَ حلول النوائبِ وقراعِ المصائب، ولو عاينَ الموتَ في الحروب، ومُنازلةَ الأبطال عند الكروب.
وقيل: إنّ المنصور مرّ بقَبْرِ الوليد بن عُقبَة بن أبي مُعَيْط فأكثرَ من لعنتهِ وقال: هو أوّلُ من شبّ الحربَ بينَ بني عبدِ مناف بقوله:
بني هاشمٍ رُدّوا ثيابَ ابن أُختِكُم ولا تَنْهَبوه، لا تحِلُّ مناهِبُهْ
بني هاشمٍ كيفَ الهوادةُ بيننا وعندَ عليٍّ دِرْعُهُ ونجائِبُهْ
همُ قتلوهُ كي يكونوا مكانَه كما غدرَتْ يومًا بكِسْرى مرازِبُهْ
ولم يكن معاوية بالذي يحدِّث نفسَه بخلاف عليّ ﵁ ولا يهُمّ بمنازعتِه ولا يُدانيه في مَفْخَرٍ الى أن كاتبَه هذا، وأشر بيده الى قبر الوليد بن عُقبة، بقوله:
ألا أبلِغْ معاويةَ بنَ حرْبٍ فإنّك من أخي ثِقَةٍ مُليمُ
قطعتَ الدهر كالسّدمِ المعنّى تهدّرُ في دمشقَ وما تريمُ
وإنّك في الكتابِ الى عليٍّ كدابغةٍ وقد حلِمَ الأديمُ
فلو كُنتَ القتيلَ وكان حيًّا لشمّر، لا ألَفُّ ولا سَؤومُ
فهزّه بهذا الشعر وحرّكَه، وهيّجَه به وهجْهَجه، الى أن شمّر عن ساقِه، وصرّح بعد نِفاقِه. هذا آخرُ كلام المنصور.
وروى جماعة من الشيعة أن عليًا ﵁ لم يطالَب بدمِ عثمان، مع براءتِه منه، وقوله: والله ما قتلتُ عثمانَ ولا مالأتُ على قتله، إلا بتحريضِ حسّان بن ثابت وقوله:
يا ليتَ شِعري وليْتَ الطيرَ تُخبرُني ما كان بينَ عليٍّ وابنِ عفّانا
لتسمَعَنّ وشيكًا في ديارِهمُ اللهُ أكبرُ يا ثاراتِ عُثمانا
وقيل: كان سبب خروج ابن الأشعث على عبد الملك بن مروان قول الشاعر:
أفي الله أمّا بحْدَلٌ وابنُ بحدَلٍ فيَحْيا وأمّا ابنُ الزُبَيْرِ فيُقتَلُ
فقال لا والله وطلبَ دمَ آلِ الزبير وكان منه ما كان.
ومن طريف ما وقفتُ عليه من تأثير الشعر ما حدّثني به بعضُ المشايخ، يرفَعُه الى يَعْلى بن محمد الأعرج، قال الراوي عنه: حدّثنا إملاءً من حفظِه في يوم الأربعاء رابع عشر من ذي القعدة من سنة أربعين وخمسمائة، قال: لمّا خرجَ الوليد بن طريفٍ الشاري الشّيباني وعاثَ في نواحي العراق، أرجفَ أهل بغداد به، وتحدّث الناسُ فأكثروا ولم يكن له كُفؤٌ في ردّ شعبِه وسدِّ خلَلِه إلا ابنُ عمِهِ وهو يزيد بن مَزيد الشّيباني ابن أخي أبيهِ بغير فصلٍ، فاستحضَره وزيرُ الخلافة وأنشدَه على عادةِ العرب يُنخّيهِ، ويستَنْصِرُ به، فكان ما أنشده:
إذا دُعيت فما تُدْعى لهَيّنةٍ إلا لمُعضِلَةٍ توفي على العُضَلِ
إنّ الخلافةَ مُرساةٌ الى جبلٍ وأنتَ وابنُكَ رُكنا ذلك الجبلِ
إفخَرْ فما لك في شَيبان من مثلٍ كذاك ما لبَني شَيْبانَ من مثَلِ
وشرعَ الوزيرُ في كلام يرغِّبُه فيه، ويعِدُه، بما يكون في مطاويه، فقال له يزيد: كُفَّ يا مولانا فقد كفَيْتَ وكُفيتَ، ونهض وقد حرّكه الشرُ وهزّه طربً يجرّ أذيالَه، وبرزَ في جماعته لوقته الى قتال الوليد، فلقِيَه ووقع الطِرادُ، وارتفع العَجاج، فنصره الله على الوليد فتقله، بعد ما كان الوليد يكُرّ على الخيل ويردّ هواديها على أعجازِها ويرفع عقيرتَه ويُنادي:
أنا الوليدُ بن طريفِ الشّاري قَسْوَرَةٌ لا يُصْطَلى بناري
جَوركُمُ أخرَجَني من داري
ولمّا وقع الى الأرض ركبتْ أختُه ولبسَت دِرْعَها وخرجت مُبارزةً، فنظر إليها يزيد قاتِلُ أخيها وابنُ عمّها فناداها: يا هناةُ ألْقي الرُمحَ من يدكِ وارجعي الى خِبائِكِ، هتَكْتِ الحرائرَ، ليس هذا بمقامٍ للنساء، فركزَتْ رمحها في الأرض وأسندَتْ رأسَها إليه واستعْبَرَتْ، وأنشدت ترثي أخاها:
لئِنْ كان أرداهُ يزيدُ بنُ مَزْيدٍ فرُبَّ زَحوفٍ يُبْتَلى بزَحوفِ
أيا شجرَ الخابور مالكَ مورِقًا كأنّك لم تحزَنْ على ابنِ طريفِ
فقدْناهُ فِقْدانَ الربيعِ فلَيتَنا فديْناه من دَهْمائِنا بألوفِ
[ ٥٩ ]
فتىً لا يعُدُّ الزّادَ إلا من التُقى ولا المالَ إلا من قَنا وسيوفِ
ولا الخيلَ إلا كلَّ جرداءَ شَطْبةٍ وكلَّ حِصانٍ باليدينِ عَسوفِ
ثم رجعَتْ الى خِبائها تنوحُ وتندبُ أخاها مع نسائِها.
وأقول: لله دَرُّ ثلاثة أبيات حملَتِ الرجلَ على قتلِ ابن عمه، وقطع رحمِه، ولو كان الكلامُ الذي في الشعرِ منثورًا لما هزّه، ولا حملَ من أجلِه بزَّهُ، ولا قتلَ ابنَ عمِه ولا ابتزّه، والله يعفو عن المذنبين.
وقال يحيى بنُ خالد: سألني رجلٌ من بني أمية أنْ أوصلَهُ الى الرشيد، فقلتُ له: إنّ أميرض المؤمنين منحرِفٌ عن كل منتسِبٍ الى أميّة، وحنَقُه عليهم وسوءُ اعتقادِه فيهم مشهور، فإنْ كانت لك حاجةٌ غيرُ هذه فأنا أقضيها لك، فأبى إلا إيصالَه إليه. فعرّفتُ الرشيدَ ما كان من التماسه وجوابي له، فأمر بإحضاره، فلمْ أرْتَبْ أن يُمْسي مقْتولًا، فلما مثُل بين يديه أنشده:
يا أمينَ اللهِ إني قائِلٌ قولَ ذي عقْلٍ ودينٍ وأدَبْ
لكُمُ الفضلُ عليْنا ولنا بكُمُ الفضلُ علي كلِّ العرَبْ
عبدُ شمسٍ كان يتلو هاشِمً وهم بعْدُ لأمٍ ولأبْ
فصِلوا الأرحامَ منّا إنّما عبدُ شمسٍ عمُّ عبدِ المطّلِبْ
فقال له الرشيد: صدَقْتَ، متأثرًا بقوله، وقد عمِلَ الشعرُ في نفسه، وأمرَ له بأربعين ألف درهَم. قال يحيى: ولولا الأبياتُ لأمرَ بأخذ رأسه.
وحكى مروان بن أبي حَفْصة قال: خرجتُ أريدُ معنَ بنَ زائدة، فضمّني الطريقُ وأعرابيًا فقلت له: أين تريد؟ قال: هذا الملك الشَيباني، قلت: فما أهدَيْتَ إليه؟ قال: بيتين، قلت: فقط! قال: إني قد جمَعْتُ فيهما ما يسرُّه، فقلت: هاتهما، فأنشدني:
معْنُ بنُ زائدةَ الذي زيدَتْ به شرَفًا على شرَفٍ بنو شَيْبانِ
إنْ عُدّ أيامُ الفَعالِ فإنّما يوْماهُ يومُ ندىً ويومُ طِعانِ
قال: ولي قصيدةٌ قد حُكْتُها بهذا الوزن، فقلتُ: يا هذا، تأتي رجلًا قد كثُرَتْ غاشيتُه وكثُرَ الشُعراءُ ببابِه، فمتى تصِلُ إليه؟ قال: فقُلْ، قلت: تأخذُ مني بعضَ ما أمّلت بهذين البيتين وتنصرفُ الى رحلِك، قال: فكم تبذل؟ قلت: خمسينَ دِرهَمًا، قال ما كنتُ فاعِلًا ولا بالضِّعْفِ، قال: فلم أزَلْ أرْفُقُ بهِ حتى بذلتُ له مائةً وعشرين دِرهمًا فأخذَها وانصرف. فقلت: إني أصْدُقُكَ، قال: والصّدقُ بك أحسنُ، قلتُ إني حكتُ قافيةً توازنُ هذا الشعر وإني أريد أن أضمّ هذين البيتين إليها، قال: سبحان الله، قد علِمُت ولقد خِفْتَ أمرًا لا يبلغُكَ أبدًا. فأتيتُ معنَ بنَ زائدة وجعلتُ البيتين في وسطِ الشعر وأنشدتُهُ فأصغى نحوي، فوالله ما هو إلا أن بلغْتُ البيتين فسمِعَهما فما تمالكَ أن خرّ عن فُرُشِهِ حتى لصِقَ بالأرض ثم قال: أعِدِ البيتين، فأعدتُهما، فنادى: يا غُلامُ، ائتِني بكيسٍ فيه ألفُ دينار، فما كان إلا لفظُهُ وكيسُه، فقال: صُبَّها على رأسه، ثم قال: هاتِ عشرينَ ثوبًا من خاصِّ كُسْوَتي، ودابّتي الكذا وبغلي الكذا، فانصرفتُ بحباءِ الأعرابي لا حِباء معن.
ولمّا مدح أبو تمام الطائيُّ أحمدَ ولدَ المُعتصمِ بكلمتهِ التي أولها:
ما في وقوفِكَ ساعةً من باسِ تقضي ذِمامَ الأربُعِ الأدْراسِ
فلما وصل الى قوله:
إقدامُ عَمروِ في سَماحة حاتِمٍ في حِلْمِ أحْنَفَ في ذَكاءِ إياسِ
قال له بعضُ الحاضرين، وهو يعقوبُ الكِنديّ: كيفَ تُشبِّهُ ولد أمير المؤمنين بأعرابٍ أجلافٍ وهو أشرفُ منزلةً وأعظمُ محلّةً؟ فانقطع وأطرقَ ثم رفع رأسَهُ وأنشدَ مُرتَجِلًا:
لا تُنكِروا ضَرْبي لهُ مَنْ دونَه مثَلًا شَرودًا في النّدى والباسِ
فاللهُ قد ضربَ الأقلَّ لنورِه مثَلًا من المِشكاةِ والنِّبْراسِ
فاهتز لذلك طرَبًا وبُهِتَ له متعجِّبًا ووقّعَ له بالموصِل إجازةً.
[ ٦٠ ]
وقد وهب الموصِلَ شرفُ الدولة مُسلم بن قريش لبعض شعرائه وارتحلَ عنها فقيلَ للشّاعر إنها لا تبقَى عليك فلو بعْتَها لنوّاب الأمير لكنتَ موَفقًا، فابْتاعوها منه بعشرينَ ألفِ دينار. فلما بلغ شرفَ الدولةِ ذلك قال: ائتوني به، فلزِمَ أذنَهُ وقال: قبضتَ المالَ؟ قال: نعم، قال: وأنت راضٍ؟ قال: أجَل والله، فعرَك حينئذ أذنَهُ وقال له: يا ديّوث لقد بعتَ رخيصًا هلاّ لزمتَ يدكَ وطلبتَ مائةَ ألفِ دينار، فما كان لهم غَناءٌ عن دفعِ المالِ إليك.
وهذه الحكاية هكذا رَواها لي والدي ﵁، ولم يذكرْ لي الشِّعْرَ ولا الشاعر. قال ﵀: حدّثني بذلك عمُّ والدتي محمّدُ بنُ عُبَيْدِ الله العلويّ الحُسيني قال: حدَّثني المهذّبُ أبو الحسَن عليّ بنُ مُسْهِرٍ الكاتب بذلك في شُهور سنةِ إحدى وثلاثين وخمسمائة، وكان ابنُ مُسْهِر يمدحُ بني مُسلِم ابن قريش ويخدمُهم، وروى لي أنّ أبا القاسمِ الحسَن بن هانئ المغربيّ الأندلسيّ كان شاعرًا لبني مروانَ بالأندلس، فلما سمِعَ المُعزُّ العلَويّ شِعرَه، أنفذَ إليه فأوفدَه عليهِ رغبةً في الأدبِ، ومنافَسةً على شرفِ الرُّتَب، فلما اتّصل بخدمته مدحَه بمدائحَ منها:
الحبُ حيثُ المعْشَرُ الأعداءُ
ومنها:
تقَدّمْ خُطا وتأخّرْ خُطا
ومنها:
أقولُ دُمًى وهيَ الحِسانُ الرّعابيبُ
ومنها:
هلْ كان ضمّخَ بالعبيرِ الريحا
ومنها:
سَرى وجَناحُ الليلِ أسحمُ أفتحُ
ومنها:
ألا طَرَقَتْنا والنّجومُ رُكودُ
ومنها:
أقوى المُحَصَّبُ من هادٍ ومن هيدِ
ومنها:
ألؤلؤٌ دمْعُ هذا الغَيْثِ أم نُقَطُ
ومنها:
قد سارَ بي هذا الرِّكابُ فأوْجَفا
ومنها:
قُمْنَ في مأتمٍ على العُشّاقِ
ومنها:
أريّاكِ أم رَدْعٌ من المِسكِ صائِكُ
ومنها:
قد مرَرْنا على مغانيكِ تلكِ
ومنها:
أتظنُّ راحًا في الشّمالِ شَمولا
ومنها:
يومٌ عريضٌ في الفَخارِ طويلُ
ومنها:
قامَتْ تَميسُ كما تدافَعَ جَدْوَلُ
ومنها:
أصاخَتْ فقالتْ وقعُ أجردَ شَيْظَمِ
ومنها:
سَقَتْني بما مجّتْ شُدوقُ الأراقِمِ
ومنها:
هل من أعِقّةِ عالجٍ يَبْرينُ
فكان كلّما مدحَه بقصيدةٍ أعطاهُ ضَيعةً، فلما خرج مملوكُه جوهَرُ وأخذ مصرَ خرجَ المُعزُّ، فلما جلَسَ للهناء دخل عليه ابنُ هانئ واستأذَنَهُ في الإيراد فأذِن له فأنشدَ قصيدةً يقول منها:
ألا إنّما الأيامُ أيامُكَ التي لكَ الشّطْرُ من نَعْمائِها ولنا الشّطْرُ
التفتَ الى وزيره وقال: اكتبوا له بالاسكندرية وسلّموها إليه بمَنْ فيها فهيَ شطْرٌ قد خصصناهُ به. هكذا كانت جوائز الشعراء. وأُعْطِيَ الأحْوَصُ عشرينَ ألف دينار لقوله:
وما كانَ مالي طارِفًا من تِجارةٍ وما كان ميراثًا من المالِ مُتلَدا
ولكنْ عَطاءٌ من إمامٍ مُبارَكٍ مَلا الأرضَ مَعروفًا وجودًا وسُؤدَدا
وهي أبيات مشهورةٌ وما أظنّ أحدًا من مُقصِّري شُعراء الوقت يعجز عن قول مثلِها.
وكان زهير قد بلغ الغايةَ في مدحِ هرِم بنِ سِنان بن حارثة حتى ضربَتِ العربُ المثلَ بهرمٍ في الجودِ لقول زِهير:
إنّ البخيلَ مَلومٌ حيثُ كان ول كنّ الجوادَ على عِلاّتِه هَرِمُ
هو الجوادُ الذي يعطيك نائِلَهُ عفوًا ويُظْلَمُ أحيانًا فيَظَّلِمُ
وأجمع أهل العلم بالشّعر أنّ أمْدَح ما قالته العرب قولُ زهير:
قد جعلَ المُبْتَغونَ الخَيْرَ من هَرِمٍ والسائِلونَ الى أبوابِه طُرُقا
إن تلْقَ يومًا على عِلاّتِه هَرِمًا تلْقَ السّماحةَ منه والنّدى خُلُقا
فأفرطَ هرِمٌ في عطائه والبذل له حتى أنّ هرِمًا أقسم أنه زُهيرًا لا يُسلِّمُ عليه إلا أعطاه المالَ والإبلَ، فترك زُهير السّلام على هرمٍ إبقاءً وحَياءً من إفراطِه في العطاء، كان زهيرٌ يمُرُّ بالنادي فيقول: ألا أنعِموا صباحًا ما خَلا هَرِمًا وخيرَكُم تركتُ.
هكذا كان الشعراء يستَحْيون من صلاتِ الممدوحين وإحسانِ المُنعمين كما قال المعرّي:
[ ٦١ ]
لو اختَصَرْتُم من الإحسانِ زُرتُكُمُ والعذْبُ يُهْجَرُ للإفراطِ في الخَصَرِ
ولما دخلَ أبو الحسَن عليُّ بنُ محمد التِهامي على حسّان بن جرّاح الطائي صاحب الشام أنشده كلمته التي يقول في أوّلها:
هلِ الوجْدُ إلا أن تلوحَ خيامُها فيَقْضي بإهداءِ السّلامِ ذِمامُها
فلما بلغَ الى قوله:
ألا إنّ طيًّا للمكارمِ كعبةٌ وحسّانُ منها ركنُها ومَقامُها
تقِلُّ لك الأرضونُ مُلْكًا وأهلُها عبيدًا فهل مُسْتَكثَرٌ لك شامُها
وهبَه مدينة حَماة وأعمالها.
ومن تأثير الشعرِ في الأنفُس الأبيّة أن الظّاهرَ بمصرَ كان قد عزلَ عن وزارته أبا القاسم ابن المغربيّ، وانفصلَ عن البلاد المصرية واتصل ببلاد مَيّافارقين، واستوزر بعدَ المغربي عليَّ بن أحمد الجَرْجَرائيّ، فكان المغربيُّ يواصلُ التِّهاميّ بالصّلات والملاطفاتِ حتى قدِم عليه ومدحَهُ بقصيدةٍ أولُها:
فؤادي الفِداءُ لَها من قُبَبْ طَوافٍ على الآلِ مثل الحَبَبْ
ثم قال فيها:
فمَنْ مُبْلِغٌ مِصْرَ قولًا يعُمُّ ويختصُّ بالملِك المُعتَصَبْ
لقد كنتَ في تاجِهِ دفرّةً فعُوِّضَ مَوضِعَها المُختَلَبْ
فإنْ سُدّ موضِعُه لم يُسَدَّ وإن نيبَ عن مثلِها لمْ يُنَبْ
إذا اغتربَ الليثُ عن خِدرِه غدا الشاءُ فيه يَلُسُّ العُشُبْ
أتيتكَ مُمْتَدِحًا للوداد ولمْ آتِ ممْتَدِحًا للنّشَبْ
فبلغ الجرجرائيّ قولُه فما زال يُعمِل الحيلةَ حتى قدِم التهامي مصرَ فحبسه وطال حبسه. وله أشعارٌ كثيرة قالها في مَحبَسِه متَندِّمًا على قدومه معتذرًا من بادرة منظومِه، فمن ذلك:
لنَفسِكَ لُمْ لا عُذْرَ قد نفِدَ العُذْرُ بِذا حَكَمَ المقدورُ إذ قُضيَ الأمرُ
يقول فيها:
جنَيْتُ على نفسي بسَعْيي إليهِمُ وماليَ من أوفى مواثيقِهم عُذْرُ
وماليَ من ذنْبٍ سوى الشّعْرِ إنّني لأعلَمُ أنّ الذّنْبَ في نكبتي الشّعْرُ
أسيرٌ لدى قومٍ بغير جنايةٍ ألا في سبيل الله ما صنع الأمرُ
وله من أخرى:
أيا مَنْ نَعاهُ لسانُ القَريضِ وكالنَّدِّ ينشُرُ منْ عَرْفِهِ
يعِزُّ على الدّهْرِ ما أنتَ فيه وإنْ جلَّ ما بك من صَرْفِهِ
وضاعفَ وجْديَ لمّا سُجنْتُ مقالةُ مَنْ لَجّ في عُنْفِهِ
يقولُ وبعضُ كلامِ السفي هِ يقتُلُ إنْ هوَ لمْ يُخْفِهِ
أهَذا التِهاميّ من مكةٍ برِجْلَيْه يسعى الى حتفِه
ألمْ يكفِه أنّ ثوبَ الحيا ةِ ضافٍ عليهِ ألمْ يكْفِهِ
أرادَ يَطيرُ مطارَ المُلوكِ وظنّ الأسنّةَ من زِفِّهِ
أبالشِّعْرِ ويْلَك تبغي العَلاء وأنتَ تُقصِّرُ عن رصْفِهِ
ولم تكُ أهْلًا بأن تستقرَّ على مِنبرِ المُلكِ أو طرْفِهِ
لأنّكَ أنْزَرُ من شاعرٍ علي خِسّةِ الشِّعرِ في وصْفِه
أرَقتَ دَمًا طالما صُنْتَهُ وأشعَلْتَ جمْرًا ولم تُطْفِهِ
وأشفَيْتَ مُنتظِرًا للبَوارِ وصدرُك حرّانُ لم تشْفِهِ
إذا نشِفَ العودُ من مائِهِ فذلكَ أدْعى الى قصْفِهِ
فلما طالَ حبسُه أشار الجَرْجَرائيُّ الى غُلامِه لبيب أن يقتلَهُ في مَحْبَسِه فدخل إليه لبيبٌ ليلًا فخنَقَه. ولولا الشعرُ لما تأثّر به تأثّرًا حمَلَه على قتلِ النفس والخلودِ في نار جهنّم.
[ ٦٢ ]
ولم يزلْ ابنُ نَصْرٍ صاحبُ حلبَ يراسِلُ ابنَ حَيّوس الدمشْقيَّ ويواصلُه بالصّلات والأعطِياتِ والمُلاطَفات حتى أقدمَهُ إليه وأوفدَه عليه، فلما قاربَ حلبَ خرجَ في موكبِه وتلقّاهُ، وأكرمَه وحيّاهُ، وأنزلَهُ دارَ ضيافَتِه. وبعد أيامٍ جلس في قلعة حلبَ جلوسًا عامًّا وأذِنَ لنوّابِه وأمرائِهِ وأصحابِه ووزرائِهِ، فلما استقرّ الناسُ على مراتبِهم استحضرَهُ وأجلسَهُ بين يديهِ فأنشده قصيدته التي يقولُ في أوّلها:
قِفوا في القِلَى حيثُ انتَهَيْتُمْ تذَمُّما ولا تقتَفوا مَنْ جارَ لمّا تحكّما
فاستدعى بكيس فيه ألفُ دينار فصبّه عليه فالتقطَه الحاضرون ثم استدعى بكيسٍ آخر فيه ألفُ دينار، وعشرين ثوبًا، وخِلعةً سَنيّةً، وفَرَسًا بطَوقِ ذهب وسِرْفسارِ ذهَبٍ فأعطاهُ وكتبَ له ضيعةً من أمّهاتِ القُرى بحلب. فهذه كانت جوائز الشعراء.
ولقد اجتهد فخْرُ المُلْكِ أبو غالب بن خلَفٍ الواسطيّ لما دخل بغدادَ أيّامَ وزاراتِه لبهاء الدولة بنِ عَضدِها، على أن يمدَحَه ابنُ نُباتَة السّعدي فلم يفعلْ وقال له: إنّ أحمد بن إسحاقَ - يعني القادر بالله - حظّر عليّ أن أمدَح أحدًا سواه. فلما بلغ القادرَ كلامُه وكونُه لم يعبّر عنه بالإمام ولا بأمير المؤمنين، ولا زاد على أن سمّاهُ ونسبَه، احتمل له ذلك مع امتناعه على ما كان عنده من المنافسة والمُحاقَقة في مثلِه. ثم توصّل فخرُ المُلكِ الى القادر وتقرّب إليه بأنواع التقرّب، وسأله أن يأذَن لابن نُباتة في مدحِه فاعتذرَ إليه وأبى عليه وقال: ما كان لشاعر الخلافة أن يمدحَ سواها، فلما اعتاصَ على فخر المُلك مرامُه، وضع ابنَ حاجب النعمان فزوّر على ابن نُباتة وقال: قد رسم لك أميرُ المؤمنين أن تمدحَ الوزير فخْرَ المُلْكِ، فحضَر امتثالًا للأمر، فلما رآه فخرُ المُلك نهضَ له قائمًا ورفع مجلسَه وأحسنَ جائزتَه وأعطاه من الثياب والذهب ما لمْ يُعْطَ شاعرٌ مثلُه. فانظرْ الى منافسةِ هذا الوزير في اكتساب الثّناءِ، واحتيالِه على تحصيلِ الحمدِ من الأدباء، وعزَّةِ ذلك عند الأئمة الخُلفاء، رضوانُ الله عليهم. هكذا كانت رغباتُ الرؤساء في الأدباء.
وحدّثني والدي ﵁ قال: حدّثني محمدُ بنُ محمد بن عبيد الله العلويّ الحُسَيْنيّ قال: حدّثني أبو المَفاخِر الأبهريُّ قال: حدّثني أبو يَعْلَى ابن الهَبّارِية الهاشميّ قال: حدّثني أبو سعْد العَلاءُ بنُ الحسن بن موصلايا كاتب حضرةِ الخِلافة قال: كنتُ إذا كتبت عن رئيس الرؤساء كتابًا تحفّظْتُ وتحرّزْت واجتهدتُ، وما أكاد أسلمُ من نقده، ومأخذه وردّه. وقد صِرْتُ إذا كتبتُ كتابا عن ابن جَهير فإني أسترسِلُ فيه ولا أراعي شيئا من ألفاظه ومعانيه، فإذا عرضتُه عليه أخذَه ورزَنَه بيدِه، فإن وجدَه ثقيلًا كبيرًا قال: يا بني، باركَ اللهُ فيك، هذا كتابٌ حسَنٌ قد بجّلْتَه فيه وعظّمتَه. وإن استصغَر حجمَه، واستقلّ سطورَه ورقمَه نظر إليّ شزْرًا وقال: لعلّك غيرُ راضٍ، أو أنّ هذا لعدم البياض؟ وأنشد ابن الهَبّارية لنفسه:
فقُلْ لوزيرٍ نقْدُهُ لكتابِه بأوْراقِه وزْنًا وعدِّ سُطورِه
لعلّ زمانًا قد شكَوْنا وزيرَهُ يُعيدُ علينا اليومَ مثلَ وزيرِه
فانظُرْ كم بينَ فخرِ المُلْكِ وهمّته، وبين ابن جَهير وعاميّته وصَنعتِه.
وكان بشرُ بنُ أبي خازمٍ الأسديّ قد هَجا أوسَ بنَ حارثة المَلك ظلمًا، حمَلَه على هجائه بنو بدرٍ الفَزاريّون. ثم إن بِشْرًا غَزا طيّئًا في خيلٍ من قومه، فأغار على بني نبهان فجُرح فأُثخِنَ وهو يومئذ يحمي أصحابَه، فأسرَه بنو نبهان وخبّؤوه كراهيةَ أن يبلغَ خبرُه أوسًا. وسمعَ أوسٌ أنه عندهم فراسلَهُم في تسليمه إليه فكتموه، فآلى أن يدفعوه إليه، وكانوا يخافون أن يقتُلَه، فلما أبَوْا أعطاهم مائتي بعير، فدفعوهُ الى رُسلهِ، فقال له بعضُهم وهو مشدودٌ على بعير: يا بِشْر غنِّنا، فكأن قد تغنّى الناسُ بما يصنَعُ بك أوس، فبَيْنا هم يتهدّدونَه إذ زجَر الطيرَ والوحشَ فرأى ما يحبّ فقال:
أمَا ترى الطيرَ الى جنب النَّعَمْ والعيرَ والعانةَ في وادي سَلَمْ
سَلامةٌ ونِعمةٌ من النِّعَمْ
فأجاب بعضُ الرُسُل:
[ ٦٣ ]
إنّك يا بِشْرُ لَذو وهمٍ وهمّْ في زَجْرِكَ الطّيْرَ على إثْرِ النّدَمْ
أَبْشرْ بوقْعٍ مثلِ شُؤبوبِ الرِّهَمْ وقطْعِ كفّيكَ ويُثْنى بالقَدَمْ
وباللسان بعدَها وبالأشَمّْ إنّ ابنَ سُعْدى ذو عِقابٍ ونِقَمْ
فلما أتوا به قال له أوسٌ: هجَوْتَني ظالمًا، فاختَر بين قطْع لسانِك وحبسِك في سَرَبٍ حتى تموت، وبين قطعِ يديك ورجليْك وتخليةِ سبيلك. ثم دخل على أمِّه سُعْدى وقد سَمِعَتْ كلامه فقالت له: يا بُنيّ لقد مات أبوك فرَجوْتُك لقومِك عامةً، وقد أصبحتُ - والله - لا أرجوك لنفسِك خاصةً، ويحكَ أزَعَمْتَ أنّك قاطِعٌ رَجُلًا شاعِرًا؟ ومتى كانت الشعراءُ تُعامَل بغير الإحسان؟ فإنْ كنتَ زعمتَ أنّه هجاك، فمَنْ يمحو إذًا ما قالَه فيك؟ قال: فما أصنَعُ به؟ قالت: تكسوهُ حُلَّتَكَ وتحْمِلُهُ على راحلتِك وتأمُرُ له بمائة ناقة، عساهُ يغسِلُ بمديحِهِ هجاءَهُ. فخرج من عندِها فخلّى سبيلَه وأحسنَ إليه وفعل أضعافَ ما أمرتْهُ به أمّه. فامتدحَه بِشْرٌ فأكثر، ورَحضَ عنه الدَّنَس والوَضَر.
قال الأخفش: مدحَ بِشْرٌ أوسًا وأهلَ بيتِه مكان كلِّ قصيدةٍ هجاهم بها قصيدةً، وكان قد هجاهُم بخَمسٍ فمدحَهُم بخمس. فمن ذلك كلمته المختارة:
كَفى بالنّأي من أسماءَ كافِ وليسَ لحُبّها إذ طالَ شافِ
فكان الأمرُ كما قالَتْهُ أمّه، إذ مَحا بِشْرٌ بمدحِه ذَمَّه.
وفي هذا الباب من تأثير الشِّعْرِ وزَماجِرِ أسودِ الغِضابِ، ما يكثرُ منه العجبُ العُجاب، وفيما أوردناهُ كفاية لذوي الألباب.