أوّل ما أبدأ به في هذا الفصلِ فأقولُ إنّ اشتقاقَ لفظةِ الشِّعرِ من العلمِ والإدراكِ والفطنةِ تقول: ليْتَ شِعْري هلْ أصابَ صوْبُ السماءِ منازِلَ أسماءَ، أي ليت علمي. قال الشاعر - أنشده ابنُ الأعرابي:
يا ليْتَ شِعْري والمُنى لا تَنْفَعُ هلْ أغْدونْ يوْمًا وأمري مُجْمَعُ
وتحتَ رَحْلي زَفَيانٌ مَيْلَعُ حرْفٌ إذا ما زُجِرَتْ تبَوَّعُ
كأنّها نائحةٌ تفجَّعُ تبْكي لمَيْتٍ وسواها الموَجعُ
زَفَيان: ناقةٌ تَزيفُ في مَشيِها، وميلعٌ: سريعةٌ ناجية.
وسُمّي الشاعرُ شاعرًا لعلمه وفطنتِهِ.
وأما كونُهم سمّوا الشعرَ قريضًا فلأنّ اشتقاقه من القَرْضِ وهو القطْعُ لأنه يُقْرَضُ من الكلامِ قرْضًا، أي يقطعُ منه قَطْعًا كما يُقْرَضُ الشيءُ بالمِقْراض. قال الله تعالى: " وإذا غَرَبَتْ تَقرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمال " أي تجوزُهُم وتَدَعُهُم على أحدِ الجانبين. قال عبد العزيز بن حاتم بن النعمان ابن الأحمر، وكان يهاجي الفرزدق:
أنفي قَذَى الشِّعرِ عنهُ حينَ أقْرُضُه فما بِشعْريَ من عيْبٍ ولا ذامِ
كأنّما أصْطَفي شِعري وأغرِفُه من مَوْجِ بحْرٍ غزيرٍ زاخرٍ طامِ
منهُ غرائِبُ أمثالٍ مُشهَّرةٍ ملمومةٍ، إنها رَصْفي وإحكامي
وأما القصيدُ، وهو جمْعُ قصيدةٍ مثل سَفين جمع سَفينة، فإنما اشتُقّتْ لفظتها من القِصْدَة وهي القِطْعة من الشيء إذا تكسّرَ كأنها قِطعةٌ من الكلام. ومن ذلك رُمْحٌ قِصَدٌ وقد تقصّدَ إذا صار قِطَعًا. قال المُسيَّبُ بنُ عَلَس:
فَلأُهدِيَنّ مع الرِّياحِ قصيدةً مني مُغلْغَلَةً الى القَعْقاعِ
ترِدُ المياهَ فلا تزالُ غريبةً في القَوْمِ بين تمثُّلٍ وسَماعِ
وأما تسميتُهُم القصيدةَ قافيةً فلأن القافيةَ تقفو البيتَ أي تتبعُهُ وسمّوا الجميعَ باسم واحدٍ إيجازًا واختصارًا كما سمّوا القصيدةَ بجملتها كلمةً، والكلمةُ اللفظةُ الواحدة، ميلًا الى اختصار الكلام وإخلادًا الى ما يدلُ فيه على التمام. قالت الخنساء:
وقافيةٍ مثل حدِّ السِّنانِ تبْقَى ويهلِكُ مَنْ قالَها
نطقتَ ابنَ عمروٍ فسهّلْتَها ولمْ ينْطِقِ الناسُ أمْثالَها
وأقول: إنّ الشعرَ عبارةٌ عن ألفاظٍ منظومة تدلُّ على معانٍ مفهومة، وإن شئتَ قلت: الشعرُ عبارةٌ عن ألفاظ منضودة، تدلُ على معانٍ مقصودة. فإذا قيسَ به النثرُ كان أبرعَ منه مطالِعَ، وأنْصَعَ مقاطع، وأجرى عِنانًا، وأفصحَ لسانًا، وأشردَ مثلًا، وأعضدَ مُنْصُلًا، وأسدَّ سِهامًا، وأشدَّ خِصامًا، وأنْوَرَ نجْمًا، وأزهر نَجْمًا، وأبقَى مياسِمَ، وأنْقَى مباسِمَ، وأذكى مناسِمَ، وأزكى معالِمَ، وأرشقَ في الأسماع، وأعلَقَ بالطِّباع.
وقال الأصمعي: الشعرُ ما قَلّ لفظُهُ، وسهُلَ ودَقّ معناه ولَطُفَ، والذي إذا سمعْتَهُ ظننْتَ أنك تنالُه، فإذا حاولته وَجدتَه بعيدًا، وما عدا ذلك فهو كلامٌ منظومٌ. وقال بعض البُلغاء: الشِّعرُ عبارةٌ عن مثَلٍ سائرٍ وتشبيه نادرٍ واستعارةٍ بلفظٍ فاخر.
وروى لي الغزنويّ عن هبةِ الله المعروفِ بابنِ الشجريّ قال: حدّثني أبو زكريا التبريزي قال: كنتُ أسألُ المعرّي عن شعرٍ أقرؤُه عليه فيقول لي: هذا نظمٌ جيّدٌ. فإذا مرّ به بيتٌ جيدٌ قال يا أبا زكريا هذا هو الشِّعر.
وأما الشِّعرُ فيحتاجُ الى آلات، وفيه ألقابٌ وله صفات. ونحن نذكرُ ذلك مجملًا، ونشرحُه مفَصَّلًا، ولا نقصدُ فيه الترتيب، إذ تقديمُ فصلٍ على فصلٍ غير مفتقر الى التهذيب.
في الشعر:
[ ٢ ]
١ - النحو ٢ - والبلاغة ٣ - والفصاحة ٤ - والحقيقة والمجاز ٥ - والصنعة والمصنوع ٦ - وإقامة الوزن ٧ - والقوافي ٨ - والألقاب وهي أ - الإشارة ب - والكناية وتسمى التتبيع، ٩ - والموازنة وهي المماثلة ١٠ - والتجنيس، ومنه المحض والمطلق وهو تجنيس اللفظ، والمغاير والمقارب، وتجنيس المعنى، والمُطْمِع والمُبْدَل والمُختلِف، وتجنيس الخط ويسمّى التصحيف، وتجنيس البعض، والمُتَمَّم، وتجنيس القوافي، والمماثِل وفيه ١١ - الطباق ١٢ - والتصدير وهو ردُّ أعجازِ الكلامِ على صُدورِه ١٣ - والالتفات ١٤ - والاستطراد ١٥ - والتقسيم ١٦ - والتسهيم ١٧ - والترصيع ويسمى التفويف ١٨ - والترديد ١٩ - والمقابلة ٢٠ - والاستثناء ٢١ - والإيغال ويسمى التبليغ ٢٢ - والاستعارة ٢٣ - والتشبيه ٢٤ - والحشو السديد في المعنى المفيد ٢٥ - والمتابعة ٢٦ - والمَخْلَص ٢٧ - والتضمينُ وهو التسميطُ والتوشيح ٢٨ - وتجاهلُ العارف ٢٩ - والمماتنة وهي الإنفادُ والإجازة ٣٠ - والسرقةُ وأقسامُها المحمودَةُ والمذمومة ٣١ - والنقدُ. وغير ذلك مما سنُبيِّنُهُ ونوضِحُهُ، ونعيّنُه ونشرحُه على سبيل الاختصار دونَ الإكثارِ، لافتقارِ الإسهاب الى زمانٍ طويلٍ وعُمْرٍ مديد وقوْل بسيطٍ واللهُ الموفقُ لجَدَد الهدايةِ بمشيئتِه وكرَمِه.
١ - فأما النّحو فإنه من شرائطِ المتكلمِ سواءً كان ناظمًا أو ناثرًا، أو خطيبًا أو شاعرًا، ولا يمكن أن يَستغنيَ عنه إلا الأخرسُ الذي لا يُفصِحُ بحرفٍ واحد. وكان بعضُ البُلغاء يقول: إني لأجدُ للّحنِ في فمي سُهوكةً كسُهوكةِ اللحمِ. وقال ﷺ: " رحم الله امرءًا أصلحَ من لسانه " وهذا حَثٌ على تقويم اللِّسان وتأدُّبِ الإنسان. وقال عليٌ ﵁: تعلموا النحو فإنّ بني إسرائيل كفروا بحرفٍ واحدٍ كان في الإنجيل الكريمِ مسطورًا وهو: أنا ولّدتُ عيسى بتشديد اللام، فخففوه فكفروا. وما قد ورد في الحث على تعلُّمِ النحوِ وفي شرَفِ فضيلتهِ وجلالةِ صناعتِه، لو تعاطينا حكايتَهُ لاحتجنا فيه الى كتابٍ مفردٍ، إذْ بمعرفتِهِ يُعْقَلُ عن اللهِ ﷿ كتابُهُ وما استوعاهُ من حكمتِهِ، واستودَعَه من آياتِهِ المُبينةِ، وحُجَجِهِ المنيرةِ، وقرآنِهِ الواضحِ ومواعظِهِ الشافيةِ، وبهِ يُفهم عن النبي ﷺ آثارُهُ المؤديةُ لأمرِهِ ونهيهِ وشرائعِه وسُنَنِه، وبه يتسعُ المرءُ في منطقِه، فإذا قالَ أفصَحَ وإذا احتجّ أوضحَ، وإذا كتبَ أبلغَ وإذا خطب أعجبَ.
[ ٣ ]
ومعنى النحو انتحاءُ سمْتِ كلامِ العربِ في تصرفِهِ من إعرابٍ وتثنية وجمْع وتكسيرٍ وتحقير وإضافة ونسبٍ وغير ذلك. وهو في الأصل مصدرٌ شائعٌ من قولكَ نحوتُ نحْوًا، أي قصدتُ قصدًا، ثم خُصّ به انتحاءُ هذا النوعِ من العِلْمِ فصار كالمقصور عليهِ دونَ غيرِهِ كما أنّ الفِقْهَ في الأصل مصدرُ فَقِهْتُ الشيءَ أي عرفتُهُ. ثم خُصّ به علم الشّريعة من التحليل والتحريم، وكما أن بيتَ اللهِ خُصّ به الكعبةُ وإنْ كانت البيوت كلها لله تعالى. ونظائرُ ما كان شائعًا ثم قُصِرَ في جنسِه على أحد أنواعِهِ كثيرةٌ. وحُكِيَ عن أعرابيٍّ أنّه قالَ إنك لتَنظُرون في نُحُوٍّ كثيرةٍ فشبّهها بعُتُوٍّ وهو قليلٌ في كلامِهم. والوجهُ في مثلِ هذه الواو، إذا جاءتْ في جَمع، الياءُ كقولهم في جمْع حَقْوٍ حُقِيٌّ. وأول من نطَق بالنحوِ عليٌ رضي الله تعالى عنه والحكايةُ في ذلك معروفة، ولمّا وضحَ بمثالِه المنْهَج، واتّضحَ بمقالِه المستقيمُ والأعوجُ، تشعّبتِ السبلُ فيه، واتّسعتِ العِللُ في معانيه. والأصل ثلاثُ كلِمات: اسمٌ وخبرٌ وأداةٌ تدلُّ على معنى. فالاسمُ كلُّ موصوفٍ من الخَلْقِ. والخلقُ ثلاثةُ أشياءٍ: إما جسمٌ أو لونٌ أو فِعْلٌ. وأما الخبَرُ فكلُّ ما أثْبَتَ مجهولًا أو أقامَ وصفًا من اسمٍ أو غيره. إلا أن الكلمة التي خَصَصناها به الكلمةُ التي لا يقعُ لفظُها إلا خبرًا، وهيَ كلُّ كلمةٍ دلّتْ على حدوث حركةٍ مؤقتة، من نحو قولِك فعَلَ ويفعَل، أو فُعِلَ أو يُفْعَلُ. وأما ما كان يقع مرة خبرًا ومرة مُخبَرًا عنه، فكرهنا أن نُسمّيهُ خبرًا إذ لم تدُم حالُه. وأما الأداةُ فكل ما عَدا أن يكون اسْمًا أو خَبرًا. وهي كلمةٌ لا تقعُ وصْفًا ولا موصوفًا. والكلمة التي سمّيناها خبرًا هي في تسمية النّحويينَ فعلٌ وذلك خطأ. لأن قولك فَعَل أو يفعَلُ أو فُعِلَ أو يفْعَلُ إنما هو إخبار بحدوثِ الفِعل ووقوعِه، والإخبارُ بحدوثِ الشيء خلاف الشيء، ولو كان فَعَلَ أو يَفْعَلُ فِعْلًا، لأمكنك أن تصِفَه فتحمدَه أو تذُمَّه كقولِكَ نِعْمَ الفِعْلُ آمَنَ وأصلح، وبِئسَ الفِعْلُ كفَرَ وأفسدَ. فهذه جملةُ تفسيرِ الكلمِ الثلاث التي حصَرَ بها عليٌ ﵁ الألفاظَ وجمعَ بها المعاني، ولكلّ ضَرْبٍ من هذه الثلاثةِ الأضربِ، ضروبٌ مختلفةٌ وشُعَبٌ متفرقةٌ ومعانٍ متباينةٌ قد فرغَ منها النحويونَ في كتبهِم. وما أورده فعليهِ اعتراضاتٌ قد أجابَ عنها أبو علي علي عللِ المنطقِ ولكلامهِ حكَيْتُ، وعنه رَوَيْتُ.
والشعرُ فلا يسلمُ أديمُهُ من النَّفَلِ، ولا يصِحُّ مريضُهُ من العللِ إلا بمعرفة النحو وامتدادِ الباعِ فيه، والوقوفِ على غامضِهِ وخافيهِ، كما قال المُحْدَث:
وإذا أردتَ من العلومِ أجلَّها فأجلُّها منها مُقيمُ الألْسُنِ
وفي هذه النُّبذَةِ كفاية.
[ ٤ ]
٢ - وأما البلاغةُ فهي الفصاحة. يُقالُ بلُغَ الرّجلُ بضم اللامِ فهو بليغٌ، ولا فرقَ بين البلاغة والبيان إلا في اللّفظِ. وسُئِلَ بعضُهم عن البلاغة فقال: كلامٌ وجيزٌ معناهُ الى قلبكَ أقربُ من لفظِه الى سَمْعِك. وقال جعفر بن محمد الصادق ﵁: إنما سُمِّي البليغُ بليغًا لأنه يبلُغُ حاجَتَهُ بأهونِ سعيهِ. وقال ابن الأعرابي: قال المفضلُ الضبّيُّ: سألتُ أعرابيًا عن البلاغةِ فقال: الإيجازُ في غير عجْزٍ، والإطْنابُ في غير خَطْلٍ. وقيلَ للعتّابي: ما البلاغةُ؟ فقال: مَنْ أفهمَكَ حاجتَهُ من غيرِ إعاقةٍ ولا حُبْسةٍ ولا استعانَةٍ. وسُئِلَ بعضُ الحكماءِ عن البلاغةِ فقال: مَنْ أخذَ معانيَ كثيرةً فأدّاها بألفاظٍ قليلةٍ، وأخذَ معانيَ قليلةً فولّد منها ألفاظًا كثيرةً فهو بليغٌ. وقيلَ: البلاغةُ ما كان من الكلامِ حسَنًا عند استماعِهِ، موجَزًا عند بديهتِهِ. وقيلَ: البلاغةُ لمحة دالّةٌ على ما في الضمير. وقيلَ: البليغُ الذي يبلغُ ما يريدُ، أطالَ أم قصّرَ. وقال بعضُهم: البلغةُ تصحيحُ الأقسامِ، واختيارُ الكلام. وقيلَ: البلاغةُ معرفةُ الفَصْلِ من الوَصْلِ. وأقول أنا: إن تركيبَ ب ل غ معناه إدراك ما يحاولُه الإنسان عن قوّة، وتمكُّنٍ من قدرةٍ. فمن ذلك بلَغْتَ الأمرَ والغرَضَ إذا وقفتَ على غايتِه، وأشرفتَ على نهايتِه، ولولا قوّتُك عليه لما وصلتَ إليه. ومن ذلك البلاغةُ، فإنّك إذا وقفتَ على غاياتِ الكلام ونهايات المعاني، دلّ ذلك على قُدرتِكَ في الأدب وتمكّنِك من لُغةِ العرب. فإنْ أوْجَزْتَ أو أسهبتَ كنتَ فيه بليغًا وكان ما أتيتَ به بلاغةً. ومن ذلك غ ل ب، فإنّ الغَلَب لا يكون إلا عن قوة وتمكّن وقُدرة. ومن ذلك ل غ ب اللُّغُوبُ هو التعبُ ولا يكون ذلك إلا عن دأبٍ وشدةِ حركة تدلُ على قوّةٍ وقدرةٍ على الحركات وتمكنٍ من السعي العنيفِ في سائرِ الأوقات. ومن ذلك ب غ ل يقالُ بغّلَ الفرسُ إذا سارَ بين العَنَق والهَمْلَجَة، ومنه التبغيلُ وهو مشْيٌ سريعٌ فيه اختلافٌ ولا يكون ذلك إلا عن قوة وقدرةٍ على السّعي.
ومنْ أعلى درجات البلاغةِ وأرفعِها في الكلام المنثور قولُه تعالى: " وقيلَ يا أرضُ ابلَعي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعي، وغِيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمرُ واسْتَوَتْ على الجوديِّ وقيلَ بُعْدًا للقَوْمِ الظالمين ". وقوله تعالى: فاصْدَعْ بِما تُؤمَرُ) . ومن البلاغةِ في الكلام المنظوم قول امرئ القيس:
قِفا نبْكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزل
فإنّه وقفَ واستوقَفَ، وبكى واسْتَبْكى، وتغزّل بذكرى الحبيبِ والمنزلِ في نصفِ بيْتٍ. وقال طرَفَة:
ولستُ بحلاّلِ التِّلاعِ مَخافَةً ولكنْ مَتى يسْتَرفِدِ القومُ أرْفِدِ
المعنى أكثر من اللفظِ. يقولُ لستُ أحُلُّ بالمواضعِ الخفيةِ مخافةَ القِرى، ولكني أحُلُّ بالمواضع الظاهرةِ التي لا تَخفى على الضّيْفِ الطارقِ. فإذا استُقريتُ قَرَيْتُ. فأوردَ كلامًا يدلّ على نفيهِ عن نفسِه نزولَ التِّلاعِ خوفًا فقط. فلما ذكرَ في النصفِ الثاني الرِّفْدَ، دلّ على أنّ المخافةَ في القِرَى، ولم يقابل اللفظَ بأن يقول: ولكن أحُلُّ باليَفاع بارزًا وأشجُعُ، فاكتفى بمعرفةِ السامِعِ وبما دلّ الكلامُ عليه. وهذه بلاغةٌ ناصِعةٌ.
٣ - وأما الفصاحةُ فإنّ الكلامَ عليها يحتاجُ الى شرحٍ طويلٍ يخرُجُ بنا عمّا نحنُ بصددِه والاقتصارُ عليه غير شاف ولا كاف. وقد استوفَيْنا أقسامَ ذلك في الرسالة العلويّة، وحَذَوْنا فيه حذْوَ عبد الله بن سِنان الخَفاجي في صدر كتابِه الموسوم بسرِّ الفصاحةِ. والفصاحةُ مشتقةٌ من الكَشْفِ وارتفاع اللَّبْسث. يُقالُ أفصحَ اللبنُ إفصاحًا إذا ذهبَ اللِّبَأ عنه، وخلَصَ اللبنُ منه. وأفصحَتِ الناقةُ فهي مُفْصِحٌ إذا انقطعَ لِبَؤُها وخلَصَ لبَنُها. وفصُحَ اللبنُ إذا كشَفْتَ رُغْوَته عنه. قال الشاعر:
وتحتَ الرُّغْوَةِ اللبنُ الفصيحُ
وأفصحَ الصُبْحُ إذا انكشفَ وبَدا. وكلُّ واضحٍ مُفْصِحٌ. وعلى ذلك فكلُّ ناطق فصيحٌ، وما لا يَنطِقُ فهو أعجَمُ. فهذه نُبْذةٌ يسيرةٌ في هذا الموضع كافية.
[ ٥ ]
٤ - وأما الحقيقةُ والمجازُ، فإن الحقيقة ما أُقِرَّ على أصل وضعِه في اللغة عند استعمالِه. والمجازُ ما كان بضدِّ ذلك. وقال علي بن عيسى الرُّماني: الحقيقةُ الدِّلالةُ على المعنى من غير جهةِ الاستعارةِ، والمجازُ تجاوزُ الأصلِ الى الاستعارة. وإنما يُعْدَلُ عن الحقيقة الى المجاز لمعانٍ ثلاثةٍ وهي: الاتساعُ، والتوكيدُ، والتشبيهُ، فإن عُدِمَتْ هذه الأوصافُ كانت الحقيقةُ أولى بالاستعمال. قال الله تعالى: " وأدْخَلناهُ في رَحْمَتِنا "، هذا مَجازٌ وفيه الأوصافُ الثلاثة. أما السَّعةُ فإنه زادَ في أسماءِ الجهات، والمحلُّ اسم وهو الرّحمة. وأما التشبيهُ فإنّهُ شبّهَ الرحمةَ، وإن لم يصِحَّ دخولُها، بما يجوزُ دخولُه، ولذلك وضَعَها موضِعَه. وأما التوكيدُ فإنه أخبَرَ عن العَرَض بما يخْبَرُ به عن الجوهر. وهذا تَعالٍ بالعَرَض وتفخيمٌ له، إذ صُيِّرَ في حيّز ما يُشاهَدَ ويُلمسُ ويُعايَنُ. ومن المجاز في أشعارِ العربِ كثيرٌ لا يُحصى. فمنه قولُ الأول:
غَمْرُ الرِّداءِ إذا تبسّم ضاحكًا غَلِقَتْ لضِحكتِه رِقابُ المالِ
وقال طَرَفة:
ووْجهٌ كأنّ الشمسَ ألقَتْ رِداءَها عليهِ، نقيُّ اللونِ لم يتخدَّدِ
جعل للشمسِ رداءً وهو جوهرٌ لأنه أبلغُ من النورِ الذي هو عَرَضٌ. وكلّ ما كان من هذه الاستعاراتِ فإنهُ داخلٌ تحت المجاز. وقال ﷻ: " فمَنْ يكْفُرْ بالطّاغوتِ ويؤمنْ باللهِ فقدِ استَمْسَك بالعُرْوَةِ الوُثْقى لا انفصام لها واللهُ سميعٌ عليم ". فبدأ في الآية بحقيقة الكلام، ثم جعلَ الجوابَ مجازًا واستعارةً لوقوعِه آكَدَ منَ الحقيقة. والمرادُ تشبيه المُتَمَسكِ بشرائط الإيمان بالمتمسكِ بالعُروةِ الوثيقة من عُرى الحبْلِ لأنه يستعصِمُ بها من المزالِّ المُزْلِقة، والمهابِط الموبِقة. ثم قال تعالى: " لا انفصامَ لها "، تبعيدًا لها من شِبْهِ العُرَى المعهودةِ التي ربما انفصمَتْ على طولِ الجَذْبِ أو بَلِيَتْ قواها على مرِّ الدّهر.
٥ - وأما الصَنعةُ والمَصنوع، فإن الصّنعةَ هي عبارةٌ عن الحوادِثِ في المصنوعات مثل الإصلاح والإفسادِ، والطول والقِصَر، والضخامةِ والنحافة، والخُضرةِ والحُمرةِ، والحركةِ والسكون، والأشياء التي يسمّيها المتكلمون الأعراضَ. وأما المصنوعات فهي الأشياء التي تتعاقبُ عليها هذه الأعراض. فالصّنعةُ والمصنوعات محْدَثَتان. فمن المصنوعات الحيوانُ الذي يصنعه اللهُ تعالي، وصُورٌ في الجَمادات نفعلُها نحن فالإشارات التي في الصور من حِذْقِ المصوِّرين في أفعالِهم فيها يُخيَّلُ إليكَ أن بعضها ناطقٌ وإن كان لا ينطِقُ، ومنها ما يخيَّل إليك أنّه متحرِّك وهو ساكن. فأنت تُسمي الجسمَ مصنوعًا على حقيقة اللّغة، وتُسميه صَنعةً على الاتساع والمجاز، ألا ترى أنك تقولُ هذا جسمٌ مصنوعٌ حسَنُ الصّنعةِ، أو قبيح الصنعَةِ وكاملُ الصنعةِ أو ناقصُ الصنعَةِ، وإن كان أصل اللفظتين فيهما واحدًا. وإنما قدّمتُ ذلك توطئةً لتعلمَ أن الصنعةَ في الشعر عبارةٌ عن النظم الذي خلّصه من النثر، وجمع أشْتاتَه بعدَ التبدُّدِ والصّدْع. وأن المصنوعَ هو الشعر الذي عنصرُهُ الكلامُ المنثور. والمصنوع لا يُسمّى مصنوعًا حتى يخرُجَ من العدم الى الوجود. فإذا كان موجودًا سُمّي مصنوعًا لمُشاهَدَتِه والعلم بهِ، ثم يعْتَورُهُ بعد ذلك النقد فيقالُ فيه كاملٌ وناقصٌ، وحسنٌ وقبيح، وسقيمٌ وصحيح، وجيدٌ ورديء.
ورأيت قومًا من المُصنّفين قد خلطوا الصنعةَ بالنقدِ والنقد بالصنعة ولم يفرقوا بين المصنوع والصنعة وهذا غلطٌ وشطَط. ألا ترى أنه لا يجوز أن تقولَ في شعرٍ لم تسمعْه ولم يتصلْ بك، جيدٌ ورديء، حتى تقفَ عليه وتكرر النظرَ إليه؟. فقد عرفتَ بهذه الإشارة اللطيفة، والعبارة الخفيفة، ما الفرقُ بين المصنوع والصَنعةِ وبين الصنعةِ والنقد، واللهُ الموفق.
٦ - وأما إقامةُ الوزن فهوَ عبارةٌ عن ذوْقٍ طبيعي حفِظَ فصولَه من الزيادةِ والنُقصان وعدّلها تعديلَ القِسْطِ بالميزان. ولو أن كلّ ناظمٍ للشعر يفتقرُ في إقامة وزنهِ، وتصحيحِ كسْرِه، وتعديلِ فصولِه الى معرفةِ العَروض، والقوافي، لما نظَمَ الشِعرَ إلا قليلٌ من الناس. على أن الشاعر إذا عرَفَهما لم يستغن عنهما.
[ ٦ ]
فأما العَروض، وهي مؤنّثة، فهي ميزانُ الشعرِ يُستخرجُ بها صحيحُه من مكسوره. والشعر كلّه مرَكّبٌ من سَبَبٍ، ووتدٍ وفاصلة والسبب سببان والوتد وتدان والفاصلة فاصلتان، وتقطيعُ الشعر على اللفظ دون الخطّ، وكلّ حرفٍ مشددٍ بحرفين: الأول ساكنٌ، والثاني متحرّك. والفرقُ بين الساكن والمتحركِ أنّ الساكنَ تتعاقبُ عليه الحركاتُ الثلاث، والمتحرك قد اختصّ بإحداهُنّ. والأمثلة التي يُقَطَّع بها الشعرُ ثمانية: اثنان خُماسيان وهما فَعولُن، فاعِلن، وستةٌ سباعية وهم: مفاعيلُن، مُسْتَفْعِلُنْ، فاعلاتُن، مُفاعَلَتُن، مُتَفاعِلن، مَفْعولاتُ، وما جاء بعد ذلك فهو زِحافٌ لهُ، أو فرْعٌ عليه. والزحافُ جائز كالأصل والكَسْر ممتنعٌ، والزحافُ لا يقعُ إلا في الأسباب، والخَرْمُ والقَطْعُ لا يقعان إلا في الأوتاد. والعروضُ اسمٌ لآخر جزء في النصف الأول من البيت، والضربُ اسمٌ لآخر جُزء في النصف الآخر من البيت. وكل بيتٍ مَصَرَّعٍ فعَروضُه على زِنَةِ ضربِه أو ما يجوز في ضربه. والتصريعُ مُشبّهٌ بمصراعي الباب، وإذا خلا البيت من التصريع سُمّي المُصْمَت. والشّعرُ كلُه أربعٌ وثلاثون عَروضًا، وثلاثة وستون ضربًا وخمسة عشر بحرًا، وشرْحُ ذلك قد فرَغَ منه العَروضيون في كتبهم، فاعرفْهُ.
٧ - وأما القوافي، فإن القافية مختلَف فيها: فعند أبي الحسن الأخفش ومن تابَعَه من المُقَفّين: أن القافيةَ آخرُ كلمة في البيت. وقال: إنما سُمّيت قافيةً لأنها تقفو البيت. وعند النَّضْر بن شُمَيْل ومؤرّج وأبي عمر الجَرْمي، أنها النصفُ الأخير من البيت. وقيلَ بل هي البيت بكمالِه، وقيل بل القصيدةُ بجُملتها. وعند الخليل بن أحمد: أنّ القافية من آخر البيت الى أول ساكنٍ يليه مع المتحرِّك الذي قبل الساكن، وعلى قوله الاعتمادُ، فإن القول ما قالت حَذام. والقافية تنقسمُ الى ثلاثة أشياء: أصول، وحروف، وحركات.
فالأصول: مُتكاوسٌ، مُتراكبٌ، مُتدارِكٌ، مُتواتِرٌ، مُترادِف.
والحروف: الدخيلُ، والتأسيسُ، والرِّدف، والخروج، والوصل، والرويّ.
والحركات: التوجيهُ، والإشباعُ، والرَّسُّ، والحَذْو، والنَّفاذُ، والمَجْرى.
ويعرُضُ في القافية عيوبٌ أربعة وهي: الإكفاءُ، والإقواء، والإيطاء، والسِّنادُ، والتضمين وهو أن البيت لا يتمّ إلا بالذي يليه وهو من عيوب الشعر المكروهة. وقد نُظِمَ هذا شِعرًا. قال الشاعر:
القوافي مُخَمّساتٌ ثلاثٌ حرَكاتٌ وأحرُفٌ وفَسادُ
فابتِداها رَسٌ وحَذْوٌ وإشبا عٌ ومجرىً، وفي النّفاذِ العَتادُ
والحروف: الرّويُّ والرِّدفُ والتأ سيسُ والوَصْلُ والخروجُ العِمادُ
والعيوب: الإيطاء والإقوا والإك فا وفيها التضمينُ ثمّ السِّنادُ
وقال الآخر:
حروفُ القوافي ستّةٌ مُستبينةٌ يُجمِّعُ أشتاتًا لهنّ نظامُ
رَويٌّ ووصْلٌ والخُروجُ ورِدفُها وتأسيسُها ثمّ الدخيلُ تمامُ
ويلزمها من بعدِ ذا حركاتُها كذلك سِتٌّ صاغَهنّ إمامُ
فمَجْرًى وتوجيهٌ وحَذْوٌ ورسُّها وإشباعُها ثمّ النّفاذُ دِعامُ
وجميع حروف المعجم تكون رويًّا إلا الواو والياءَ والألفَ، الزوائد السواكنَ اللواتي تَتْبَعْن ما قبلهنّ، فإنهنّ لا يكنّ رويًّا البتّةَ، وألِفُ التثنيةِ وواوُ الجمْعِ وياءُ ضمير المؤنث، لا يكنّ رويًّا، والألف المُبْدَلةُ من التنوين في نحو قولك رأيتُ زيدًا لا يكون رويًّا والنون الخفيفة نحو قولك اضْرِبَنْ، والهمزة المُبْدَلةُ من ألِف التأنيث في الوقْف نحو قولِك هذه حُبلاء، وهاءُ الوقفِ، وهء الإضمار، وهاءُ التأنيث، كلّ هذه لا تكون رويًّا. فإن سكَن ما قبلَ هذه الهاءات كنّ رويًّا، والهاء الأصلية يجوز أن تكون رويًا، سكن ما قبلها أو تحرّك، كقوْل رؤبة بن العجّاج:
قتلتْ أُبَيْلَى لي ولم أُشبّهِ ما العيْشُ إلا غَفْلَة المُدَلّهِ
لما رأتْني خلَقَ المُمَوَّهِ برّاقَ أصْلادِ الجَبين الأجْلَهِ
بعدَ غُدافيِّ الشّباب الأبْلَهِ
[ ٧ ]
وسُمّي حرف الرويّ رويًا لأنه من الرِّواء وهو الحبْل الذي يُشَدُّ على الأحْمال والماعِ ليضُمَّها. وروى في كلامهم للضمّ والجمع والاتصال، وكذلك حرف الرويّ، تنضمّ وتجتمع إليه جميعُ حروف البيت. فالقوافي على ذلك خواتيم على عنوان الشعر جامعةٌ لأطراف معانيه، قابضةٌ على أزمّةِ مَهاريه.
٨ - وأما الألقاب، فإنها تنقسِم الى أقسام ولكل قسم منها باب، فمنها: