الباب الأول
في الغزل
للوزير أحمد بن زيدون كتب بها إلى ولادة بنت المستكفي بالله في قرطبة بعد مفارقته لها ويأسه من لقائها يتشوقها ويستديم عهدها
أضحى التنائي بديلًا عن تدانينا وناب عن طيب لقيانا تجافينا
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا شوقًا إليكم ولا جفت مآقينا
يكاد حين تناجيكم ضمائرنا يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
حالت لبينكم أيامنا فغدت سودًا وكانت بكم بيضًا ليالينا
إذ جانب العيش طلق من تألفنا ومورد اللهو صاف من تصافينا
وإذ هصرنا غصون الأنس دانية قطوفها فجنينا منه ما شينا
ليسق عهدكم عهد السرور فما كنتم لأرواحنا إلا رياحينا
من مبلغ الملبسينا بانتزاحهم حزنًا مع الدهر لا يبلى ويبلينا
إن الزمان الذي ما زال يضحكنا أنسًا بقربهم قد عاد يبكينا
غيظ العدى من تساقينا الهوى فدعوا بأن نغص فقال الدهر آمينا
فانحل ما كان معقودًا بأنفسنا وانبت ما كان موصولًا بأيدينا
وقد نكون وما يخشى تفرقنا فاليوم نحن وما يرجى تلاقينا
[ ٣ ]
لم تعتقد بعدكم إلا الوفاء لكم رأيًا ولم نتقلد غيره دينا
لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرنا إن طال ما غير النأي المحبينا
والله ما طلبت أهواؤنا بدلًا منكم ولا انصرفت عنكم أمانينا
ولا استفدنا خليلًا عنك يشغلنا ولا اتخذنا بديلًا منك يسلينا
يا ساري البرق غاد القصر فاسق به من كان صرف الهوى والود يسقينا
ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنا من لو على البعد حيًا كان يحيينا
يا روضة طال ما أجنت لواحظنا وردًا جلاه الصبا غضًا ونسرينا
ويا حياة تملينا بزهرتها منى ضروبًا ولذات أفانينا
ويا نعيمًا رفلنا من غضارته في وشي نعمى سحبنا ذيله حينا
لسنا نسميك إجلالًا وتكرمة وقدرك المعتلي عن ذاك يغنينا
إذا انفردت وما شوركت في صفة فحسبنا الوصف إيضاحًا وتبيينا
يا جنة الخلد أبدلنا بسلسلها والكوثر العذب زقومًا وغسلينا
كأننا لم نبت والوصل ثالثنا والسعد قد غض من أجفان واشينا
سران في خاطر الظلماء يكتمنا حتى يكاد لسان الصبح يفشينا
لا غرو أنا ذكرنا الحزن حين نهت عنه النهى وتركنا الصبر ناسينا
إنا قرأنا الأسى يوم النوى سورًا مكتوبة وأخذنا الصبر تلقينا
أما هواك فلم نعدل بمنهله شربًا وإن كان يروينا فيظمينا
لم نجف جمال أنت كوكبه سالين عنه ولم نهجره قالينا
ولا اختيارًا تجنبناك عن كثب لكن عدتنا على كره عوادينا
[ ٤ ]
نأسى عليك إذا حثت مشعشعة فينا الشمول وغنانا مغنينا
لا أكؤس الراح وتبدي من شمائلنا سيما ارتياح ولا الأوتار تلهينا
دومي على العهد ما دمنا محافظة فالحر من دان إنصافًا كما دينا
فما ابتغينا خليلًا منك يحسبنا ولا استفدنا حبيبًا عنك يغنينا
ولو صبا نحونا من علو مطلعه بدر الدجى لم يكن حاشاك يصبينا
أولى وفاء وإن لم تبذلي صلة فالذكر يقنعنا والطيف يكفينا
وفي الجواب قناع لو شفعت به بيض الأيادي التي ما زلت تولينا
عليك مني سلام الله ما بقيت صبابة منك نخفيها فتخفينا
لأبي الحسن علي بن زريق البغدادي وكانت له ابنة عم قد كلف بها أشد الكلف ثم ارتحل عنها من بغداد لفاقة علته فقصد أبا الخيبر عبد الرحمن الأندلسي في الأندلس ومدحه بقصيدة بليغة فأعطاه عطاء قليلًا. فقال ابن زريق أنا لله وأنا إليه راجعون سلكت القفار والبحار إلى هذا الرجل فأعطاني هذا العطاء. ثم تذكر فراق ابنة عمه وما بينهما من بعد المسافة وتحمل المشقة مع ضيق ذات يده فاعتل غمًا ومات. قالوا وأراد عبد الرحمن بذلك أن يختبره فلما كان بعد أيام سأل عنه فتفقدوه في الخان الذي كان فيه فوجدوه ميتًا وعند رأسه رقعة مكتوب فيها هذه القصيدة
لا تعذليه فإن العذل يولعه قد قلت حقًا ولكن ليس يسمعه
جاوزت في نصحه حدًا أضر به من حيث قدرت أن النصح ينفعه
فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلًا من عنفه فهو مضني القلب موجعه
قد كان مضطلعًا بالخطب يحمله فضلعت بخطوب البين أضلعه
يكفيه من روعة التنفيذ أن له من النوى كل يوم ما يروعه
[ ٥ ]
ما آب من سفر إلا وأزعجه عزم إلى سفر بالرغم يزمعه
يأبى المطالب إلا أن تكلفه للرزق سعيًا ولكن ليس يجمعه
كأنما هو في حل ومرتحل مؤكل بفضاء الله يذرعه
إذا الزمان أراه في الرحيل غنى ولو إلى السند أضحى وهو يقطعه
وما مجاهدة الإنسان واصلة رزقًا ولا دعة الإنسان تقطعه
قد قسم الله بين الناس رزقهم لا يخلق الله من خلق يضيعه
لكنهم كلفوا حرصًا فلست ترى مسترزقًا وسوى الغايات يقنعه
والحرص في الرزق والأرزاق قد قسمت بغي ألا إن بغي المرء يصرعه
والدهر يعطي الفتى من حيث يمنعه عفوًا ويمنعه من حيث يطمعه
أستودع الله في بغداد لي قمرًا بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
ودعته وبودي لو يودعني صفو الحياة وأني لا أودعه
وكم تشفع بي أن لا أفارقه وللضرورات حال لا تشفعه
وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى وأدمعي مستهلات وأدمعه
لا أكذب الله ثوب العذر منخرق مني بفرقته لكن أرقعه
إني أوسع عذري في جنايته بالبين عنه وقلبي لا يوسعه
أعطيت ملكًا فلم أحسن سياسته وكل من لا يسوس الملك يخلعه
ومن غدا لابسًا ثوب النعيم بلا شكر عليه فعنه الله ينزعه
إعتضت من وجه خلي بعد فرقته كأسًا يجرع منها ما أجرعه
كم قائل لي دقت البين قلت له ألذنب والله ذنبي لست أدفعه
[ ٦ ]
هلا أقمت فكان الرشد أجمعه لو أنني حين بان الرشد أتبعه
لو أنني لم تقع عيني على بلد في سفرتي هذه إلا وأقطعه
يا من أقطع أيامي وأنفدها حزنًا عليه وليلي لست أهجعه
لا يطمئن بجنبي مضجع وكذا لا يطمئن به مذ بنت مضجعه
ما كنت أحسب أن الدهر يفجعني به ولا أن بي الأيام تفجعه
حتى جرى الدهر فيما بيننا عسراء تمنعني حقي وتمنعه
وكنت من ريب دهري جازعًا فرقًا فلم أوق الذي قد كنت أجزعه
بالله يا منزل القصر الذي درست آثاره وعفت مذ بنت أربعه
هل الزمان معيد فيك لذتنا أم الليالي التي أمضته ترجعه
في ذمة الله من أصبحت منزله وجاد غيث على مغناك يمرعه
من عنده لي عهد لا يضيع كما عندي له عهد صدق لا أضيعه
ومن يصدع قلبي ذكره وإذا جرى على قلبه ذكري يصدعه
لأصبرن لدهر لا يمتعني بد ولا بي في حال يمتعه
علمًا بأن اصطباري معقب فرجًا فأضيق الأمر إن فكرت أوسعه
عل الليالي التي أضنت بفرقتنا جسمي ستجمعني يومًا وتجمعه
وإن تغل أحدًا منا منيته لابد في غده الثاني سيتبعه
وإن يدم أبدًا هذا الفراق لنا فما الذي بقضاء الله نصنعه