في الخمر
للفارض
شربنا على ذكر الحبيب مدامة سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم
لها البدر كأس وهي شمس يديرها هلال وكم يبدو إذا مزجت نجم
فلولا شذاها ما اهتديت لحانها ولولا سناها ما تصورها الوهم
ولم يبق منها الدهر غير حشاشة كأن خفاها في صدور النهى كتم
فإن ذكرت في الحي أصبح أهله نشاوى ولا عار عليهم ولا إثم
ومن بين أحشاء الدنان تصاعدت ولم منها في الحقيقة إلا اسم
وإن خطرت يومًا على خاطر امرئ أقامت به الأفراح وارتحل الهم
ولو نظر الندمان ختم إنائها لأسكرهم من دونها ذلك الختم
ولو نضحوا منها ثرى قبر ميت لعادت إليه الروح وانتعش الجسم
ولو طرحوا في فيء حائط كرمها عليلًا وقد أشفى لفارقه السقم
ولو قربوا من حانها مقعدًا مشى وتنطق من ذكرى مذاقتها البكم
ولو عبقت في الشرق أنفاس طيبها وفي الغرب مركزم لعادله الشم
ولو خضبت من كأسها كف لامس لما ضل في ليل وفي يده النجم
[ ٩١ ]
يهذب أخلاق الندامى فيهتدي بها لطريق العزم من لا له عزم
يقولون لي صفها فأنت بوصفها خبير أجل عندي بأوصافها علم
صفاء ولا ماء ولطف ولا هوًا ونور ولا نار وروح ولا جسم
محاسن تهدي المادحين لوصفها فيحسن فيها منهم النثر والنظم
على نفسه فليبك من ضاع عمره وليس له فيها نصيب ولا سهم
لعبد الصمد بن بابك
يا صاحبي امزجا كأس المدام لنا كيما يضيء لنا من نورها الغسق
خمر إذا ما نديمي بات يشربها أخشى عليه من اللألاء يحترق
لو رام يحلف أن الشمس ما غربت في فيه كذبه في وجهه الشفق
وله
عقار عليها من دم الصب نقطة ومن عبرات المستهام فواقع
معودة غصب النفوس كأنما لها عند الباب الرجال ودائع
تحير دمع المزن في كأسها كما تحير في ورد الخدود المدامع
لديك الجن
فقام تكاد الكأس تحرق كفه فتحسبه من وجنتيه استعارها
مشعشعة من كف ظبي كأنما تناولها من خده فأدارها
لابن القليوبي
وصافية بات الغلام يديرها على الشرب في جنح من الليل أدعج
كأن حباب الماء في وجناتها فرائد در في عقيق مضرج
للزاهي البغدادي
[ ٩٢ ]
ومدامة لضيائها في كأسها نور على فلك الأنامل بازغ
رقت فغابت في الزجاج للطفها فكأنما الإبريق منها فارغ
لعلي بن عطية
وخضبت كف ساقيها مشعشعة كأنها بالذي في ضمنها نضحت
كفاه قد أشربت من ماء وجنتيه ووجنتاه بما في كفه رشحت
لأبي نواس
وندمان سقيت الراح صرفًا وستر الليل منسدل السجوف
صفت وصفت زجاجتها عليها كمعنى دق في ذهن لطيف
وله
معتقة صاغ المزاج لرأسها أكاليل در ما لناظمها سلك
جرت حركات الدهر فوق سكونها فذابت كذوب التبر أخلصه السبك
وقد خفيت من لطفها فكأنها بقايا يقين كاد يذهبه الشك
وله
مدام تبدت من مقام مشرف تلوح لنا أنوارها ثم تختفي
ولما شربناها ودب دبيبها إلى موضع الأسرار قلت لها قفي
مخافة أن يسطو علي شعاعها فيطلع جلاسي على سري الخفي
لابن ناجية الدمشقي
وحمراء قبل المزج صفراء بعده أتت بين ثوبي نرجس وشقائق
حكت وجنة المعشوق صرفًا فسلطوا عليها مزاجًا فاكتست لون عاشق
لصفي الدين الحلي
[ ٩٣ ]
بدت لنا الراح في تاج من الحبب فمزقت حلة الظلماء باللهب
بكر إذا زوجت بالماء أولدها أطفال در على مهد من الذهب
بقية من بقايا قوم نوح إذا لاحت جلت ظلمة الأحزان والكرب
بعيدة العهد بالمعصار لو نطقت لحدثتنا بما في سالف الحقب
بذلت عقلي صداقًا حين بت بها أزوج ابن سحاب بابنة العنب