حكم المنية في البرية جار ما هذه الدنيا بدار قرار
بينا يرى الإنسان فيها مخبرا حتى يرى خبرًا من الأخبار
بنيت على كدر وأنت تريدها صفوًا من الأكدار والأقذار
ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار
وإذا رجوت المستحيل فإنما تبني الرجاء على شفير هار
فالعيش نوم والمنية يقظة والمرء بينهما خيال سار
فاقضوا مآربكم عجالًا إنما أعماركم سفر من الأسفار
وتراكضوا خيل الشباب وحاذروا أن تسترد فإنهن عوار
فالدهر يخدع بالمنى ويغص إن هنا ويهدم ما بنى ببوار
ليس الزمان وإن حرصت مسالمًا خلق الزمان عداوة الأحرار
إني وترت بصارم ذي رونق أعددته لطلابة الأوتار
والنفس إن رضيت بذلك أو أبت منقادة بازمة المقدار
يا كوكبًا ما كان أقصر عمره وكذا تكون كواكب الأسحار
وهلال أيام مضى لم يستدر بدرًا ولم يمهل لوقت سرار
[ ١٠٣ ]
عجل الخسوف إليه قبل أوانه فغطاه قبل مظنة الإبدار
وكأن قلبي قبره وكأنه في طيه سر من الأسرار
ولد المعزى بعضه فإذا انقضى بعض الفتى فالكل في الآنار
أبكيه ثم أقول معتذرًا له وفقت حين تركت ألأم دار
جاورت أعدائي وجاور ربه شتان بين جواره وجواري
لثابت بن هرون الرقي النصراني من قصيدة يرثي أبا الطيب المتنبي
ألدهر أخبث والليالي أنكد من أن تعيش لأهلها يا أحمد
قصدتك لما أن رأتك نفيسها بخلًا بمثلك والنفائس تقصد
ذقت الكريهة بغتة وفقدتها وكريه فقدك في الورى لا يفقد
قل لي إن استطعت الخطاب فإنني صب الفؤاد إلى خطابك مكمد
أتركت بعدك شاعرًا والله لا لم يبق بعدك في الورى من ينشد
أما العلوم فإنها يا ربها تبكي عليك بأدمع لا تجمد
لأبي عثمان ابن جني فيه أيضًا من قصيدة
سلبت ثوب بهاء كنت تلبسه كما تخطفت بالخطية والسلب
ما زلت تصحب في الجلى إذا نزلت قلبًا جميعًا وعزمًا غير منشعب
وقد حلبت لعمري الدهر أشطره تمطو بهمة لا وان ولا نصب
من للهواجل يحيي ميت أرسمها بكل جائلة التصدير والحقب
أم من لبيض الظبي يومًا وهن دم أم من لسمر القنا والزغف واليلب
[ ١٠٤ ]
أم للمعارك تدمي جمر جاحمها حتى تعريها عن ساطع اللهب
أم للمحافل إذ تبدو لتعمرها بالنظم والنثر والأمثال والخطب
أم للمناهل والظلماء عاكفة مواصل الكرتين الورد والقرب
أم للملوك تحليها وتلبسها حتى تمايس في أبرادها القشب
باتت وسادي أطراب تؤرقني لما غدوت لقى في قبضة النوب
عمرت خدن المساعي غير مضطرب ومت كالنصل لم يدنس ولم يعب
فاذهب عليك سلام الله ما قلقت خوص الركائب بالأكوار والشعب
لابن النبيه في ولد الناصر أحمد أمير المؤمنين
ألناس للموت كخيل الطراد فالسابق السابق منها الجواد
والله لا يدعو إلى داره إلا من استصلح من ذي العباد
والموت نقاد على كفه جواهر يختار منها الجياد
والمرء كالظل ولابد أن يزول ذاك الظل بعد امتداد
لا تصلح الأرواح إلا إذا سرى إلى الأجساد هذا الفساد
أرغمت يا موت أنوف القنا ودست أعناق السيوف الحداد
كيف تخرمت عليًا وما أنجده كل طويل النجاد
نجل أمير المؤمنين الذي من خوفه يرعد قلب الجماد
مصيبة أذكت قلوب الورى كأنما في كل قلب زناد
نازلة جلت فمن أجلها سن بنو العباس لبس السواد
مأتمة في الأرض لكنها عرس على السبع الطباق الشداد
[ ١٠٥ ]
فالخود في المسح لها رنة والحور تجلى في مروط الحداد
طرقت يا موت كريمًا فلم يقنع بغير النفس للضيف زاد
قصفته من سدرة المنتهى غصنًا فشلت يد أهل الفساد
يا ثالث السبطين خلفتني أهيم من همي في كل واد
يا نائمًا في غمرات الردى كحلت أجفاني بوبيل السهاد
يا ضجيع الترب أقلقتني كأنما فرشي شوك القتاد
دفنت في التراب ولو أنصفوا ما كنت إلا في صميم الفؤاد
لو لم تكن أسخنت عيني سقت مثواك عيناي كصوب العهاد