أعلمت من حملوا على الأعواد أرأيت كيف خبا ضياء النادي
جبل هوى لو خر بالبحر اغتدى من وقعه متتابع الإزباد
ما كنت أعلم قبل وضعك في الثرى أن الثرى يعلو على الأطواد
بعدًا ليومك في الزمان فإنه أقذى العيون وفت في الأعضاد
لا ينفد الدمع الذي يبكي به إن القلوب له من الإمداد
[ ١٠٦ ]
سودت ما بين الفضاء وناظري وغسلت من عيني كل سواد
ما كنت أحسب أن تضن بلفظة لتقوم بعدك لي مقام الزاد
يا ليت أني ما قنيتك صاحبًا كم قنية جلبت أسى لفؤاد
برد القلوب بمن تحب لقاءه مما يجر حرارة الأكباد
للزمخشري في رثاء شيخه أبي مضر
وقائلة ما هذه الدرر التي تساقط من عينيك سمطين سمطين
فقلت لها الدر الذي كان قد حشا أبو مضر اذني تساقط من عيني
[ ١٠٧ ]
للشيخ ناصيف اليازجي في الأمير حيدر أبي اللمع الذي كان واليًا في جبل لبنان
ألمرء في الدنيا خيال قد سرى والعيش مثل الحلم في سنة الكرى
والناس ركب قد أناخ بمنزل فبنى على الطرق المدائن والقرى
لا مرحبًا إن جاءت الدنيا ولا أسفًا إذا ولت وما الدنيا ترى
هي كالسراب يزيد مهجة وارد ظمأ ويملأ مقلتيه منظرا
غرارة يسبي الحكيم خداعها مكرًا ويطغي الفيلسوف الأكبرا
لاحت لنا نار الحباحب في الدجى منها فخلنا أنها نار القرى
عشنا كأنا لم نعش ونموت عن كثب كأنا لم نكن بين الورى
ذهب الزمان ومن طواه مقدمًا وكذاك يذهب من يليه مؤخرا
نبكي ونضحك للمنية والمنى وكلاهما عبث يدور مكررا
بتنا ننادي حيدرًا ويحي وما يجدي إذا بتنا ننادي حيدرا
هذا الأمير قضى فسالت أكبد ومدامع وجرى القضاء بما جرى
لم تحمه البيض الصوارم والقنا والشوس والجرد السلاهب والذرى
هذا الذي ضبط البلاد بكفه قد بات مغلول اليدين معفرا
يا طالما أغنى الفقير بجوده واليوم صار أضر منه وأفقرا
أمسى وحيدًا في جوانب حفرة من كان يجمع في حماه عسكرا
منا السلام بكل تكرمة على من لم يمد إلى وداع خنصرا
قامت تشيعه الرجال مشخصًا ومضت تشيعه القلوب مصورا
أولى العباد برحمة من لم يكن عرف المظالم في العباد ولا درى
[ ١٠٨ ]
وأحق بالإحسان من لم يهمل ال معروف قط ولم يباشر منكرا
بكت الأرامل واليتامى حسرة لما رأت قلب السماح تحسرا
وتنهد المجد الذي رباه من صغر فكان له أبًا ومدبرا
سلب الزمان من الأفاضل درة لو كلفوه بمثلها لتعذرا
ولربما نفد الزمان وذكره نملي به جملًا ونكتب أسطرا
قد كان عفوًا في الوفاء ولم يزل في الحلم معنًا والسماحة جعفرا
وإذا تفقدت المحامد كلها ألفيت كل الصيد في جوف الفرا
كل يبالغ في المديح بشعره ويظل مادحه الأمين مقصرا
ومتى طلبنا ريبة في نفسه كانت لنا عنقاء مغرب أيسرا
ذاك الذي لم يتخذ لكنوزه عرضًا من الدنيا فصادف جوهرا
حق على الخطباء ذكر صفاته مثلًا شرودًا حين تعلو المنبرا
بحر حواه النعش فوق مناكب تسعى ولم نعهد كذاك الأبحرا
وفريدة في الرمس قد دفنت وكم من معدن تحت التراب تسترا
ويلاه من هذي الحياة فإنها كالظل تحت الشمس يمشي القهقرى
إن الحياة هي الشباب وإن تزد نقصت كلفظ بالزيادة صغرا
نرجو من الدنيا الدوام ونفسها كحطامها مما يباع ويشترى
دول وأجيال تمر وتنقضي فيها وتبقى الكائنات كما ترى
فسقت غوادي الفضل تربة فاضل ممن يؤرخ كأن غوثًا للورى
كنا نؤرخ فضل منحة كفه صرنا نؤرخ رمسه تحت الثرى
[ ١٠٩ ]