٦٨ - وقال لسان الدين في ترجمة أبي عبد الله ابن باق (١) من " التاج " ما صورته: مدير أكؤس البيان المعتق، ولعوب بأطراف الكلام المشقق، انتحل لأول أمره الهزل من أصنافه، فأبرز در معانيه من أصدافه، وجنى ثمرة الإبداع لحين قطافه، ثم تجاوزه إلى المغرب وتخطاه، فأدار كأسه المترع وعاطاه، فأصبح لفنيه جامعًا، وفي فلكيه شهابًا لا معًا، وله ذكاء يطير شرره، وإدراك تتبلج غرره، وذهن يكشف الغوامض، ويسبق البارق الوامض، وعلى ذلاقة لسانه، وانفساح أمد إحسانه، فشديد الصبابة بشعره، مغل لسعره؛ انتهى.
والمذكور هومحمد بن إبراهيم بن علي باق الأموي، مرسي الأصل، غرناطي النشأة، مالقي الاستيطان.
وقال في عائد الصلة: كان رحمه الله تعالى كاتبًا أدبيًا ذكيًا لوذعيًا يجيد
_________________
(١) ترجمته في الدرر ٣: ٣٧٦ (ط. القاهرة) .
[ ٦ / ٢٦٣ ]
الخط ويرسل النادرة، ويقدم على العمل، ويشارك في الفريضة، وبذ السباق في الأدب الهزلي المستعمل بالأندلس، غبر زمانه من عمره محارفًا للفاقة يعالج بالأدب الكذبة، ثم استقام له الميسم، وأمكنه البخت من امتطاء غاربه، فأنشبت الحظوة وفيه أناملها بين كاتب وشاهد وحاسب ومدير تجر، فأثرى ونما ماله، وعظمت حاله، عهد عندما شارف الرحيل تناهز الألف من العين، لتصرف في وجوه من البر، فتوهم أنها كانت زكاة أمسك بها؛ انتهى.
وقال أيضًا: اخبرني الكاتب أبوعبد الله ابن سلمة أنه خاطبه بشعر أجابه عنه بقوله في رويه:
أحرز الخصل من بني سلمه كاتب تخدم الظبى قلمه
يحمل الطرس من أنامله أثر الحسن كلما رقمه
وتمد البيان فكرته مرسلًا حيث يممت ديمه
خصني متحفًا بخمس إذا بسم الروض فقن مبتسمه
قلت أهدى زهر الربى خضلًا فإذا كل زهرة كلمه
أقسم الحسن لا يفارقها فأبر انتقاؤها قسمه
خط أسطارها ونمقها فأتت كالعقود منتظمه
كاسيًا من حلاه لي حللًا رسمها من بديع ما رسمه
طالبًا عند عاطش نهلًا ولديه الغيوث منسجمه
يبتغي الشعر من أخي بله أخرس العي والقصور فمه
أيها الفاضل الذي حفظت ألسن المدح والثنا شيمه
لا تكلف أخاك مقترحًا نشر عار لديه قد كتمه
وابق في عزة وفي دعة ضافي العيش واردًا شبمه
ما ثنى الغصن عطفه طربًا وشدا الطير فوقه نغمه ورأيت على هامش هذه القصيدة بخط أبي الحسن علي بن لسان الدين ما صورته:
[ ٦ / ٢٦٤ ]
نعم ما خاطب به شيخنا وبركة أهل الأندلس وصدر صدورهم أبا عبد اله ابن سلمة، ومن لفظه سمعتها بالقاهرة، وإنها لمن النظم العالي المتسق نسق الدر في العقود، رحمه الله تعالى، قاله ابن المؤلف؛ انتهى.
وقرأ ابن باق المذكور على الأستاذ أبي جعفر ابن الزبير والخطيب أبي عثمان ابن عيسى، وتوفي بمالقة في اليوم الثامن والعشرين لمحرم فاتح عام اثنين وخمسين وسبعمائة، وأوصى بعد أن يحفر قبره بين شيخيه الخطيبين أبي عبد الله الطنجالي وأبي عثمان ابن عيسى أن يدفن به، وأن يكتب على قبره هذه الأبيات:
ترحم على قبر ابن باق وحيه فمن حق ميت الحي تسليم حيه
وقل آمن الرحمن روعة خائف لتفريطه في الواجبات وغيه
قد اختار هذا القبر في الأرض راجيًا من الله تخفيفًا بقدر وليه
فقد يشفع الار الكريم لجاره ويشمل بالمعروف أهل نديه
وإني بفضل الله أوثق واثق وحسبي وإن أذنبت حب نبيه انتهى.
٦٩ - وقال لسان الدين في ترجمة أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن سالم ابن فضيلة المعافري المري (١) بالنتومن الإكليل ما نصه: شيخ أخلاقه لينة، ونفسه كما قيل هينة، ينظم الشعر سهلًا مساقه، محكمًا اتساقه، على فاقة، ما لها من إفاقة، أنشد المقام السلطاني بظاهر بلده قوله:
سرت ريح نجد من ربى أرض بابل فهاجت إلى مسرى سراها بلابلي
وذكرني عرف النسيم الذي سرى معاهد أحباب سراة أفاضل
فأصبحت مشغوفًا بذكر منازل ألفت، فواشوقي لتلك المنازل
فيا ريح هبي بالبطاح وبالربى ومري على أغصان زهر الخمائل
وسيري بجسمي للتي الروح عندها فروحي لديها من أجل الوسائل
_________________
(١) ترجمته في الدرر ٣: ٣٦٧ (ط. القاهرة) .
[ ٦ / ٢٦٥ ]
وقولي لها عني معناك بالنوى له شوق معمود وعبرة ثاكل
فيا بأبي هيفاء كالغصن تنثني تقد بقد كاد ينقد مائل وهي طويلة.
ومن شعر المذكور قوله من قصيدة:
بهرت كشمس في غلالة عسجد وكبدر تم في قضيب زبرجد
ثم انثنت كالغصن هزته الصبا طربًا فتزري بالغصون الميد
حوراء بارعة الجمال غريرة تزهى فتزري بالقضيب الأملد
إن أدبرت لم تبق عقل مدبر أو أقبلت قتلت ولكن لا تدي قال القاضي أبوالبركات ابن الحاج: وابتلي المذكور باختصار كتب الناس، فمن ذلك مختصره المسمى الدرر الموسومة في اشتقاق الحروف المرسومة وكتاب حكايات يسمى دوحة الجنان وراحة الجنان وغير ذلك.
قال أبوالبركات: وسألته عن مولده، فقال: لي اليوم ستون سنة، وقال ذلك ليلة الخميس السابع والعشرين لذي قعدة عام أربعين وسبعمائة، وتوفي آخر رمضان من عام تسعة وأربعين، رحمه الله تعالى؛ انتهى.