واستوائها، واشتمالها على كثيرٍ من المحاسن واحتوائها، وكرم بقعتها التي
سقتها سماء البركات بنافع أنوائها، وذكر بعض مآثرها المجلوّة الصور،
وتعداد كثيرٍ مما لها من البلدان والكور، المستمدة من أضوائها
فأقول:
محاسن الأندلس لا تستوفى بعبارة، ومجاري فضلها لا يشق غباره، وأنّى تجارى وهي الحائزة قصب السّبق، في أقطار الغرب والشرق.
[مقدمات عامة في مزايا الأندلس]
قال ابن سعيدٍ: إنّما سميت بأندلس بن طوبالٍ (١) بن يافثٍ بن نوحٍ، لأنّه نزلها، كما أن أخاه سبت بن يافثٍ نزل العدوة المقابلة لها، وإليه تنسب سبتة. قال: وأهل الأندلس يحافظون على قوام اللسان العربي، لأنّهم إمّا عربٌ أو متعربون، انتهى.
وقال ابن غالبٍ (٢): إنّه أندلس بن يافثٍ، والله تعالى أعلم.
وقال الوزير لسان الدين بن الخطيب - رحمه الله تعالى - في بعض كلامٍ له
_________________
(١) ط: بالأندلس؛ ج: بن طوفان.
(٢) هو محمد بن أيوب بن غالب صاحب كتاب " فرحة الأنفس " الذي ينقل عنه المقري في مواضع وقد بقيت من الكتاب قطعة نشرها الدكتور لطفي عبد البديع في مجلة معهد المخطوطات ١: ٢٧٢ - ٣١٠؛ وعبارته المنقولة تقع على الصفحة ٢٨١.
[ ١ / ١٢٥ ]
أجرى فيه ذكر البلاد الأندلسية، أعادها الله تعالى للإسلام ببركة المصطفى عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى السلام، ما نصّه: خصّ الله تعالى بلاد الأندلس من الرّيع وغدق السّقيا، ولذاذة الأقوات، وفراهة الحيوان، ودرور الفواكه، وكثرة المياه، وتبحر العمران، وجودة اللباس، وشرف الآنية، وكثرة السلاح، وصحّة الهواء، وابيضاض ألوان الإنسان، ونبل الأذهان، وقبول (١) الصنائع، وشهامة الطباع، ونفوذ الإدراك، وإحكام التمدّن والاعتمار، بما حرمه الكثير من الأقطار ممّا سواها، انتهى.
قال أبو عامرٍ السالمي (٢)، في كتابه المسمى " بدرر القلائد وغرر الفوائد ": الأندلس من الإقليم الشامي، وهو خير الأقاليم، وأعدلها هواءً وترابًا، وأعذبها ماءً وأطيبها هواءً وحيوانًا ونباتًا، وهو أوسط الأقاليم، وخير الأمور أوسطها، انتهى.
قال أبو عبيدٍ البكري (٣): الأندلس شاميةٌ في طيبها وهوائها، يمانيةٌ في اعتدالها واستوائها، هنديةٌ في عطرها وذكائها، أهوازيةٌ في عظم جبايتها، صينيةٌ في جواهر معادنها، عدنيةٌ في منافع سواحلها، فيها آثارٌ عظيمةٌ لليونانيين أهل الحكمة وحاملي الفلسفة، وكان من ملوكهم الذين أثّروا الآثار بالأندلس هرقلس، وله الأثر في الصنم بجزيرة قادس وصنم جلّيقية، والأثر في مدينة طرّكونة الذي لا نظير له.
_________________
(١) ك: وفنون.
(٢) أبو عامر السالمي (ق ك ط ج: السلمي) محمد بن أحمد بن عامر: كان أديبًا تاريخيًا حافظًا، صنف في الحديث والآداب والتواريخ مصنفات كثيرة مفيدة وكتابه " درر القلائد وغرر الفوائد " في أخبار الأندلس وأمرائها وطبقات علمائها وشعرائها، وقف منه ابن عبد الملك على السفرين الأول والثاني. (انظر ترجمته في التكملة: ٤٩٥ والذيل والتكملة، الورقة من مخطوطة المتحف البريطاني) .
(٣) انظر هذا النص في الروض المعطار: ٣، والمنتقى من فرحة الأنفس: ٢٨١ مع بعض اختلاف.
[ ١ / ١٢٦ ]
[مساحتها وأبعادها]
قال المسعودي (١): بلاد الأندلس تكون مسرة عمائرها ومدنها نحو شهرين، ولهم من المدن الموصوفة نحوٍ من أربعين مدينةٍ، انتهى باختصار.
ونحوه لابن اليسع (٢) إذ قال: طولها من أربونة إلى أشبونة (٣) وهو قطع ستين يومًا للفارس المجدّ، وانتقد بأمرين: أحدهما أنّه يقتضي أن أربونة داخلةٌ في جزيرة الأندلس، والصحيح أنها خارجةٌ عنها، والثاني أن قوله: " ستين يومًا للفارس المجدّ " إعياءٌ وإفراطٌ، وقد قال جماعة: إنّها شهرٌ ونصف.
قال ابن سعيدٍ: وهذا يقرب إذا لم يكن للفارس المجدّ، والصحيح ما نص عليه الشريف (٤) من أنها مسيرة شهرٍ، وكذا قال الحجاري (٥)، وقد سألت المسافرين المحققين عن ذلك فعملوا حسابًا بالمراحل الجيدة أفضى إلى نحو شهرٍ بنيفٍ قليلٍ.
قال الحجاري في موضع من كتابه: إن طول الأندلس من الحاجز إلى أشبونة ألف ميلٍ ونيفٍ؛ انتهى.
وبالجملة فالمراد التقريب من غير مشاححة، كما قاله ابن سعيدٍ، وأطال في ذلك، ثم قال بعد كلامٍ: ومسافة الحاجز الذي بين بحر الزّقاق والبحر المحيط أربعون ميلًا، وهذا عرض الأندلس عند رأسها من جهة الشرق، ولقلّته سميت
_________________
(١) راجع مروج الذهب ١: ١٦٢.
(٢) ابن اليسع: اليسع بن عيسى بن اليسع أبو يحيى صاحب كتاب المعرب في آداب المغرب كتبه بمصر للسلطان صلاح الدين الأيوبي (راجع المغرب ٢: ٨٨ والحاشية) .
(٣) أربونة (Narbonne) آخر ما استولى عليه العرب من جهة الساحل الأندلسي الشرقي، وأشبونة هي التي تسمى اليوم لشبونة (Lisbon) أو ليسبوا عاصمة البرتغال.
(٤) يعني الشريف الإدريسي مؤلف كتاب " نزهة المشتاق " لرجار، ملك صقلية.
(٥) صاحب كتاب " المسهب في فضائل المغرب " ألفه لبني سعيد، وهو أبو محمد عبد الله بن إبراهيم وعلى أساس كتابه ألف المغرب. (انظر ترجمته في المغرب ٢: ٣٥) .
[ ١ / ١٢٧ ]
جزيرة وإلاّ فليست بجزيرة على الحقيقة لاتصال هذا القدر بالأرض الكبيرة، وعرض جزيرة الأندلس في موسطتها (١) عند طليطلة ستة عشر يومًا. واتفقوا على أن جزيرة الأندلس مثلثة الشكل، واختلفوا في الركن الذي في الشرق والجنوب في حيز أربونة، فممن قال إنّه في أربونة وإن هذه المدينة تقابلها مدينة برذيل (٢) التي في الركن الشرقي الشمالي أحمد بن محمدٍ الرازي وابن حيّان، وفي كلام غيرهما أنّه في جهة أربونة، وحقق الأمر الشريف، وهو أعرف تلك الجهة لتردده في الأسفار برًّا وبحرًا إليها وتفرّغه لهذا الفن.
قال ابن سعيد: وسألت جماعةً من علماء هذا الشأن فأخبروني أن الصحيح ما ذهب إليه الشريف، وأن أربونة وبرشلونة (٣) غير داخلتين في أرض الأندلس، وأن الركن الموفي على بحر الزقاق بالمشرق بين برشلونة وطرّكونة في موضعٍ يعرف بوادي رنلقاطو (٤)، وهنالك الحاجز الذي يفصل بن الأندلس (٥) والأرض الكبيرة ذات الألسن (٦) الكثيرة، وفي هذا المكان جبل البرت الفاصل في الحاجز المذكور وفيه الأبواب التي فتحها ملك اليونانيين بالحديد والنار والخل، ولم يكن للأندلس من الأرض الكبيرة قبل ذلك طريقٌ في البر. وذكر الشريف أن هذه الأبواب يقع في مقابلتها في بحر الزقاق البحر الذي بين جزيرتي ميورقة ومنورقة (٧)، وقد أخبر بذلك جمهور المسافرين لتلك الناحية، ومسافة هذا
_________________
(١) ك: موسطها؛ ج: متوسطها.
(٢) برذيل: مدينة في بلاد جليقية وتقع على نهر جرونة، (الروض المعطار: ٤١) .
(٣) برشلونة (Barcelona): مدينة بينها وبين طركونة خمسون ميلًا وهي إلى الشمال منها.
(٤) ق ط: زنقلطو، ك: زملقطو؛ ويرى محقق الجزء الأول من الطبعة الأوروبية أن الصواب ربلقاطو (Rubricatus) .
(٥) ج: أرض الأندلس.
(٦) ج: الأنساب.
(٧) ميورقة (Majorca) ومنورقة (وربما كتبت دون واو " منرقة ") (Minorca) أكبر جزيرتين في مجموعة جزائر البليار في البحر المتوسط، وكانتا في عصر ملوك الطوائف تحت حكم مجاهد العامري.
[ ١ / ١٢٨ ]
الجبل الحاجز بين الركن الجنوبي والركن الشمالي أربعون ميلًا.
قال: وشمال الركن المذكور عند مدينة برذيل، وهي من مدن الإفرنجة مطلة على البحر المحيط في شماليّ الأندلس، قال: ويتقهقر البر بعد تميز هذا الركن إلى الشمال في بلاد الفرنجة، ولهم به جزائرٌ كثيرةٌ. وذكر أن (١) الركن الشمالي (٢) عند شنت ياقوه (٣) من ساحل الجلالقة في شمال الأندلس الغربي (٤)، حيث تبتدئ جزيرةٌ برطانيةٌ الكبيرة فيتصوّر هنالك بحرٌ داخلٌ بين أرضين، من الناس من يجعله بحرًا منفردًا خارجًا من البحر المحيط لطوله إلى الركن المتقدم الذكر عند مدينة برذيل.
وذكر الشريف أن عند شنت ياقوه (٥) في هذا الركن المذكور على جبلٍ بمجمع البحرين صنمًا مطلًاّ مشبهًا بصنم قادس.
والركن الثالث بمقربةٍ من جبل الأغر (٦) حيث صنم قادس، والجبل المذكور يدخل من غربه مع جنوبه بحر الزقاق من البحر المحيط مارًّا مع ساحل الأندلس الجنوبي إلى جبل البرت المذكور، انتهى؛ والكلام في مثل هذا طويل الذيل.
قال الشيخ أحمد بن محمد بن موسى الرازي (٧): بلد الأندلس هو آخر الإقليم الرابع إلى المغرب، وهو عند الحكماء بلدٌ كريم البقعة، طيب التربة، خصب
_________________
(١) ك: ودوكرا من.
(٢) ج: الباقي.
(٣) شنت ياقوه، ويقال فيها شنت ياقوت (Santiago de Compostela) في أقصى الشمال الغربي من شبه جزيرة ايبرية بمنطقة جليقية، وفيها كنيسة مقدسة يحجون إليها.
(٤) الغربي: زيادة من ق ط.
(٥) ق: بابت ياقوة؛ ج ط: بليانت يقوه (ياقوه) .
(٦) ق ك ط ج: الأغن؛ وهذا هو ما لا يزال يسمى " الطرف الأغر " (Trafalgar)، وقد ذكره ابن حوقل باسم الجبل الأغر.
(٧) أحمد بن محمد بن موسى الرازي: من كبار المؤرخين والجغرافيين الأندلسيين في الفترة الأموية وهو جد عيسى الرازي الذي يعتمده ابن حيان في المقتبس؛ (انظر الجذوة: ٩٧ ومجلة المعهد: ٢٥٢ - ٢٥٥ من المجلد ٧ - ٨) .
[ ١ / ١٢٩ ]
الجناب، منبجس بالأنهار (١) الغزار والعيون العذاب، قليل الهوامّ ذوات السّموم، معتدل الهواء والجوّ والنسيم، ربيعه وخريفه ومشتاه ومصيفه على قدرٍ من الاعتدال، وسطةٌ من الحال، لا يتولد في أحدها فضلٌ (٢) يتولّد منه فيما يتلوه انتقاصٌ، تتصل فواكهه أكثر الأزمنة وتدوم متلاحقةً غير مفقودةٍ، أمّا الساحل منه ونواحيه فيبادر بباكوره، وأما الثغر وجهاته والجبال المخصوصة ببرد الهواء فيتأخر بالكثير من ثمره، فمادة الخيرات بالبلد متماديةٌ في كل الأحيان، وفواكهه على الجملة غير معدومةٍ في كل أوانٍ؛ وله خواصٌّ في كرم النبات يوافق في بعضها أرض الهند المخصوصة بجواهر الإنبات (٣): منها أن المحلب؟ وهو المقدّم في الأفاويه والمفضّل في أنواع الأشنان؟ لا ينبت بشيءٍ من الأرض إلا بالهند والأندلس؛ والأندلس المدن الحصينة، والمعاقل المنيعة، والقلاع الحريزة، والمصانع الجليلة، ولها البر والبحر، والسهل والوعر، وشكلها مثلثٌ، وهي معتمدةٌ على ثلاثة أركان: الأول هو الموضع الذي فيه صنم قادس المشهور بالأندلس، ومنه مخرج البحر المتوسط الشامي الآخذ بقبليّ الأندلس، والركن الثاني هو بشرقي الأندلس بين مدينة نربونة (٤) ومدينة برذيل مما بأيدي الفرنجة اليوم بإزاء جزيرتي ميورقة ومنورقة بمجاورةٍ من البحرين: البحر المحيط والبحر المتوسط، وبينهما البر الذي يعرف بالأبواب، وهو المدخل إلى بلد (٥) الأندلس من الأرض الكبيرة على بلد إفرنجة، ومسافته بين البحرين مسيرة يومين، ومدينة نربونة (٦) تقابل البحر المحيط، والركن الثالث منها هو ما بين الجوف (٧) والغرب من حيز جلّيقيّة، حيث الجبل الموفي على البحر، وفيها الصنم
_________________
(١) ك: الأنهار.
(٢) ق ك ج: فصل.
(٣) ك: بكرم النبات وجواهره.
(٤) نربونة: أربونة (Narbonne) . وفي ق ط ك: بريونة.
(٥) ك: بلاد.
(٦) ق ك ط ج: بريونة.
(٧) ق: الجنوب.
[ ١ / ١٣٠ ]
العالي المشبه بصنم قادس، وهو الطالع على بلدٍ برطانيةٍ.
قال: والأندلس أندلسان في اختلاف هبوب رياحها ومواقع أمطارها وجريان أنهارها: أندلسٌ غربيٌ، وأندلسٌ شرقيٌ، فالغربي منها ما جرت أوديته إلى البحر المحيط الغربي، ويمطر بالرياح الغربية، ومبتدأ (١) هذا الحوز من ناحية المشرق مع المفازة الخارجة مع الجوف إلى بلد شنتمريّة (٢) طالعًا إلى حوز أغريطة المجاورة لطليطلة مائلًا إلى الغرب ومجاورًا للبحر المتوسط الموازي لقرطاجنّة الحلفاء التي من بلد لورقة (٣)، والحوز الشرقي المعروف بالأندلس الأقصى، وتجري (٤) أوديته إلى الشرق، وأمطاره بالريح الشرقية، وهو من حدّ جبل البشكنس (٥)، هابطًا مع وادي إبره (٦) إلى بلد شنت مرية (٧)، ومن جوف هذا البحر وغربه المحيط، وفي القبلة منه البحر الغربي الذي منه يجري البحر المتوسط الخارج إلى بلد الشام، وهو البحر المسمّى ببحر تيران (٨)، ومعناه الذي يشق دائرة الأرض، ويسمى البحر الكبير، انتهى.
قال أبو بكر عبد الله بن عبد الحكم المعروف بابن النظام (٩): بلد الأندلس
_________________
(١) ج: ومنتهى.
(٢) شنتمرية (وتكتب أيضًا: شنت مرية): يعرف بهذا الاسم مدينتان شنتمرية الغرب (Santa Maria de Algarve) وتسمى اليوم (Faro) وهي بالبرتغال والثانية شنتمرية الشرق وهي السهلة (Albarracin) الأولى وهي المقصورة هنا.
(٣) قرطاجة الحلفاء (Carthagenna) (وكتبها في الروض المعطار وطبعة ليدن: الخلفاء) وهي فرضة مدينة مرسية. أما لورقة (Lorca) فهي من منطقة تدمير، وقد تفتح راؤها.
(٤) ق ط: ومجرى.
(٥) ك: البشكنش.
(٦) ابره (Ebro) نهر ينبع من جبال كنتبرية ويشرق فيصب في البحر المتوسط، ومن أشهر المدن عليه سرقسطة وطرطوشة.
(٧) المراد هنا شنتمرية الشرق.
(٨) تيران (Terran) اختصار لكلمة (Medi - Terran) أو (Mare Terrhenum) أي يتوسط الأرض.
(٩) ابن النظام: ترجم له ابن الأبار في التكملة: ٧٨٨ ولم يزد على قوله: " كان أديبًا إخباريًا تاريخيًا يحكي عنه ابن حيان في كتابه، وهو من أهل قرطبة ".
[ ١ / ١٣١ ]
عند علماء أهله أندلسان: فالأندلس الشرقي منه ما صبّت أوديته إلى البحر الرومي المتوسط المتصاعد من أسفل أرض الأندلس إلى المشرق، وذلك ما بين مدينة تدمير (١) إلى سرقسطة، والأندلس الغربي ما صبّت أوديته إلى البحر الكبير المعروف بالمحيط أسفل ذلك (٢) الحدّ إلى ساحل المغرب، فالشرقي منهما يمطر بالريح الشرقية، ويصلح عليها، والغربي يمطر بالريح الغربية وبها صلاحه، وجباله هابطةٌ إلى الغرب جبلًا بعد جبلٍ. وإنّما قسمته الأوائل جزأين لاختلافهما في حال أمطارهما، وذلك أنّه مهما استحكمت الريح الغربيّة كثر مطر (٣) الأندلس الغربي وقحط الأندلس الشرقي، ومتى استحكمت الريح الشرقية مطر الأندلس الشرقي وقحط الغربي؛ وأودية هذا القسم تجري من الشرق إلى الغرب بين هذه الجبال. وجبال الأندلس الغربي تمتدّ إلى الشرق جبلًا بعد جبلٍ تقطع من الجوف إلى القبلة، والأودية التي تخرج من تلك الجبال يقطع بعضها إلى القبلة وبعضها إلى الشرق، وتنصبّ كلّها إلى البحر المتوسط للأندلس (٤) القاطع إلى الشام، وهو البحر الرومي، وما كان من بلاد جوفي الأندلس من بلادٍ جلّيقيّةٍ وما يليها فإن أوديته تنصبّ إلى البحر الكبير المحيط بناحية الجوف. وصفة الأندلس (٥) شكلٌ مركنٌ على مثال الشكل المثلث: ركنها الواحد فيما بين الجنوب والمغرب حيث اجتماع البحرين عند صنم قادس، وركنها الثاني في بلدٍ جليّقيّةٍ حيث الصنم المشبه صنم قادس مقابل جزيرةٍ برطانيةٍ، وركنها الثالث بين مدينة نربونة ومدينة برذيل من بلد الفرنجة بحيث يقرب البحر المحيط من البحر الشامي المتوسط، فيكادان يجتمعان في ذلك الموضع،
_________________
(١) ط ق: جزيرة تدمير
(٢) ك: أسفل من ذلك.
(٣) ك: كثر مطر.
(٤) ك: المحيط بالأندلس.
(٥) راجع هذا النص عند ابن عذاري ٢: ١ (ط. بيروت) . والبكري: الورقة ٢١٩.
[ ١ / ١٣٢ ]
فيصير بلد الأندلس جزيرةٌ بينهما في الحقيقة، لولا أنّه يبقى بينهما برزخ برية صحراء وعمارة مسافة مسيرة يوم للراكب، منه المدخل إلى الأرض الكبيرة التي يقال لها الأبواب، ومن قبله يتصل بلد الأندلس بتلك البلاد المعروفة بالأرض الكبيرة ذات الألسن المختلفة.
[الأمم التي استوطنت الأندلس]
قال (١): وأوّل من سكن الأندلس (٢) على قديم الأيام فيما نقله الأخباريون (٣) من بعد عهد الطوفان على ما يذكره علماء عجمها قومٌ يعرفون بالأندلش (٤) - معجمة الشين - بهم سمّي المكان، فعرب فيما بعد بالسين غير المعجمة، كانوا الذين عمروها وتناسلوا فيها وتداولوا ملكها دهرًا، على دين التمجس والإهمال والإفساد في الأرض، ثم أخذهم الله بذنوبهم، فحبس المطر عنهم، ووالى القحط عليهم، وأعطش بلادهم حتى نضبت مياهها، وغارت عيونها، ويبست أنهارها، وبادت أشجارها، فهلك أكثرهم، وفرّ من قدر على الفرار منهم، فأقفرت الأندلس منهم، وبقيت خاليةً فيما يزعمون مائة سنةٍ وبضع عشرة سنة (٥)، وذلك من حدّ بلد الفرنجة إلى حدّ بحر الغرب الأخضر، وكان عدّة ما عمرتها هذه الأمة البائدة مائة عامٍ وبضع عشرة سنة. ثمّ ابتعث الله لعمارتها الأفارقة، فدخل إليها بعد إقفارها تلك المدّة الطويلة قومٌ منهم أجلاهم ملك إفريقية
_________________
(١) هذا يدل على أن النقل متصل عن ابن النظام، ولكن ما جاء في هذه الفقرة لا يخرج في مجمله عما نقله الحميري عن الرازي (الروض: ٤ - ٥) إلا أن النص فيه مختصر. وانظر أيضًا ابن عذاري ٢: ١.
(٢) ك: بالأندلس.
(٣) ط: نقلته الأخبار.
(٤) عند البكري " الأندليش " و" الأندالش " أي (Vandali) .
(٥) وبضع سنة: سقطت من ق ط ج.
[ ١ / ١٣٣ ]
تخففًا منهم لإمحالٍ توالى على أهل مملكته، وتردد عليهم حتى كاد يفنيهم، فحمل منهم خلقًا في السفن مع قائدٍ من قبله يدعى أبطريقس فأرسوا بريف الأندلس الغربي، واحتلوا بجزيرة قادس، فأصابوا الأندلس قد أمطرت وأخصبت، فجرت أنهارها، وانفجرت عيونها، وحييت أشجارها، فنزلوا الأندلس مغتبطين، وسكنوها معتمرين، وتوالدوا فيها فكثروا واستوسعوا في عمارة الأرض ما بين الساحل الذي أرسوا فيه بغربيها إلى بلد الإفرنجة من شرقيها، ونصّبوا من أنفسهم ملوكًا عليهم ضبطوا أمرهم وتوالوا على إقامة دولتهم، وهم - مع ذلك - على ديانة من قبلهم من الجاهلية، وكانت دار مملكتهم طالقة الخراب اليوم من أرض إشبيلية اخترعها ملوكهم وسكنوها، فاتسق ملكهم بالأندلس مائة وسبعة وخمسين عامًا إلى أن أهلكهم الله تعالى، ونسخهم بعجم رومة، بعد أن ملك من هؤلاء الأفارقة في مدّتهم تلك أحد عشر ملكًا. ثم صار ملك الأندلس بعدهم إلى عجم رومة وملكهم إشبان (١) بن طيطش، وباسمه سميت الأندلس إشبانية، وذكر بعضهم أن اسمه أصبهان فأحيل بلسان العجم، وقيل: بل كان مولده بأصبهان فغلب اسمها عليه، وهو الذي بنى إشبيلية، وكان إشبانية اسمًا خالصًا لبلد إشبيلية الذي كان ينزله إشبان (٢) هذا، ثم غلب الاسم بعده على الأندلس كلّه، فالعجم إلى الآن يسمونه إشبانية لآثار إشبان هذا فيه، وكان أحد الملوك الذين ملكوا أقطار الدّنيا فيما زعموا، وكان غزا الأفارقة عندما سلّطه الله عليهم في جموعه، ففض عساكرهم، وأثخن فيهم، ونزل عليهم بقاعدتهم طالقة وقد تحصنوا فيها منه، فابتنى عليهم مدينة إشبيلية اليوم، واتصل حصره وقتاله لهم حتى فتحها
_________________
(١) ق: إلى أشبان.
(٢) لفظة إسبانيا (Hispania) أقدم اسم أطلق على شبه الجزيرة الأيبرية، وبعضهم يرده إلى أصل فينيقي معناه " ساحل الأرانب البرية " ثم قيل إن ذلك نسبة إلى اشبان (Sphan) وتحرفت الكلمة إلى أصبهان، ومن صيغ الاسم أيضًا (Hispalia) وعرب إلى إشبيلية.
[ ١ / ١٣٤ ]