نذكر فيه مناظرة النرجس والورد المسماة بالجوهر الفرد للشيخ الأديب أبي الحسن علي بن محمد المارديني ﵀ خدم بها قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن كشك ومناظرة المنجم والطبيب المسماة بمنية اللبيب للشيخ الأديب العلامة.
محمد مؤمن بن الحاج محمد قاسم الجزائري رحمه الله تعالى
الجوهر الفرد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أنبت في رياض الخدود وردة الخجل وزين أغصان القدود بنرجس حين المقل وأوضح لذوي الدب سبيل البلاغة فاتضح واستجلوا من وجوه المعني عيون الملح، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الفارق بين الشك واليقين بقول غير ملتبس وعلى الآل والأصحاب ما خجلت خدود الورد من تغازل عيون النرجس وبعد: فلما كان الورد والنرجس من أحسن الأزهار وصفًا وألطفها شكلًا وأطيبها عرفًا، وقد اختلف بينهما في التفضيل وأيهما إذا حضر كان لبيت البسط تكميل مثلّتهما كالخصمين في المناظرة واستنطقت لسان حالهما على سبيل المحاظرة فقال الورد: الحمد لله الذي أنزل في محكم القرآن - فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان - والصلاة والسلام على نبيه محمد المبعوث إلى الأسود والأحمر الذي نسخ بشريعته البيضاء ملة بني الأصفر، وبعد فإن الله تعالى فضلني على سائر الزهور بأرفع المراتب، فوجب عليّ شكر نعمته وشكر المنعم واجب، فيّ تتجمّل المجالس والمحافل:
وإني وإن كنت الأخير زمانه لآت بما لم تستطعه الأوائل
كفاني الله عن حسودي، فالروض ملكي والزهر جنودي وما فيهم من خرج عن أعلامي السلطانية، وكيف لا يطيعوني وشوكتي فيهم قوية فازورّت أحداق النرجس، وقام على ساقه في المجلس، وقال أقسم بمن أنزل في كتابه المبين - صفراء فاقع لونها تسر الناظرين - وحق محمد المحمود الذي أوحي إليه - قتل أصحاب الأخدود - لقد مدحت نفسك بالكمال مع نقصك وما جررت النار إلا إلى قرصك أتعيرني بالاصفرار وهو لون التبر إذا أنسبك وتفتخر عليّ بالاحمرار فما أحمرك فتأدب في
[ ٦٦ ]
مقالك واذكر سرعة زوالك واحفظ حرمتك
وإلا كسرت شوكتك، فقال الورد ويلك ما اقوى عينك وأكثر مينك أتجعل مقامك مقامي، وأنت من بعض خدامي ولو لم تكن قليل الحرمة ما كنت جالسًا وأنت واقف في الخدمة ألك مثلي حسن منظر ومخبر، أما سمعت أن الحسن أحمر وإن عيرتني بقصر مدتي، فقد استنبت عني بخليفتي ولم يزل جمال المقامات ومن خلف مثله ما مات أتحسب أن محاسني مثل محاسنك متناهية، وكيف ينقطع عملي ولي صدقة جارية فشتان بيني وبينك، وإن لم تنته عن جدالي قلعت بشوكتي عينك، وأنشد لسان حاله:
لجمال وجهي تشخص الأبصار ولعز مجدي تخضع الزهار
لي بهجة وردية في وجنتي ولها من ورق الجديد عذار
وملابسي من سندس فتق الشذا أكمامها فانفضت الزرار
فكأنني هذا الحبيب إذا بدا نشوان قد دارت عليه عقار
لا غرو إن صرف المحب على حيا ة فكم في وجنتي دينار
حرمي غدا لذوي الخلاعة آمنا من حوله تتخطف البصار
ولي المهابة والبهاء وأنت من حسد وغيظ قد علاك صفار
ما شانني قصر الزمان ولا يرى لك في لياليك الطوال فخار
لكنّ أيامي سرور كلها وكذاك أيام السرور قصار
فقال النرجس يا قليل المودّة، ويا قصير المدّة أين العيون من الخدود، وأين الجافي من الودود، أنا أوفى بميثاقي ومن يزرني أجلسه على أحداقي، فيقول لي من أفضت عليه السرور فيضًا، لقد أكرمت ضيفك، فعليك الراية البيضا، وأنت طالما جنى شوكك على جناك فذقت عذاب النار، ذلك بما كسبت يداك، سرقت لون الحبيب وتسترت بالورق فقطعوك والقطع حد من سرق واستقطروا دمعك وأذاقوك الحرق وقيل لتركبنّ طبقًا عن طبق، وأي فخر في احمرارك الشريق، وكم بين التبر والعقيق فلا تبهرج زيفك على خالص اللجين، وارجع عن المناظرة فما جئتك إلا بعين، هذا ولي في السبق قصبات، وكم جلوت صداع القلب بطيب النفحات، وإذا وفد جيش الزهر فلي في طلائعه عيون - والسابقون السابقون أولئك المقربون - وأنشد:
[ ٦٧ ]
فقت الزهور جميعها بتقدمي فأنا المقيم على الوفا يا متهمي
أدعو الندامى بالمسرة والهنا وكما علمت شمائلي وتكرمي
وآتي الجليس بناظري وأروقه حسنًا وساقي في يديه ومعصمي
وأغض طرفي إن خلا بحبيبه وأصون سر العاشق المتكنم
وإذا غفا المحبوب كنت لحفظه خوفًا عليه من الدبيب المجرم
وأغازل الأجفان وهي نواعس وإليّ تشبيه اللواحظ ينتمي
وترى حجيج اللهو حولي طائفًا وجميع أيامي كيوم الموسم
أين العيون من الخدود نفاسة لولا فساد قياس من لم يعلم
فافهم وكن عن رتبتي متاخرًا واعلم بأن الفضل للمتقدم
فاحمر خد الورد والتهب وظهرت في وجهه صورة الغضب، وقال يا قويّ العين ويا لون اللجين، خلّ عنك الحماقة، ولا تدخل في باب مالك به طاقة فلقد استحقيت المقت، ولا أبالي بك ولو برقت كيف تفاخر بصفارك حمرة الخدود ومن أين لبياض أجفانك المغازلة للعيون السود، أتناظر بعماشك عيون الملاح؟ ما أنت يا عيون النرجس إلا وقاح أتعيرني بحسن الابتلاء وهو الفضل، وقد قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم (نحن معاشر الأنبياء أشد الناس بلاء ثم الأمثل فالأمثل) طالما ابتليت فصبرت وما شكوت حالي بل شكرت أبيت بزفرة لا تخمد وأدمعي تتحدر وانفاسي تتصعد أحبس بلا ذنب وأعصر فتجري دموعي وما هي إلا مهجة تذوب فتقطر وما ضر ابراهيم إلقاؤه في نار النمروذ ولا شان يوسف سجنه مع فضله المشهود مع أني طالما لثمت الثغور والعناق وفزت بالشم والضم والعناق زكا مني الأصل والفرع ولا انزل بواد غير ذي زرع وأقسم ببديع حسني وتسبيح أوراقي وسموّي عن مراعاة النظير بتوجيه طباقي ما أنت مجانسي في المقابلة ولا موازني في المشاكلة ولا لاحقي في الطي والنشر وأنا سيد زهر الربيع ولا فخر فلا تطل الشقاق والنفاق لا بدّ لك من الوقوف في خدمتي ولو قامت الحرب على ساق أي فضل لك في التقديم وكم بين الحبيب والكليم وإن أردت كشف التلبيس فتفكر في فضل آدم على ابليس، وكم بين الشمس والنجوم - وما منا إلا له مقام معلوم - وهل أنت إلا من بعض جنودي والمبشرين بوردي وأنا منك بالفضل أولى -
[ ٦٨ ]
وللآخرة خير لك من الوى - وأنشد:
لم يزدك التقديم في الفضل شيئًا وأنا ما نقصت بالتأخير
بيننا في القياس فرق لطيف مثل ما بين يوسف والبشير
فحدق النرجس وحولق، ورفع رأسه بعد أن أطرق، وقال إن افتخرت بآثارك فليست العين كالأثر، وإن كنت مباشر الثغور، فأنا إلى حسن النظر مع أنهم أرخصوا بك في التعسير، وما عصروك عن ذنب كبير، ولو لم تكن من المتمردين والنجاس، ما حبسوك في قماقم النحاس. أنت في افتخارك كما قالت الحكماء أنف في الماء واست في السماء، تتطفل على الموائد، ولا تصبر على طعام واحد، وأقسم بقدي الرشيق ولوني الشريق وبياض صحائفي واخضرار سوالفي لئن لم تصن بهجتك المسبوكة وتستر فضائحك المهتوكة لأقطعن طرقك المسلوكة وأجعلن حرفتك متروكة ولا اترك لك في عصبة الزهار شوكة وأذيقك عذاب الهون، أتعيبني وكلك عيوب وكلي عيون أنا طبعي الوفاء، وأنت طبعك الغدر، وأنا أوّل من تنشق عنه الأرض من الزهر ولا فخر، ولولا خشية التطويل عددت معايبك على التفصيل، ولكن شيمتي غض الطرف في المجلس، وما أحسن الغض من النرجس، وإن تشبهت بالشمي أنا بكسوفك شامت، وإن كنت من السيارة فأنا من النجوم الثوابت، وشتان بين طالع وىفل، وكم بين مقيم وراحل، وإن لم ترجع إلى السكينة والوقار، لأريك النجوم بالنهار، أين قضبان الزمرد دمن شوك القتاد، وكم بين مريد ومراد، وأقسم بمن زين السماء بزينة الكواكب، إن لم ترجع لأرمينك بشهاب ثاقب، وأسلط عليك رجوم نجومي، وأقول مضمنًا قول ابن الرومي:
عجبت للورد إذا وفى بناظره وزاد في تقوّله عجبًا وفي شططه
يبدو وطياته من حول حمرته كصرم بغل وباقي الروث في وسطه
فخجل خد الورد حتى كلله من الطل العرق، وكاد خوف الفضيحة يتستر بالورق، ثم إنه استشاط كمن أطلق من عقال، وسطا على النرجس بشوكه وقال، يا نفاضة المحافل ولفاظة المزابل، كم بين مهتوك ومصون، ومتروك ومخزون، فجلّ القضية أنك راجل وأنا فارس، وتقوم في الخدمة وأنا جالس، ولولا فجورك وقوّة الحدقة ما جئت تزاحمني في الطبقة وأنشد:
[ ٦٩ ]
أما وفتور أجفاني النواعس وتنزيهي المحاضر والمجالس
وإشراقي لعشاقي وما قد كساني الله من أسنى الملابس
وما قد حزت من نشر شذاه يفوح بطيّ أنفاسي النفائس
لقد عديت طورك في مقامي وهل أحد بمثلك لي يقايس
أنا في البسط فاتح كل باب وخاتم كل زهر في المجالس
وإن زفت كؤوس الراح أجلي على صحبي كما تجلى العرائس
وإن نحن اجتمعنا في مقام تقم في خدمتي وأظل جالس
وإن تك حارسًا ما ذاك فخر فكم ما بين سلطان وحارس
دع التعريض أو صحف فإني أراك إن التقى الجمعان ناعس
وهل للحب من حسن إذا ما يكون الورد في خديه غارس
فقال النرجس أنا عيون المجالس وشكوع المجالس وأنيس النديم، وقد خلقني الله في أحسن تقويم من أين لك لطفي ودلالي، وقد فاتك ليني واعتدالي وبي تشبه عين الحبيب فاعلم ولأجل عين ألف عين تكرم، وكثيرًا ما بينك وبيني وإن عدت إلى مثلها سقطت من عيني وأنشد:
وأما فتور أجفاني النوائس ولحظ دونه لحظ الكوانس
وأحداق تصيد الأسد صيدًا وألباب الرجال لها فرائس
وعينيّ الوقاح ولين عطفي التر شيق إذا بدا في الروض مائس
لئن لم تنته يا ورد عني وتترك ما لديك من الوساوس
رشقتك صائبًا بسهام عيني وأجعل ربعك المهدوم دارس
أنا أبهى وألطف منك معنى وأزهى في المجالس للمجالس
وكم منعته نظرًا وشمًا ولنت له ولا أوذي الملامس
وعن أهل الغرام أغض طرفي وإن نام الحبيب فنعم حارس
أقوم بخدمة الندمان جهدي وتقعد عن مقامي في المجالس
لفخرك لم أجد وجهًا لأني أنا رأسي الزهور فلا تراوس
فقال الورد والذي خلق الانسان من علق وألبس الخد حلة الشفق ودرج الوجنات بحجرة الخجل ودبج بالتوريد مواقع القبل لقد جزت في القول حدًا
[ ٧٠ ]
ولقد جئت شيئًا إدّا تريد أن تميز نفسك بتقويمها وإنما الأعمال بخواتيمها أنا خد الحبيب نصيبي والروح يلتبس ويتمسك
بذيل طيبي أتشك في أن أحسن صفات المدام الورديه لقد تفتت قلبي من عينك القوية أتروم تعطي فضلي بغضًا منك وسخطًا، أما سمعت في الأمثال أن الشمس ما تتغطى، وأنشد:
أنا والراح للأرواح راحه وكم في قبض ساقي بسط وراحه
أتعمى عن عيوبك إذ تراني بعين النقص ماذا إلا وقاحه
فقال النرجس والذي زين العيون بالدعج وأرسلها في فترة الأجفان إلى المهج وفضل الإنسان بالعين والعين بالانسان وكحل بفنون السحر فتور الأجفان إن لم ترجع عني لأجردن سيفي من جفني وأطيح رأسك عن قدمك وأخضبك بدمك ومن أنت في البين وقد أصبح فضلي عليك أتحاربني وجيادي السوابق وتناظرني ونواظري بأحداق الحدائق وفي فتور أجفاني من السحر فنون أتشك في أن الملاحة في العيون، وأنشد:
أنا ما بين أصحابي بعين وفضلي راجح والورد دوني
وفيّ من الملاحة كل فن بديع والملاحة في العيون
فقال الورد أين السهل من الممتنع، وكم بين المفترق والمجتمع أنت تبذل نفسك فتهان وأنا أعز بصيوني عن ملامسة الندمان وأنت رقيب على العشاق في المجالس الطيبة، وإذا رميتهم بعينك يقولون ماذا إلا مصيبة، أنا ذو الوجه القمر والخد الأزهر، وإذا تأملت عيونك إذا هي بالساهرة كيف تناظرني ولي - وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة - وأنت قد ضربت عليك الذلة وما اصفرارك إلا لعلة، فقال النرجس يا قليل الوفا ويا كثير الجفا ألم تعلم أن التخليق بالصفرة من أمارات النصرة، وقال جماعة الحكماء: عن من أنجس الأشكال الحمرة، فقال الورد هذا لوني مذ كنت في أحشاء الأكمام مضغة - صلغة الله ومن أحسن من الله صبغة -، فقال النرجس وهذا فضلي من الشواهد، فقال الورد ما يصفرّ منّا إلا الحاسد، فقال النرجس لم تزل عين كل شيء أحسنه، فقال الورد - لا تستوي السيئة ولا الحسنة فقال النرجس ذهبت منك الحجة واتضحت لي المحجة فأنا على المقدور ولي الفضل أحمد بحضوري في مقام المقرّ الشهابي أحمد وأنا المؤيد بفضل
[ ٧١ ]
ظاهر لا يختفي بحضوري في حضرة مولانا قاضي القضاة الحنفي، فقال الورد وهذا مما يؤيد كلامي ويرفع في الفخر مقامي، فكم بلغت بحضرة المخدوم مقصودي ولم يزل إلى المنهل العذب ورودي، قال الراوي: فلما رأيت كلًا منهما قد جاء في حجته بالبرهان والدليل ولم يتضح
لي أيهما أحرى بالتفضيل وضاقت عليّ في الفرق بينهما المسالك ورأيت مالكي بالمدينة فلم يجز لي أفتي وفي المدينة مالك لأنه فريد عصره في علمه وآدابه وهو الذي يفصل بينهما بفصل خطابه كيف لا وهو شهاب له في فلك المعالي أرفع المراتب - ومن يسترق السمع يتبعه شهاب ثاقب:
شهاب رقى بالسعد في فلك العلى وعاد بفضل منه والعود أحمد
فمن شافعي والوجد في قلب ثابت سوى مالكي كنز الفضائل أحمد
وما أنا في إهداء هذه النبذة إليه وعرض بضاعتي المزجاة عليه إلا كمن أهدى إلى البحرة قطرة أو أتحف الروض بزهرة وهو ذو الصفات التي فاقت على الراح والحبيب رقة ونظمًا وناظرت فعل المدام فكانت أفعالها أسمى، قلت لله درّه من مسجع ما افصح لسانه وأبلغ بيانه فلقد أحرز قصبات السبق في ميدان الكلام وأتى بما يعجز عنه الفاضل والنظام.
منية اللبيب
قال الشيخ العلامة محمد مؤمن ﵁: ساقني طول السياسة في طلب العلم إلى ساحة الكمال، ودلني هادي الشوق لتحصيل المعارف إلى مدارس الخيال، فرأيت بين النوم واليقظة كأني حللت في قرار مكين ودخلت روضة كأنها جنة الخلد التي اعدت للمتقين فوجدت محفلًا منيعًا مشحونًا بالخواص والعوام ومجلسًا وسيعًا محفوفًا بأصناف طوائف الأنام وبينهم شيخان يتناظران وبعلمهما يتفاخران، أحدهما منجم فارسي ماهر عنده تقويم واصطرلاب، والآخر طبيب يوناني حاذق بين يديه أدوية وكتاب كل منهما يفضل نفسه على صاحبه ويطعن فيه بذكر نقائصه ومثالبه والناس حولهما مجتمعون وإلى أقوالهما مستمعون فاقتحمت بين ذلك الجمع وجلست قريبًا لاستراق السمع فسمعت هذا يصف النجوم والسماء وذاك يذكر الداء والدواء هذا يبين القطب والآفاق وذاك يحقق السم والترياق هذا يوضح كرات الفلك والسماك إلى السمك والثريا
[ ٧٢ ]
إلى الثرى والسهيل إلى السها، وذاك يشرح سوء المزاج ودستور العلاج وتشريح الأبدان وأنواع النجران هذا يبحث عن الاثار العلوية والحوادث السفلية والآفات السماوية والأحكام النجومية والتأثيرات الفلكية وأحوال الأمصار ونزول الأمطار وذاك يتكلم في الحميات والمسهلات والأسباب والعلامات والمفردات والمركبات والأطلية والضمادات والمعاجين والمفرحات وأنواع
الأدوية والأشربة والأغذية فتناظرا وتشاجرا من كل باب حتى أغلظ المنجم في الخطاب، وقال ايها الطبيب الجاهل والمكثار من غير طائل ما أقل درايتك وأجلّ غوايتك وأخس صناعتك وأخسر بضاعتك ألم تعلم أنك من دواعي القوت وخليفة ملك الموت ورسول قابض الأرواح ومفرق النفوس عن الشباح وإنك منذر إلى الممات وذئب في جلد الشاة وظالم في زيّ مسكين وذابح بغير سكين وعدوّ في صورة صديق وحشيش يتشبث به الغريق قد ضاع عمرك في ملاحظة الفضلات والقاذورات وطال فكرك في المدارات والمسهلات هل أنت بمعرفة القارورة تتبختر أم بقتل نفس بغير حق تتكبر، جهلك مركب وحقك مجرب تحسب كلام ابن سينا في القانون كالوحي المنزل، وتزعم قول ابن زكريا بمنزلة خبر النبي المرسل، وتعد جالينوس في كل ما أخبر به صادقًا وكفى بك ذمًا، حديث الطبيب ضامن ولو كان حاذقًا فتعسًا لجالينوس وسقراطك وتبًا لاسفلينوسك وبقراطك وأفًا لتشخيصك وتدبيرك وتبًا لتجويزك وتقريرك. فلما سمع الطبيب هذا السباب التهب غضبًا وقال في الجواب إخسأ أيها المنجم الجاهل ولتبك على عقلك الثواكل ألم تدر أنك أكذب الناس والخناس الذي يوسوس في صدور الناس وإنك أبين كذبًا من الفجر الأوّل وأغلط حسًا من عين الأحول، وأخلف في الوعد من عرقوب وأشهر بالكذب من أولاد يعقوب، وأخص طبعًا من ضبع وضبه، وأنقص قدرًا من قيراط وحبه، وكفى بك ذمًاخبر كذب المنجمون ورب الكعبة، وما أشبهك بمسيلمة الكذاب وما أكثر غلطك في الحساب خطؤك أكثر من صوابك، وإثمك أجل من ثوابك، تتقرب بأكاذيب الأحكام النجومية رجمًا بالغيب إلى الأمراء والسلاطين، وقد فسر الشياطين بالمنجمين بالرواية المعتبرة عن بعض الفضلاء الأساطين في قوله
[ ٧٣ ]
تعالى - ولقدْ زيّنا السّماء الدُّنيا بمصابيحَ وجعلناه رجومًُا للشياطين - وهب أن علم التنجيم معجزة باهرة لنبي كريم إلا أنه لا يحصل كثيره ولا ينفع يسيره، فالموجود منه غير نافع والنافع منه غير موجود بلا مدافع وصاحبه لا ينفك عن إفلاس وإدبار لما يلزمه من تعمد الكذب في الأخبار، فتعسًا لريحك ورصدك وبعدًا لعددك وعدّك، وأفًا لحسبانك وتبًا لتقويمك واصطرلابك. فقال المنجم ويحك ما هذا التفضيح والإنكار للحق الصريح لقد فرطت في الإزراء والإيذاء حفظت شيئًا وغابت عنك أشياء ذكرت القبائح القليلة ونسيت المدائح الجليلة:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
فوحق من خلق الشمس والقمر آيتين للسنة والشهر، وجعل النجم علامة يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، إن علم النجوم بين العلوم، كالبدر اللامع بين النجوم، إذ به يعلم عدد السنين والحساب، ويستدل به على وجود رب الأرباب، كيف لا وبالتفكير العميق في حقائق الأسرار ودقائق الآثار المستفادة من رياض الرياضي والتدبير البليغ في بدائع الحكمة وصنائع الفطرة التي في خلق السماوات والأراضي والفكر الدقيق في هيئة الأفلاك وصور البروج ومواقع النجوم في الغروب والطلوع والنظر الصحيح في منظورات الكواكب واختلاف حركاتها في السرعة والبطء والاستقامة والرجوع والتأمل الصادق في كيفية حركات الآباء العلوية فوق الأمهات السفلية، والرأي الصائب في استخراج أنواع تأثيرات الأجرام الأثيرية في الأرضية يعرف أن لهذه الكرات الدائرة والأفلاك السائرة، والأنجم الزاهرة والآيات الباهرة والدراري المنثورة والبروج المشهورة والقبة الخضراء والبقعة الغبراء والسقف المرفوع والمهاد الموضوع والبحر المحيط والبر البسيط والجبال الشامخة والأوتاد الراسخة صانعًا حكيمًا قديمًا مدبرًا كاملًا محركًا عادلًا - ربّنا ما خلقتَ هذا باطلًا - وإن جميع ذلك مستند إلى ربّ الأرض والسماء عزيز قدير يتصرف فيهما كيف يشاء حيثما تقتضيه حكمته والأرض جميعًا قبضته.
فليس بتدبير الكواكب ما ترى ولكنه تدبير رب الكواكب
[ ٧٤ ]
فتبارك الذي جعل في السماء بروجًا وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا وأبدع الكائنات بأحسن نظام ودبرها على وفق مشيئته وقدرها بحكمته تقديرًا سبحان من جعل الشمس ضياء والقمر نورًا وبسط على بساط البسيط ظلًا وحرورا ورفع خضراء ذات بروج وسراج وخفض غبراء ذات مروج وفجاج ومدّ بحرًا مسجورا خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن في ستة أيام ودبر الأمر يتنزل بينهنّبترتيب ونظام كما كان في الكتاب مسطورا والصلاة والسلام على من دنا فتدلى إلى ربه الأعلى فكان قاب قوسين أو أدنى محمد الذي أصبح مؤيدًا بالرعب وبالصبا منصورا وعلى آله الأتقياء وعترته نجوم الاهتداء ما دام السماك رامحا والسعد ذابحا والنسر طائرا والشامية غموصا واليمانية عبورا. فلما فرغ المنجم من المقال اعترض عليه الطبيب وقال كتمت الحق بما أديت وموهت القول فيما
ادعيت أخطأت في ترجيح علم النجوم وتفضيله على سائر العلوم فإن شرف كلّ علم بشرف موضوعه، وما يتعلق به من أصوله وفروعه، فكلما كان الموضوع أشرف وأعلى كان العلم الباحث عنه أرفع وأسنى، ومعلوم أن موضوع علم الطب هو البدن الانساني المتعلق به الروح الحيواني المرتبطة به النفس الانسانية التي هي أشرف من النجوم والسماوات بل جميع المخلوقات والمكونات وقد خلق في الانسان وهو العامل الأصغر نظائر جميع ما في العالم الكبر فكل انسان عالم برأسه، ولذلك سمى بالعالم بانفراده وكما يستدل بدقائق ما في الأكبر على وجود الصانع الحكيم القدير كذلك يحتج ببدائع ما في الأصغر عليه حذو النظير بالنظير، وفي قوله ﷿ - وفي الأرض آياتٌ للموقنينَ وفي أنفسكمْ أفلا تبصرون - دلالة على هذا المدعى، وفي قوله سبحانه - سنريهم آياتنا في الآفاقِ وفي أنفسهم، بينة على هذه الدعوى، وقال امير المؤمنين وإمام المتقين أسد الله الغالب عليّ كرم الله وجهه:
دواؤك فيك وما تشعر وداؤك منك وما تصبر
وتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
وأنت الكتاب المبين الذي بأحرفه يظهر المضمر
وتوضيح هذا المقال وتفصيل هذا الاجمال يطلب من طيف الخيال لمؤلف هذه الأقوال وبالجملة الانسان خليفة الحمن والنفس كالسلطان والأعضاء
[ ٧٥ ]
كالبلدان والحواس كالأعوان والقوى والأذهان كالعمّال والخزان والجوارح والأركان كالخدام والغلمان وبقاء سلطنة هذا الملك بصلاح رعيته واستقرار ملكه بانتظام أمور مملكته وبالصحة ينتظم عالم الأجسام وبالمرض يختل هذا النسق والنظام والعلم المتكفل بحصول هذا الغرض علم الطب الباحث عن أحوال بدن الانسان من حيث الصحة والمرض لحفظه الصحة الحاصلة واسترداد الزائلة وكفى له شرفًا حديث (العلم علمان علم الأبدان وعلم الأديان) وقدم الأوّل لتوقف الثاني عليه ونظام العالم الأصغر منسوب إليه فهو على صحة الأبدان ومادة حياة الانسان ومناط سلامة الأجساد ومدار أمر المعاش والمعاد، فعلم الطب على رغمك أرجح وانفع من علمك، فقال المنجم للطبيب هذا قول منك عجيب أما تعلم أيها الحكيم أن الطب لا يستقيم إلا بالتنجيم وبه فتح أبواب التعلم والتعليم، وفوق كل ذي علم عليم، فلابدّ للطبيب من
معرفة ما يتعلق بالنجوم والتقويم والسعود والنحوس والنظرات والبروج والدرجات والساعات قرب ساعة ينفع فيها الفصد والحجامة وشرب الدواء ولا يفيد في غير تلك الساعة إلا اشتداد العلة والداء فها أنا أتلو عليك وأذكر لديك أنموذجًا من الأحكام النجومية والمسائل الهيولية لتعرف فضل العلوم الرياضية ولا أبالي بالتطويل فإن هذا الخطب جليل والبسط في المطلب المرغوب مقبول ويا لها قصة في شرحها طول، فاعلم أن لكل عضو من الأجساد اللحمانية والأبدان الانسانية نسبة إلى برج من البروج الاثني عشر بتقدير خالق القوى والقدر فالرأس منسوب إلى الحمل والرقبة إلى الثور زالكتف إلى الجوزاء والصدر إلى السرطان والسرة إلى الأسد والقلب إلى السنبلة والظهر والبطن إلى الميزان والعورة إلى العقرب والفخذ إلى القوس والركبة إلى الجدي والساق إلى الدلو والقدم إلى الحوت ويعالج كل عضو في وقت يكون للبرج الذي ينسب إليه سعادة وقوّة واستيلاء وقدرة ويسمى الحمل والأسد والقوس بالمثلثة النارية وينسب إليه الحرارة واليبوسة والثور والسنبلة والجدي بالمثلثة الأرضية وينسب إليه البرودة واليبوسة، والسرطان والعقرب والحوت بالمثلثة المائية وينسب إليه البرودة والرطوبة والحمل
[ ٧٦ ]
والسرطان والميزان والجدي منقلبات، والثور والأسد والعقرب والدلو ثابتات والجوزاء والسنبلة والقوس والحوت ذوات جسدين والشمس في اللغة مؤنث وفي التنجيم مذكر والقمر بالعكس وكل من الحمل والعقرب بيت للمريخ والثور والميزان للزهرة والجوزاء والسنبلة لعطارد والسرطان للقمر والأسد للشمس والقوس والحوت للمشتري والجدي والدلو لزحل والشمس حارة يابسة والقمر بارد رطب وزحل بارد يابس وهي طبيعة الموت والمشتري حار رطب وهو مزاج الحياة والمريخ في غاية الحرارة والزهرة في نهاية الرطوبة وعطارد مزاجه مزاج ما يجاوره ويقاربه وما سوى النيرين من السلعة السيارة يسمى بالخمسة المتحيرة والشمس والقمر والمشتري والزهرة والرأس مسعودات والزحل والمريخ والذنب منحوسات وعطارد مع السعد مسعود ومع النحس منحوس والشمس بيضاء والقمر كدر الأجزاء وزحل رصاصي والمشتري أبيض يميل إلى الصفرة وعطارد يضرب إلى الزرقة والمريخ ناري اللون والزهرة دري اللون والإلاك الكلية تسعة، ومع الأفلاك الجزئية أربعة وعشرون الفلك الأطلس غير مكوكب والثابت في فلك البروج والسيارات في سبعة أفلاك
كل في فلك يسبحون، وقال عزّ من قائل - ولقد جعلنا في السماء بروجًا وزيّناها للنّاظرين - والشمسُ والقمرُ والنّجومُ مسخّراتٍ بأمرهِ - ألا لهُ الخلقُ والأمرُ تباركَ اللهُ ربُّ العالمينَ - ذلك محدث موجده قديم ومصنوع صانعه حكيم - والشمسُ تجري لمستقرٍ لها ذلكَ تقديرُ العزيز العليمْ والقمرَ قدّرناه منازل حتى عادَ كالعرجونِ القديم لا الشمسُ ينبغي لها أن تدركَ القمرَ ولا الليلُ سابقُ النهارِ وإنَّ في ذلك لعبرةً لأولي الأبصار - فيا أيها الطبيب مالك من هذا العلم نصيب، تفتخر بتركيب أدوية مسحوقة وتتباهى بتعجين حشائش مدقوقة سكنت عمرًا في دار لم تعرف كيفية سقفها المكوكب المزين ونزلت دهرًا في بيت لم تعلم حقيقة سطحه المنقش الملون:
وكيف ينال العلم من هو أبله وكيف يرى الآفاق من هو أكمه
ثم أنشد المنجم هذه الأشعار وخاطب السامعين والنظار:
يا معشر المسلمين قوموا لا تعذلوني ولا تلوموا
عندي من السابحات علم سبحت فيه بكل العلوم
الفلك المستدير سقف وهو بأرجائه يحوم
[ ٧٧ ]
يدركه ناظر بصير وخاطر عاطر سليم
أما ترى الاختلاف فيه والدور في الحد مستقيم
فقال الطبيب أيها المهذار إلى متى هذا الإكثار اترك الكلام المهمل المرسل ودع الهذيان والمزخرف المسلسل هب أنك تعرف دقائق السماوات وتستخرج أحكام النجوم من الزيجات، وتعلم رسوم الأرصاد ورقوم التقاويم، وتضبط حوادث الأيام ودقائق الأقاليم، فهل استفدت من هذه الحقائق والأسرار شيئًا سوى المحوسة والافلاس والإدبار:
يا من يروم من النام معيشة لم لا تروم من النجوم النيرة
شهدت عليك إذًا بأنك كاذب أحوالك المختلة المتغيرة
أنكرت يا أعمى البصيرة قدرة هي للنجوم السائرات مسيرة
يا عارف الأفلاك هل لك حاصل من شمسها أو خمسها المتحيرة
ضيعت عمرك فيما لا ينفعك مثقال حبة ونسيت حديث من عرف نفسه فقد عرف ربه، بدنك بيتك سكنت فيه عمرًا لم تعرف سقفه وجدرانه وجسدك دارك أقمت فيه دهرًا لم تعلم
أركانه وحيطانه فهلا عرفت آفاق الأنفس ومطالع الإدراك أضممت تشريح الأبدان إلى تشريح الأفلاك وهلا فكرت في نفسك وآلاتها ونظرت إلى عينك وطبقاتها وإلى سمعك وصفاته وإلى لسانك ولغاته تدرك بوهم وتبصر بشحم وتسمع بعظم وتنطق بلحم، فإن كانت لك فكرة، ففي كل عضو منك عبرة أما تتفكر في أفراد الانسان أنهم أشباه وأمثال كيف اتحدوا في النوع واختلفوا في الصور والأشكال وكيف تغايروا بالحياة والألوان والأصوات وتباينوا في الأخلاق والآراء والصفات:
ومن صنف الانسان أني وجدتهم وإن كان صنفًا بالسواء صنوفا
فرب ألوف لا تماثل واحدا وربّ فريد قد يكون ألوفا
وكم من كثير لا يسدون ثلمة وكم واحد فيهم يعدّ صفوفا
ألا إن الانسان صفوة الموجودات وخلاصة المكونات وعلة خلق الأرض والسماوات وسبب تكوين البسائط والمركبات نتيجة إيجاد الأفلاك المستديرة وواسطة إبداع النجوم المستنيرة وواقف أسرار اللاهوت وعالم سرائر الملكوت
[ ٧٨ ]
وخليفة رب العالمين وظلّ الله في الأرضين ومسجود جميع الملاك ومقصود ما في الآفاق والأفلاك والطب علم بأحوال بدن الإنسان، والغرض منه حفظ هذا التركيب والبنيان، فهو أشرف العلوم بعد علم الديان، فلما انتهى الكلام إلى هذا المقام اتفق الأنام من الخواص والعوام على ترجيح علم الطب على علم النجوم وتفضيل الطبيب المعهود على المنجم المغلوم، وعرفت في اثناء ذلك القيل والقال أن الطبيب هو مؤلف طيف الخيال، ثم قام القوم للافتراق وتفرقوا وآخر الصحبة الفراق، والله نعم المولى ونعم النصير، وهو على جمعهم إذا يشاء قدير.
وليكن هذا آخر الكلام، والحمد لله على نعمة الاتمام والصلاة والسلام على محمد خير الأنام، وعلى آله وأصحابه الكرام. قلت لله دره من متكلم لم يسمح الزمان بمثله، فلقد أتى بما لم تسمح القرائح ببعضه فضلًا عن كله، كيف لا وعنادل أسجاعه ساجعة في حدائق لطائفه وأزهار المعانيقد تضوع نشرها في رياض ألفاظه الأنيقة وظرائفه:
كم بذ منطقه بلاغة شاعر ومحت فصاحة كاتب سجعاته
زان القريض بفكرة نظمت له عقد النجوم فزهرها فقراته
تم الكتاب الثاني من كتاب نفحة اليمن فيما يزول بذكره الشجن، بعون الله المالك ذي المنن،
والحمد لله على ذلك إلى بقاء الزمن