لامية
يذكر فيه لامية الشيخ العلامة اسماعيل بن أبي بكر المقري الزبيدي، ولامية الفاضل الأديب صلاح الدين الصفدي ولامية الشيخ البارع أبي اسماعيل الحسين بن علي المعروف بالطغرائي المشهورة بلامية العجم مع ما أوضحته من معاني أبيات منها لاحتياجه إلى البيان المعرب عن المقصود للأذهان ولامية الشيخ الكامل الأديب عمر بن الوردي رحمهم الله تعالى بمنه وكرمه
لامية المقري رحمه الله تعالى
ريادة القول تحكي النقص في العمل ومنطق المرء قد يهديه للزلل
إن اللسان صغير جرمه وله جرم كبير كما قد قيل في المثل
فكم ندمت على ما كنت قلت به وما ندمت على ما لم تكن تقل
وأضيق الأمر أمر لم تجد معه فتى يعينك أو يهديك للسبل
عقل الفتى ليس يغني عن مشاورة كعفة الخود لا تغني عن الرجل
إن المشاور إنا صائب غرضًا أو مخطئ ليس منسوبًا إلى الخطل
لا تحقر القول يأتيك الحقير به فالنحل وهو ذباب طائر العسل
ولا يغرنك ودّ من أخى أمل حتى تجربه في غيبة الأمل
إذا العدوّ ساقته الاخا علل عادت عداوته عند انقضا العلل
لا تجزعنّ على ما نلت حيث مضى ولا على فوت أمر حيث لم تنل
فليس تغني الفتى في الأمر عدته إذا تقضت عليه عدّة الأجل
[ ١٤٦ ]
وقدر شكر الفتى لله نعمته كقدر صبر الفتى للحادث الجلل
وإن أخوف نهج ما خشيت به ذهاب حرية أو مرتضى عمل
لا تفرحنّ بسقطات الرجال ولا تهزأ بغيرك واحذر صولة الدول
إن تأمن الدهر أن يعلى العدوّ فلا تستأمن الدهر أن يلقيك في السفل
أحق شيء بردّ ما تخالفه شهادة الدهر فاحكم صنعة الجدل
وقيمة المرء ما قد كان يحسنه فاطلب لنفسك ما تعلو به وصل
اطلب تنل لذة الإدراك ملتمسًا أو راحة اليأس لا تركن إلى الوكل
وكل داء دواه ممكن أبدًا إلا إذا امتزج الاقتار بالكسل
والمال صنه وورثه العدو ولا تحتاج حيًا إلى الإخوان في الأكل
وخير مال الفتى مال يصون به عرضًا وينفقه في صالح العمل
وأفضل البر ما لا منّ يتبعه ولا تقدمه شيء من المطل
وإنما الجود بذل لم تكاف به صنعًا ولم تنتظر فيه جزا رجل
إن الصنائع أطواق إذا شكرت وإن كفرت فأغلال لمنتحل
ذو اللوم يحصر مهما جئت تسأله شيئًا ويحصر نطق المء أن يسل
وإنّ فوت الذي تهوى لأهون من إدراكه بلئيم غير محتفل
إن عندي الخطا في الجود أحسن من إصابة حصلت في المنع والبخل
خير من الخير مسديه إليك كما شر من الشر أهل الشر والدخل
ظواهر العتب للإخوان أحسن من بواطن الحقد في التسديد للخلل
دار الجهول وسامحه تكده ولا تركب سوى السمع واحذر سقطة العجل
لا تشربنّ نقيع السم متكلًا على عقاقير قد جرّبن بالعمل
والق الأحبة والإخوان إن قطعوا حبل الوداد بحبل منك متصل
فأعجز الناس من قد ضاع من يده صديق ودّ فلم يردده بالحيل
استصف خلك واستبدله أحسن من تبديل خل وكيف الأمن بالبدل
واحمل ثلاث خال من مظالمه تحفظه فيها ودع ما شئته وقل
ظلم الدلال وظلم الغيظ فاعفهما وظلم جفوته فاقسط ولا تمل
وكن مع الخلق ما كانوا لخالقهم واحذر معاشرة الأوغاد والسفل
[ ١٤٧ ]
واخش الأذى عند إكرام اللئيم كما تخشى الأذى إن أهنت الحر في حفل
والعذر في الناس طبع لا تثق بهم وإن أبيت فخذ في الأمن والوجل
من يقظة بالفتى إظهار غفلته مع التحرز من غدر ومن حيل
سل التجارب وانظر في مراءتها فللعواقب فيها أشرف المثل
وخير ما جربته النفس ما اتعظت عن الوقوع به في العجز والوكل
فاصبر لواحدة تأمن توابعها فربما كانت الصغرى من الأول
فلا يغرنك مرقى في سهولته فربما ضقت ذرعًا منه في النزل
وللأمور وللأعمال عاقبة فاخش الجزا بغتة واحذره عن مهل
ذو العقل يترك ما يهوى لخشيته من العلاج بمكروه من الخلل
من المروءة ترك المرء شهوته فانظر لأيهما آثرت واحتفل
استحي من ذم من أن يدنو توسعه مدحًا ومن مدح من إن غاب ترتذل
شر الورى بمساوي الناس مشتغل مثل الذباب يراعي موضع العلل
لو كنت كالقدح في التقويم معتدلًا لقالت الناس هذا غير معتدل
لا يظلم الحر إلا من يطاوله ويظلم النذل أدنى منه في النذل
يا ظالمًا جار فيمن لا نصير له إلا المهيمن لا تغترّ بالمهل
غدًا تموت ويقضي الله بينكما بحكمه الحق لا زيغ ولا ميل
وإن أولى الورى بالعفو أقدرهم على العقوبة إن يظفر بذي زلل
حلم الفتى عن سفيه القوم يكثر من أنصاره ويوقيه من العيل
والحلم طبع فما كسب يجود به لقوله خلق الانسان من عجل
لامية الصفدي رحمه الله تعالى
الجد في الجد والحرمان في الكسل فانصب تصب عن قريب غاية الأمل
وشم بروق المعالي في مخائلها بناظر القلب تكفي مؤنة العمل
واصبر على كل ما يأنى الزمان به صبر الحسام بكف الدارع البطل
لا تمسين على ما فات ذا حزن ولا تطل بما أوتيت في جذل
فالدهر أقصر من هذا وذا أمد وربما حل بعض الأمر في الوجل
وجانب الحرص والاطماع تحظ بما ترجو من العز والتأييد في عجل
[ ١٤٨ ]
وصاحب الحزم والعزم اللذين هما في الحل والحل ضد الغي والخطل
والبس لكل زمان ما يلايمه في العسر واليسر من حل ومرتحل
واصمت ففي الصمت أسرار تضمنها ما نالها قط إلا سيد الرسل
واستشعر الحلم في كل الأمور ولا تبادر ببادرة إلا إلى رجل
وإن بليت بشخص لا خلاق له فكن كأنك لم تسمع ولم يقل
ولا تمار سفيهًا في محاورة ولا حليمًا لكي تنجو من الزلل
ثم المزاح فدعه ما استطعت ولا تكن عبوسًا ودار الناس عن كمل
ولا يغرك من تبدو بشاشته منه غليك فإن السم في العسل
وإن أردت نجاحًا أو بلوغ منى فاكتم أمورك عن حاف ومنتعل
وأبكر بكور غراب في شذا نمر في بأس ليث كميّ في دها ثعل
بجود حاتم في إقدام عنترة في حلم أحنف في علم الإمام علي
وهن وعزّ وباعد واقترب وأثل وابخل وجد وانتقم واصفح وصل وصل
بلا غلو ولا جهل ولا سرف ولا توان ولا سخط ولا مذل
وكن أشد من الصخر الأصم لدى البأسا وأسير في الآفاق من مثل
حلو المذاقة مرًّا لينا شرسا صعبًا ذلولًا عظيم المكر والحيل
مهذبًا لوذعيا طيبًا فكهًا عشمشمًا غير هياب ولا وكل
صافي الوداد لمن أصفى مودته حقًا وأحقد للأعداء من جمل
لا يطمئنّ إلى ما فيه منقصة عليه إلا لأمر ما على دخل
ولا يقيم بأرض طاب مسكنها حتى يقدّ أديم السهل والجبل
ولا يصيخ إلى داع إلى طمع ولا ينيخ بقاع نازح العلل
ولا يضيع ساعات الدهور فلن يعود ما فات من أيامها الأول
ولا يراقب إلا من يراقبه ولا يصاحب إلا كل ذي نبل
ولا يعدّ عيوب الناس محتقرًا لهم ويجهل ما فيه من الخلل
ولا يظن بهم سوءًا ولا حسنًا يصاب من أصوب الأمرين بالغيل
ولا يؤمل آمالًا بصبح غد إلا على وجل من وثبة الأجل
ولا ينام وعين الدهر ساهرة في شأنه وهو ساه غير محتفل
[ ١٤٩ ]
ولا يصدّ عن التقوى بصيرته لأنها للمعالي أوضح السبل
من لم تكن حلل التقوى ملابسه عارًا وإن كان مغمورًا من الحلل
من لم تفده صروف الدهر تجربة فيما يحاول فليرعى مع الهمل
من سالمته الليالي فليثق عجلًا منها بحرب عدوّ غير ذي مهل
من كان همته والشمس في قرن كانت منيته في دارة الحمل
من ضيع الحزم لم يظفر بحاجته ومن رمى بسهام العجب لم ينل
من جالس الغاية النوكى جنى ندمًا لنفسه ورمى بالحادث الجلل
من جاد ساد وأمسى العالمون له وفا وحالة أهل الكف لم تحل
من لم يصن عزه ساءت خليقته بكل طبع لئيم غير منتقل
من رام نيل العلى بالمال يجمعه من غير حل بلى من جهله وبلي
من هاش عاش وخير العيش أشرفه وشره عيش أهل الجبن والبخل
عاجمت أيام دهر شدة ورخا وبوأت فيها بأثقال عليّ ولي
وخضت في كل واد من مسالكها بلا فتور ولا عجز ولا فشل
طورًا مقيمًا مقام الصيد في صدف وتارة في ظهور الأينق الذلل
بالشرق يومًا ويومًا في مغاربه والغور يومًا ويومًا في ذوي القلل
وتارة عند أملاك غطارفة وتارة أنا والغوغاء في زحل
هذا ولم أرتض حالًا ظفرت به إلا وثقت بحبل منه منفصل
ولا أيمم بحرًا جاش غاربه إلا وجدت سرابًا أو صرى وشلي
حتى إذا لم أدع لي في الثرى وطنًا أقصرت من غير لا وهن ولا ملل
فاليوم لا أحد لي عنده أرب ولا فتى أبدًا ذو حاجة قبلي
وفي الفؤاد أمور لا أبوح بها ما قرب النائي أيدي الخيل والإبل
وإن أمت فلقد أعذرت في طلب وإن عمرت فلن أصغي إلى عذل
تمت برسم أخ مازال يسألني إنشاءها أبدًا في الصبح والطفل
فقلتها لأرى مفروض طاعته والقلب شغل ناهيك من شغل
ولا أبالغ في توقيف أكثرها ولا ذكرت بها شيئًا من الغزل
لكنها حكم مملوءة هممًا تغني اللبيب عن التفصيل بالجمل
[ ١٥٠ ]
ثم الصلاة على أزكى الورى حسبًا محمد وأمير المؤمنين علي
ما أومض البرق في الديجور مبتسمًا وما سفحن دموع العارض الهطل
لامية الطغرائي رحمه الله تعالى
أصالة الرأي صانتني عن الخطل وحلية الفضل زانتني لدى العطل
أصالة الرأي جودته، والخطل المنطق الفاسد، والعطل التعري عن الملابس الظاهرة
مجدي أخيرًا ومجدي أولًا شرع والشمس رأد الضحى كالشمس في الطفل
قوله شرع أي سواء ورأد الضحى وقت ارتفاع الشمس والطفل آخر النهار
فيم الإقامة بالزوراء لا سكني بها ولا ناقتي فيها ولا جملي
ناء عن الأهل صفر الكف منفرد كالسيف عرى متناه عن الخلل
فلا صديق إليه مشتكى حزني ولا أنيس إليه منتهى جذلي
طال اغترابي حتى حنّ راحلتي ورحلها وقرى العسالة الذبل
وضج من لغب نضوى وعج لما ألقى ركابي ولج الركب في عذلي
الضجيج الصياح، واللغب بالغين المعجمة التعب والإعياء والنضو البعير المهزول والعج رفع الصوت، ولج الركب زاد في اللوم
أريد بسطة كف أستعين بها على قضاء حقوق للعلى قبلي
والدهر يعكس آمالي ويقنعني من الغنيمة بعد الكد بالقفل
وذي شطاط كصدر الرمح معتقل بمثله غير هياب ولا وكل
الواو واو رب والشطاط اعتدال القامة وقوله غير هياب أي غير جبان ولا وكل بكسر الكاف: أي غير عاجز
حلو الفكاهة مرّ الجدّ قد مزجت بشدة البأس منه رقة الغزل
طردت سرح الكرى عن ورد مقلته والليل أغرى سوام النوم بالمقل
يقول إني منعته النوم بالمحادثة ونحن في ليل قد أقبل بالنوم على العيون
والركب ميل على الأكوار من طرب صاح وآخر من خمر الكرى ثمل
فقلت أدعوك للجلي لتنصرني وأنت تخدلني في الحادث الجلل
الجلي بالضم الأمر العظيم وجمعها جلل ككبر
تنام عيني وعين النجم ساهرة وتستحيل وصبغ الليل لم يحل
[ ١٥١ ]
فهل تعين على غيّ هممت به والغيّ يزجر أحيانًا من الفشل
الغيّ الضلال، والزجر المنع، والفشل الجبن
إني أريد طروق الحي من إضم وقد حمته رماة الحي من ثعل
الطروق هو المجيء في الليل واضم كعنب الوادي الذي فيه مدينة الرسول ﷺ وثعل كصرد ابن عمرو بنو ثعل مشهورون باتقان رمي السهام
يحمون بالبيض والسمر اللذان به سود الغدائر حمر الحلي والحلل
فسر بنا في دمام الليل معتسفًا فنفحة الطيب تهدينا إلى الحلل
الذمام الحرمة والاعتساف من العسف وهو الأخذ في السير بغير دليل
فالحب حيث العدى والأسد رابضة حول الكنائس لها غاب من الأسل
تؤم ناشئة بالجزع قد سقيت نصالها بمياه الغنج والكحل
تؤم تقصد، وناشئة أي مخلوقة، والجزع بالكسر منعطف الوادي
قد زاد طيب أحاديث الكرام بها ما بالكرائم من جبن ومن بخل
تبيت نار الهوى منهنّ في كبد حري ونار القرى منهم على القلل
يقتلن أنضاء حب لا حراك بها وينحرون كرام الخيل والإبل
الأنضاء جمع نضو وأراد به جماعة العشاق الذين أمرضهم الهوى وأنحلهم
يشفي لديغ العوالي في بيوتهم بنهلة من غدير الخمر والعسل
العوالي الرماح، والنهلة الشربة الواحدة
لعل إلمامة بالجزع ثانية يدب منها نسيم البرء في علل
الإلمام النزول وقد ألمّ به أي نزول وقوله يدبّ أي يمشي من دبّ على الأرض يدبّ دبيبًا إذا مشى والبرء الشفاء
لا أكره الطعنة النجلاء قد شفعت برشقة من نبال الأعين النجل
يقول لا أكره الطعنة الواسعة التي تصيبني وقد ثنيت برشقة من سهام العيون المتسعة برؤية هذه الفتيات لأن ذلك رخيص إذا تهيأ إلى المرام
ولا أهاب الصفاح البيض تسعدني باللمح من خلل الأستار والكلل
يقول لا اهاب الصوارم التي هي العيون ووقعها فيّ إذا كانت تسعدني على جراحي باللمح من خلل الأستار
[ ١٥٢ ]
ولا أخل بغزلان أغازلها ولو دهتني أسود الغيل بالغيل
قوله ولا اخل أي ولا أترك، والمغازلة المحادثة مع النساء، والغيل بفتح الغين المعجمة موضع الأسد والغيل بالتحريك الشرّ
حب السلامة يثني همّ صاحبه عن المال ويغري المرء بالكسل
فإن جنحت إليه فاتخذ نفقًا في الأرض أو سلمًاَ في الجوّ فاعتزل
الجنوح الميل والنفق بالتحريك سرب في الأرض، والسلم معروف
ودع غمار العلى للمقدمين على ركوبها واقتنع منهنّ بالبلل
يقول اترك لجج المعالي لذوي الأقدام على ركوبها والمكابدين لشدائدها واقتنع من اللجج بالبلل وكنى بالبلل عن الشيء اليسير من العيش وقوله هذا مقابل بالقبول عند ذوي العقول:
رضى الذليل بخفض العيش مسكنة والعز عند رسيم الأينق الذلل
الخفض الدعة، والرسيم ضرب من سير الإبل
فادرأ بها في نحور البيد جافلة معارضات مثاني اللجم بالجدل
يقول فادفع بالأينق الذلل في نحور المفاوز مسرعة معارضات لجم الخيل بأزمتها
إن العلى حدثتني وهي صادقة فيما تحدّث أن العز في النقل
لو أن في شرف المأوى بلوغ منى لم تبرح الشمس يومًا دارة الحمل
أهبت بالحظ لو ناديت مستمعًا والحظ عني بالجهال في شغل
قوله أهبت أي صحت وهو ماخوذ من قولهم أهاب الراعي بغنمه إذا صاح بها لتقف عن السير
لعلي إن بدا فضلي ونقصهم لعينه نام عنهم أو تنبه لي
أعلل النفس بالآمال أرقبها ما أضيق الدهر لولا فسحة الأمل
لم أرتض العيش والأيام مقبلة فكيف أرضى وقد ولت على عجل
غالي بنفسي عرفاني بقيمتها فصنتها عن رخيص القدر مبتذل
يقول: إن عرفاني بنفسي يغالي الناس بقيمتها وما يجد لها كفؤا في القمة منهم فلهذا أحفظها ولا أبذلها لرخيص القدر مبتذل أي ممتهن
وعادة النصل أن يزهى بجوهره وليس يعمل إلا في يدي بطل
[ ١٥٣ ]
ما كنت أوثر أن يمتدّ بي زمني حتى أرى دولة الوغاد والسفل
تقدمتني أناس كان شوطهم وراء خطوي ولو أمشي على مهل
يقول تقدمني قوم كان جريهم وراء خطوي ولو أمشي متمهلًا
هذا جزاء امرئ أقرانه درجوا من قبله فتمنى فسحة الأجل
وإن علاني من دوني فلا عجب لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
فاصبر لها غير محتال ولا ضجر في حادث الدهر ما يغني عن الحيل
اللام في لها للتعدية والضمير راجع إلى معهود في الذهن لم يذكر وهي المقادير والأيام
أعدى عدوك ادنى من وثقت به فحاذر الناس واصحبهم على دخل
فإنما رجل الدنيا وواحدها من لا يعوّل في الدنيا على رجل
وحسن ظنك بالأيام معجزة فظن شرّا وكن منها على وجل
غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت مسافة الخلف بين القول والعمل
وشاب صدقك عند الناس كذبهم وهل يطابق معوج بمعتدل
يقول هل المعوج وهو الكذب يطابق المعتدل وهو الصدق
إن كان ينجع شيء في ثباتهم على العهود فسبق السيف للعذل
قوله فسبق السيف للعذل: أي فات الأمر فلم يفد العذل شيئًا كما أن السيف يسبق من يعذل
يا واردًا سؤر عيش كله كدر أنفقت صفوك في أيامك الأول
فيم اقتحامك لج البحر تركبه وأنت يكفيك منه مصة الوشل
ملك القناعة لا يخشى عليه ولا يحتاج فيه إلى الأنصار والخول
ترجو البقاء بدار لا ثبات لها فهل سمعت بظل غير منتقل
ويا خبيرًا على الأسرار مطلعًا اصمت ففي الصمت منجاة من الزلل
قد رشحوك لأمر إن فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
يقول: قد أهلوك لأمر إن فطنت له فاهرب منهم ولا تطاوعهم على ما يرومونه منك إن أردت أن لا ترعى مع الهمل. والهمل بالتحريك الابل التي لا راعي لها.
لامية ابن الوردي ﵀
اعتزل ذكر الغواني والغزل وقل الفصل وجانب من هزل
[ ١٥٤ ]
ودع الذكرى لأيام الصبا فالأيام الصبا نجم أفل
إن أحلى عيشة قضيتها ذهبت لذاتها والاثم حل
واترك العادة لا تحفل بها تمس في عز وترفع وتجل
وإله عن آلة لهو أطربت وعن الأمرد مرتج الكفل
إن تبدى تنكسف شمس الضحى وإذا ما ماس يزرى بالأسل
فاق إذ قسناه بالبدر سنا وعدلناه برمح فاعتدل
وافتكر في منتهى حسن الذي أنت تهواه تجد أمرًا جلل
واهجر الخمرة إن كنت فتى كيف يسعى في جنون من عقل
واتق الله فتقوى الله ما جاورت قلب امرئ إلا وصل
ليس من يقطع طرفًا بطلًا إنما من يتق الله البطل
صدّق الشرع ولا تركن إلى رجل يرصد في الليل زحل
حارت الأفكار في قدرة من قد هدانا سبلنا ﷿
كتب الموت على الخلق فكم فلّ من جيش وأفنى من دول
أين نمرود وكنعان ومن ملك الأرض وولى وعزل
أين من سادوا وشادوا وبنوا هلك الكل فلم تغن القلل
أين عاد أين فرعون ومن رفع الأهرام من يسمع يخل
أين أرباب الحجى أهل التقى أين أهل العلم والقوم الول
سيعيد الله كلًا منهم وسيجزي فاعلًا ما قد فعل
يا بني اسمع وصايا جمعت حكمًا خصت بها خير الملل
اطلب العلم ولا تكسل فما أبعد الخير على أهل الكسل
واحتفل للفقه في الدين ولا تشتغل عنه بمال وخول
واهجر النوم وحصلّه فمن يعرف المطلوب يحقر ما بذل
لا تقل قد ذهبت أربابه كل من سار على الدرب وصل
في ازدياد العلم ارغام العدا وجمال العلم اصلاح العمل
جمّل النطق بالنحو فمن يحرم الإعراب في النطق اختبل
انظم الشعر ولازم مذهبي فاطرح الرفد في الدنيا أقل
[ ١٥٥ ]
فهو عنوان على الفضل وما أحسن الشعر إذا لم يبتذل
مات أهل الجود لم يبق سوى مقرف أو من على الأصل اتكل
أنا لا أختار تقبيل يد قطعها أجمل من تلك القبل
إن جزتني عن مديحي صرت في رقها أولًا فيكفيني الخجل
أعذب الألفاظ قولي لك خذ وأمرّ اللفظ نطقي بلعل
ملك كسرى عنه تغني كسرة وعن البحر اكتفاء بالوشل
اعتبر نحن قسمنا بينهم تلقه حقًا وبالحق نزل
ليس ما يحوي الفتى من عزمه لا ولا ما فات يومًا بالكسل
قاطع الدنيا فمن عاداتها تخفض العالي وتعلي من سفل
عيشة الراغب في تحصيلها عيشة الجاهل بل هذا أذل
كم جهول وهو مثر مكثر وعليم مات منها بعلل
كم شجاع لم ينل منها المنى وجبان نال غايات الأمل
فاترك الحيلة فيها واتئد إنما الحيلة في ترك الحيل
أي كف لم تفد مما تفد فرماها الله منه بالشلل
لا تقل أصلي وفصلي أبدًا إنما أصل الفتى ما قد حصل
قد يسود المرء من غير أب وبحسن السبك قد ينفي الدغل
وكذا الورد من الشوك فما يطلع النرجس إلا من بصل
غير أني أحمد الله على نسبي إذ بأبي بكر اتصل
قيمة الانسان ما يحسنه اكثر الانسان منه أو أقل
اكتم الأمرين فقر أو غنى واكسب الفلس وحاسب من بطل
وادّرع جدًا وكدًا واجتنب صحبة الحمقى وأرباب الدول
بين تبذير وبخل رتبة وكلا هذين إن زاد قتل
لا تخض في حق سادات مضوا إنهم ليسوا بأهل للزلل
وتغافل عن أمور إنه لم يفز بالحمد إلا من غفل
ليس يخلو المرء من ضد وغن حاول العزلة في رأس جبل
غب عن المنام واهجره فما بلغ المكروه إلا من نقل
[ ١٥٦ ]
دار جار الدار إن جار وإن لم تجد صبرًا فما أحلى النقل
جانب السلطان واحذر بطشه لا تخاصم من إذا قال فعل
لا تل الحكم وإن هم سألوا رغبة فيك وخالف من عذل
إن نصف الناس أعداء لمن ولي الأحكام هذا إن عدل
فهو كالمحبوس عن لذاته وكلا كفيه في الحشر تغل
إن للنقص والاستثقال في لفظة القاضي لو عظا ومثل
لا توازي لذة الحكم بما ذاقه الشخص إذا الشخص انعزل
فالولايات وإن طابت لمن ذاقها فالسمّ في ذاك العسل
نصب المنصب أو هي جلدي وعنائي من مداراة السفل
قصر الآمال في الدنيا تفز فدليل العقل تقصير الأمل
إن من يطلبه الموت على غرة منه جدير بالوجل
غب وزر غبًا تجد حبًا فمن أكثر الترداد أصماه الملل
خذ بنصل السيف واترك غمده واعتبر فضل الفتى دون الخلل
لا يضر الفضل إقلال كما لا يضر الشمس إطباق الطفل
حبك الأوطان عجز ظاهر فاغترب تلق عن الأهل بدل
فبمكث الماء يبقى آسنًا وسرى البدر به البدر اكتمل
أيها الغائب قولي عبثًا إن طيب الورد مؤذ بالعجل
عد عن أسهم الولى واستتر لا يصيبنك سهم من ثعل
لا يغرنك لين من فتى إن للحيات لينًا يعتزل
أنا مثل الماء سهل سائغ ومتى سخن آذى وقتل
أنا كالخيروز صعب كسره وهو لدن كيفما إن شئت انفتل
غير أني في زمان من يكن فيه ذو مال هو المولى الأجل
واجب عند الورى إكرامه وقليل المال فيهم يستقل
كل أهل العصر غمر وأنا منهم فاترك تفاصيل الجمل
وصلاة الله ربي كلما طلع الشمس نهارًا أو أفل
للذي حاز العلا من هاشم أحمد المختار من ساد الأول
[ ١٥٧ ]
وعلى آل وصحب وسادة ليس فيهم عاجز إلا بطل
قد ختم الباب الرابع من كتاب نفحة اليمن فيما يزول بذكره الشجن، بعون الملك الأعلى وقوته العلى، ويتلوه الباب الخامس إن شاء الله تعالى، والحمد لله على ذلك حمدًا كثيرًا جزيلًا
-