حكي أن فرسًا كان لرجل من الشجعان وكان يكرمه ويحسن القيام بخدمته ولا يصبر عنه ساعة ويعده لمهماته وكان يخرج به في كل غداة إلى مرج واسع فينزل عنه سرجه ولجامه ويطيل رسنه فيتمرغ ويرعى حتى ترتفع الشمس فيرده إلى منزله وأنه خرج يومًا على عادته إلى المرج فلما نزل عنه واستقرت قدماه على الأرض نفر عنه
[ ١٨٥ ]
الفرس وجمح ومر يعدو بسرجه ولجامه فطلبه الفارس يومه كله فأعجزه وغاب عن عينيه عند غروب الشمس فرجع الفارس إلى أهله وقد يئس من الفرس ولما انقطع الطلب عن الفرس وأظلم عليه الليل جاع فرام أن يرعى فمنعه اللجام ورام أن يتمرغ فمنعه السرج ورام أن يستقر على أحد جنبيه فمنعه الركاب فبات بأشر ليلة ولما أصبح ذهب يبتغي فرجًا مما هو فيه فاعترضه نهر فدخله ليقطعه إلى الجانب الآخر فإذا هو بعيد القعر فسبح فيه إلى الجانب الآخر وكان حزامه من جلد لم يبالغ في دبغه فلما خرج من النهر أصابت الشمس الحزام فيبس واشتد عليه فورم عنقه ووسطه واشتد الضرر عليه مع ما به من الجوع فلبث بذلك أيامًا إلى أن ضعف عن المشي فقعد فمر به خنزير وهم بقتله ثم عطف عليه لما رأى ما به من الضعف فسأله عن حاله فأخبره بما هو فيه من أضرار اللجام والسرج والحزام وسأله
أن يصطنع عنده معروفًا ويخلصه مما ابتلي به فسأله الخنزير عن الذنب الذي استحق به تلك العقوبة فزعم الفرس أنه لا ذنب له، فقال له الخنزير كلا بل أنت كاذب في زعمك أو جاهل بجرمك فإن كنت يا فرس كاذبًا فما ينبغي لي أن أنفس عنك خناقًا ولا أصطنع عندك معروفًا ولا أتخذك وليًا ولا ألتمس عندك شكرا ولا أطلب فيك اجرًا فإنه كان يقال احذر مقاربة ذوي الطباع المرذولة لئلا يسرق طبعك من طباعهم وأنت لا تشعر وكان يقال لا تطمع في استصلاح الرذل فإنه لن يترك طباعه من أجلك ثم قال له الخنزير وإن كنت أيها الفرس جاهلًا بجرمك الذي استوجبت به هذه العقوبة فجهلك بذنبك أعظم منه فإن من جهل ذنوبه أصر عليها فلم يرج فلاحة فقال الفرس للخنزير ينبغي لك أن تزهد في اصطناع المعروف فإن الدهر ذو صروف فقال الخنزير إني لست بزاهد في ذلك ولكنه كان يقال العاقل يتخير لمعروفه كما يتخير الباذر لبذره ما زكا من الأرض فحدثني يا فرس عن ابتداء أمرك فيما نزل بك وعن حالك قبل ذلك لأعلم من أين دهيت فحدثه الفرس عن جميع أمره وكيف كان عند فارسه وكيف فارقه وما لقي في طريقه إلى حين اجتماعه بالخنزير فقال له الخنزير قد ظهر لي الآن أنك جاهل بجرمك وأن لك ذنوبًا ستة احدها خذلانك فارسك الذي أحسن إليك وأعدك للمهمات والثاني كفرك لإحسانه والثالث إضرارك به في طلبك والرابع تعديك على ما ليس لك من العدّة وهي السرج واللجام
[ ١٨٦ ]
والخامس إساءتك على نفسك بتعاطيك التوحش الذي لست له أهلًا ولا لك عليه مقدرة والسادس إصرارك على ذنبك وتماديك في غوايتك فقد كنت متمكنا من العود إلى صاحبك والاستقالة من فرط جهلك قبل أن يوهنك اللجام بالجوع والحزام بالضبط فقال الفرس للخنزير أما إذا عرفتني ذنوبي وأيقظتني لما كنت جاهلًا عنه محجوبًا بحجاب الجهل فانطلق الآن ودعني فإني مستحق لأضعاف ما أنا فيه فقال له الخنزير أما إذا اعترفت وفطنت لهذا ولمت نفسك ووبختها واخترت لنفسك العقوبة على جهلها فإنك حقيق بأن يفرج عنك ثم إن الخنزير قطع عنه اللجام والحزام فسقط السرج وفرج عنه وتركه وانطلق.
قال حكيم إذا كانت مغالبة القدر مستحيلة فماذا تنفع الحيلة. قال الشاعر:
وقد ترجو فيعسر ما ترجى عليك وينجح الأمر العسير
وما تدري أفي المر المرجى أم الذي يخشى السرور
لو أن الأمر مقبله جلى كمدبره لما على البصير
قال حكيم: العلم خليل المؤمن والحلم وزيره والعقل دليله الظفر يعشق الصبر كما يعشق الحديد المغناطيس، أقل فوائد الصبر على البلية أن تنغص به لذة عدوك الشامت بك، ارجع عن تدبيرك لنفسك فقد أراحك منه غيرك وقس يومك على أمسك فعلى حذوه مصيرك، إذا لم يمش الزمان معك على ما تريد فامش معه على ما يريد ولله در القائل:
إذا ما تحيرت في حالة ولم تدر فيها الخطا والصواب
فخالف هواك فإن الهوى يقود النفوس إلى ما يعاب
وقال آخر: من غرس الصبر اجتنى الظفر ومن غرس العلم اجتنى النباهة ومن غرس الوقار اجتنى الهيبة ومن غرس المداراة اجتنى السلامة ومن غرس الكبر اجتنى المقت ومن غرس الإحسان اجتنى المحبة ومن غرس الفكرة اجتنى الحكمة ومن غرس الحرص اجتنى الذلّ ومن غرس الحسد اجتنى الكمد، وقال حكيم ما مضت ساعة من دهرك إلا ببضعة من عمرك، الدنيا إن أقبلت فهي فتنة وغن أدبرت فهي محنة فأعرض عنها قبل أن تعرض عنك.