ومن نعوت الوزن الترصيع، وهو أن يتوخى فيه تصيير مقاطع الأجزاء في البيت على سجع أو شبيه به أو من جنس واحد في التصريف، كما يوجد ذلك في أشعار كثير من القدماء المجيدين من الفحول وغيرهم، وفي أشعار المحدثين المحسنين منهم.
فمما جاء في أشعار القدماء قول امرئ القيس الكندي:
مِخَشٍّ مِجَشٍّ مُقْبل مُدْبِرٍ معًا كَتَيْسِ ظِبَاءِ الحُلَّبِ العَدْوَانِ
فأتى باللفظتين الأوليين مسجوعتين في تصريف واحد، وبالتاليتين لهما شبيهتين بهما في التصريف، وربما كان السجع ليس في لفظة لفظة، ولكن في لفظتين لفظتين بالوزن نفسه كقوله:
ألصُّ الضُّروُسِ حَنِىُّ الضُّسسلُوعِ تَبُوعٌ طلوبٌ نَشِيطٌ أشِرْ
وفي قصيدة أخرى سجع في لفظتين لفظتين بالحرف نفسه مثل قوله:
وَأَوْتَادُهُ مَاذِيَّةٌ وَعَمِادُهُ رُدَيْنِيَّةٌ فيها أَسِنَّةُ قَعْضَبِ
وقال زهير بن أبي سلمى:
كبْداءُ مُقْبِلَةٌ وَرْكَاءُ مُدْبِرَة قَوْدَاءُ فيها إذا اسْتَعْرَضْتَهَا خَضَعُ
فأتى بفعلاء مفعلة تجنيسًا للحروف بالأوزان: وقال أوس بن حجر:
جُشَّا حَنَاجِرُها عُلْمًا مَشَافِرُهَا تَسْتَنُّ أَوْلادُهَا في دَحْضِ أَنْضَاحِ
وقال طرفة:
بطَئٍ عَنِ الْجُلِّى سَرِيعٍ إلى الْخَنَا ذَلُولٍ بأَجْمَاعِ الرِّجَالِ مُلَهَّدِ
[ ١١ ]
وقال عمرو بن أحمر الباهلي:
فَمِثْلُكِ أَلْوَى بِالفُؤَادِ وَزَارَ بال عِدَادِ وأَصْحَى فِي الْحَيَاةِ وأَسْكَرَا
وقال النمر بن تولب:
مِنْ صَوْبِ سَارِيَةِ عَلَّتْ بغَاديَةٍ تَنْهَلُّ حتى يَكَادُ الصُّبْحُ يَنْجَابُ
وقال:
طَويلُ الذِّرَاعِ قَصِيرُ الْكِرا ع يُوَاشِكُ في السَّبْسَبِ الأَغْبَرِ
وقال اللعين المنقري:
مَكيثٌ إذَا اسْترخَى كَمِيش إذا انْتَحَى على القرب الأَقْصَى، وشَدَّ له الأَزْرَا
وقال الأسود بن يعفر:
هم الأُسْرَةُ الدُّنْيَا وَهُمْ عدَدُ الْحَصَى وإخْوَانُنا من أُمِّنا وأبينَا
وقال أبو زبيد الطائي:
غَيْرُ فاشٍ شَتْمًا ولا مُخْلِفٍ طَعْ مًا إذَا كَانَ بالسَّدِيفِ السَّبِيكِ
وقال آخر:
قامُوا فَجَاءُوا بِفَكَّاكِ الْعُنَاةِ ومِعْ طَاءِ الجزِيل ومأَوى كلِّ مَلْهُوفِ
وقال الأفوه الأودي:
سُودٌ غَدَائِرُها بُلْجٌ مَحَاجِرُهَا كأنَّ أْطَرَافَهَا لَمَّا اجْتَلَى الطَّنَفُ
وقال العجير بن عبد الله السلولي
حُمّ الذَّرى مرسلة منه العرى وزَجَلات الرَّعْد في غيْر صَعَقْ
وقال سليك بن سلكة:
إذَا أَسْهَلَتْ خَبَّتْ وإن أحْزَنَتْ مَشَتْ وتغشى بها بين البُطُونِ وتصدف
وقال الشماخ:
رَعَيْنَ النَّدَى حَتَّى إذَا وَقَدَ الْحصَى ولم يَبْقَ من نَوْءِ السَّمَاك يُرُوق
وقال عبيد الراعي:
ضِعَافُ الْقُوى لَيْسُوا كَمَنْ يَبْتَنِى العُلَى جَعَاسِيس قَصَّارُونَ دُونَ المَكَارِمِ
وقال أيضًا:
سُودٌ مَعَاصِمُهَا جُعْدٌ مَعَاقِصُها قَدْ مَسَّها من عَقِيدِ الْقَارِ تَفْصِيلُ
[ ١٢ ]
وقال بشامة بن عمرو بن الغدير:
هَوَانَ الْحَيَاة وخِزْىَ المَمَاتِ وَكُلًا أرَاهُ طعَامًا وَبِيلا
وقالت ليلى الأخيلية: وقَدْ كان مَرْهُوبَ السِّنانَ وَبَيَّنَ الل - سان ومِجْذَامَ السُّرَى غيْرَ فاتِرِ وقال ناهض بن ثومة الكلابي:
صَخُوب الصَّدَى ظمْأَى القطامرَّة السرى رَكا ماءَها بين النعام الخرائش
وأكثر الشعراء المصيبين من القدماء والمحدثين قد غزوا هذا المغزى ورموا هذا المرمى، وإنما يحسن إذا اتفق له في البيت موضع يليق به، فإنه ليس في كل موضع يحسن، ولا على كل حال يصلح، ولا هو أيضًا إذا تواتر واتصل في الأبيات كلها بمحمود، فإن ذلك إذا كان، دل على تعمل وأبان عن تكلف.
على أن من الشعراء القدماء والمحدثين من قد نظم شعره كله أو إلى بين أبيات كثيرة منه منهم أبو صخر الهذلي، فإنه أتى من ذلك بما يكاد لجودته أن يقال فيه إنه غير متكلف، وهو قوله:
وتلك هَيْكَلَةٌ خَوْدٌ مُبَتَّلةٌ صفْرَاءُ رَعْبَلَةٌ في مَنْصِبٍ سَنِمِ
عذْبٌ مُقْبَّلُهَا جَدْلٌ مُخَلْخَلُهَا كالدِّعْصِ أَسْفَلُهَا مخْصُورةُ الْقَدمِ
سُودٌ ذَوَائِبُهَا بِيضٌ تَرَائِبُهَا محْضٌ ضَرَائِبُهَا صِيغَتْ عَلَى الْكَرمِ
عبْلٌ مُقَيَّدُها حَالٍ مَقَلَّدُهَا بضٌّ مُجَرَّدُهَا لَفَّاءُ في عَمَمِ
سمْحٌ خَلائِقُهَا دُرْمٌ مَرَافِقُهَا يَرْوَى مُعانِقُهَا من بارِدِ الشَّبمِ
كأنَّ مُعْتَقَةً في الدَّنِّ مُغْلَقَةً صَهْبَاءَ مُصْفَقَةً مِنْ رَابئٍ رَذِمِ
شيِبَتْ بِمَوْهَبَةٍ من رأَسِ مَرْقَبةٍ جَرْدَاءَ مَهْيَبَةٍ في حَالِقِ شَمَمِ
خالَطَ طَعْمَ ثَنَايَاهَا ورِيقتها إذا يكون تَوالى النَّجْم كالنُّظُمِ
ومنهم أبو المثلم فإنه قال:
لو كان للدَّهْرِ مالٌ كان متُلْده لكان للدَّهْرِ صَخْرٌ مالَ قُنْيَانِ
آبِى الْهَضِيمَةِ نَابٍ بالعَظَيمَةِ مِت لافُ الكَرِيمَةِ لا سِقْطٌ ولا وانِى
[ ١٣ ]
حامِى الحقيقةِ نَسَّالُ الْوَدِيقَةِ مِعْ تَاقُ الوَسِيقَةِ جَلْدٌ غَيْرُ ثُنْيَانِ
رَبّاءُ مَرْقَبَةٍ مَنَّاعُ مَغْلَبةٍ وَهَّابُ سَلْهَبَةٍ قَطَّاعُ أَقْرَانِ
هَبَّاطُ أوْدِيَةٍ حَمَّالُ ألْوِيَة شَهَّادُ أَنْدِيَةٍ سِرْحَانُ فِتْيَانِ
يُعْطيكَ مَا لا تكادُ النَّفْسُ تُرْسِلُهُ مِنَ التِّلادِ وَهُوبٌ غَيْرُ مَنَّانِ
ومثل ذلك للمحدثين أيضًا كثير.
وإنما يذهبون في هذا الباب إلى المقاربة بين الكلام بما يشبه بعضه بعضًا، فإنه لا كلام أحسن من كلام رسول الله ﷺ وآله وسلم، وقد كان يتوخى فيه مثل ذلك، فمنه ما روى عنه ﵇ من أنه عوذ الحسن والحسين ﵉ فقال: أعيذهما من السامة والهامة وكل عين لامة وإنما أراد ملمة، فلا تباع الكلمة أخواتها في الوزن، قال: لامة.
وكذلك ما جاء عنه صلى اله عليه وسلم، أنه قال: خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة، فقال: مأمورة من أجل مأبورة والقياس: مؤمرة.
وجاء في الحديث: يرجعن مأزورات غير مأجورات. وإذا كان هذا مقصودًا له في الكلام المنثور، فاستعماله في الشعر الموزون أقمن وأحسن.