التكافؤ
وهو أن يصف الشاعر شيئًا أو يذمه، أو يتكلم فيه بمعنى ما، أي معنى كان، فيأتي بمعنين متكافئين، والذي أريد بقولي: متكافئين، في هذا الموضع: متقاومان، إما من
[ ٥١ ]
جهة المضادة أو السلب والإيجاب أو غيرها من أقسام التقابل، مثل قول أبي الشغب العبسي:
حلوُ الشمائِل، وهوَ مرٌّ باسلٌ يحمِي الذمارَ صبيحةَ الإرهاقِ
فقوله: حلو ومر: تكافؤ.
ومثل قول أم الضحاك المحاربية:
كيفَ يسامِي خالدًا أو ينالهُ خميصٌ من التقوى بطينٌ من الخمرِ
فقولها: خميص وبطين: تكافؤ، ومثل قول طرفة:
بطيءٍ عن الجلَّى سريعٍ إلى الخنَا ذليلٍ بأجماعِ الرجالِ ملهدِ
فقوله: سريع وبطيء: تكافؤ، ومثل قول زهير:
حلماءُ في النادِي إذا ما جئتهمْ جهلاءُ يومَ عجاجةٍ ولقاءِ
فقوله: حلماء وجهلاء: تكافؤ، ومثل قول حميد بن ثور الهلالي:
فلمْ أرَ محزونًا له مثلُ صوتهَا ولا عربيًا شاقهُ صوتُ أعجمَا
فقوله: عربي وأعجم: تكافؤ، ومثل قول الآخر:
بطاءٌ عن الفحشاءِ لا يحضرونَهَا سراعٌ إلى داعِي الصباحِ المثوبِ
ومثل قول العباس بن مرداس:
مطهَّمًا خلقهُ شثْنًا سنابكهُ صعْلًا على أن في الجنبينِ إجفارَا
فجعل: صعلًا مكافئًا لمجفر، ومثل قول الفرزدق:
فتَى السنِّ كهلُ الحلْم قد عرفتْ لهُ قبائلُ ما بينَ الدنا وإيادِ
فقوله: فتى: مكافأة لقوله: كهل، وقال الفرزدق أيضًا:
لعمرِي لئنْ قلَّ الحصَى في رجالكُم بني نهشلٍ ما لؤمكمْ بقليلِ
فهذا ضرب من المكافأة من جهة السلب، ومنه قول خولة بنت عيينة بن مرداس، هو ابن فسوة الشاعر:
يحكُّ بحامِي أيرهِ باردَ استهَا كما استولجتْ ظمياءُ أيرَ ابن غالبِ
فكافأت بقولها حامي كذا وبارد كذا.
ومن هذه الجهة استجاد الناس قول دعبل، حين روي عنه أنه قال: أن ابن قولي:
لا تعجبِي يا سلمَ منْ رجلٍ ضحكَ المشيبُ برأسهِ فبكَى
لأن ضحك وبكى: مكافأة.
وقد أتى المحدثون من التكافؤ بأشياء كثيرة، وذلك أنه بطباع أهل التحصيل والروية في الشعر، والتطلب لتجنيسه، أولى منه بطباع القائلين
[ ٥٢ ]
على الهاجس بحسب ما يسنح من الخاطر، مثل الأعراب ومن جرى مجراهم، على أن أولئك بطباعهم قد أتوا بكثير منه، وقد قدمنا بعضه.
ومما للمحدثين في ذلك، قول بشار:
إذا أيقظتكَ حروبُ العدَى فنبهْ لها عمَرًا ثمَّ نَمْ
فنبه ونم: تكافؤ، وله أثر في تجويد الشعر قوي، فإنه لو قال مثلا: فجرد لها عمرًا، لم يكن لهذه اللفظة من الموقع مع من ما لنبه.
الالتفاف:
ومن نعوت المعاني الالتفاف - وبعض الناس يسميه الاستدراك - وهو ا، يكون الشاعر آخذًا في معنى، فكأنه يعترضه إما شك فيه أو ظن بأن رادًا يرد عليه قوله، أو سلائلًا يسأله عن سببه، فيعود راجعًا على ما قدمه، فإما أن يؤكده أو يذكر سببه أو يحل الشك فيه، مثال ذلك قول المعطل، أحد بني رهم من هذيل:
تبينُ صلاةُ الحرب منا ومنهمُ إذا ما لتقينا والمسالمُ بادنُ
فقوله: والمسالم بادن: رجوع على المعنى الذي قدمه حين بين ان علامة صلاة الحرب من غيرهم أن المسالم يكون بادنًا والمحارب ضامرًا، وقول الرماح بن ميادة:
فلا صرمُة يبدُو، وفي اليأسِ راحةٌ ولا وصلُه يصفُو لنا فنكارِمُهْ
فكأنه بقوله: وفي اليأس راحة: التفت إلى المعنى، لتقديره أن معارضًا يقول له: وما تصنع بصرمه؟ فقال: لأن في اليأس راحة.
ومن هذا الجنس قول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر:
وأجمِلْ إذا ما كنتَ لا بُدَّ مانِعًا وقد يَمْنَعُ الشيءَ الفتَى وهو مجملُ.
ومنه قول امرئ القيس:
يا هَلْ أتاكَ وقد يُحَدِّثُ ذوُ الودِّ القديم مسمةَ الدَّخْل
فكأنه لما قال: أتاك، وكان المعنى مسرًا غير مظهر، توهم أن المخاطب يقول له: كيف يبلغني؟ فقال: وقد يحدث ذو الود القديم مسمة الدخل، وقول طرفة:
[ ٥٣ ]
وتصدُّ عنك مخيلةَ الرجلِ ال مشنوفِ موضحةٌ عن العظمِ
بحسامِ سيفكِ أو لسانكَ، وال كلمُ الأصيلُ كأرغبِ الكَلِم
فكأنه لما بلغ بعد حسامك إلى لسانك قدر أن معترضًا يعترضه، فيقول: كيف يكون مجرى السيف واللسان واحدًا؟ فقال: والكلم الأصيل كأشد الجراح وأكثرها اتساعًا.
ومنه قول جدير بن ربعان:
معازيلُ في الهيجاءِ ليسُوا بذادَةٍ مجازيعُ عندَ اليأسِ، والحرُّ يصبِر
ففي قوله: والحر يصبر: التفات إلى أول كلامه.
الاستغراب والطرفة:
وقد يضع الناس في باب أوصاف المعاني: الاستغراب والطرفة. وهو أن يكون المعنى مما لم يسبق إليه على جهة الاستحسان.
وليس عندي أن هذا داخل في الأوصاف، لأن المعنى المستجاد إنما يكون مستجادًا إذا كان في ذاته جيدًا، فإما أن يقال له: جيد، إذا قاله شاعر من غير أن يكون تقدمه من قال مثله، فهذا غير مستقيم، بل يقال لما جرى هذا المجرى: طريف وغريب، إذا كان فردًا قليلًا، فإذا كثر لم يسم بذلك.
وغريب وطريف، هما شيء آخر غير حسن أو جيد، لأنه قد يجوز أن يكون حسن جيد: غير طريف ولا غريب، وطريف غريب: غير حسن ولا جيد، فأما حسن جيد غير غريب ولا طريف، فمثل تشبيههم الدروع بحباب الماء الذي تسوقه الرياح، فإنه ليس يزيل جودة هذا التشبيه تعاور الشعراء إياه قديمًا أو حديثًا، وأما غريب وطريف لم يسبق إليه، وهو قبيح بارد، فملء الدنيا، مثل أشعار قوم من المحدثين سبقوا إلى البرد فيها.
والذي عندي في هذا الباب أن الوصف فيه لاحق بالشاعر المبتدئ بالمعنى الذي لم يسبق إليه لا إلى الشعر، غذ كانت المعاني مما لا يجعل القبيح منها حسنًا سبق السابق إلى استخراجها، كما لا يجعل الحسن قبيحًا الغفلة عن الابتداء بها، وأحسب أنه اختلط على كثير من الناس وصف الشعر بوصف الشاعر، فلم يكادوا يفرقون بينهما، وإذا تأملوا هذا الأمر نعمًا، علموا أن الشاعر موصوف بالسبق إلى المعاني واستخراج ما لم يتقدمه أحد إلى استخراجه، لا الشعر.