ومما جاء في الشعر من التناقض على طريق القنية والعدم، قول ابن نوفل:
لأعلاجٍ ثمانيةٍ وشيخٍ كبيرِ السنِّ ذي بصرٍ ضريرٍ
فلفظة: ضرير إنما تستعمل - وهي تصريف فعيل من الضر - في الأكثر للذي لا بصر له، وقول هذا الشاعر في هذا الشيخ: إنه ذو بصر وإنه ضرير، تناقض من جهة القنية والعدم، وذلك أنه كأنه يقول: إن له بصرًا ولا بصر له، فهو بصير أعمى.
فإن قال قائل: إنه ضرير، راجع على البصر بأنه أعمى، فالعرب أولًا إنما تريد بضرير الإنسان الذي قد لحقه الضر بذهاب بصره لا البصر نفسه، وأيضًا فليس البصر هو العين التي يقع عليها العمى بل ذات الإبصار، وذات الإبصار لا يقال: إنها عمياء، كما لا يقال: إن حدة السيف كليلة، بل إنما يقال: إن السيف كليل، لأن الحدة، لا تكل، وكذلك البصر لا يعمى، ولكن هو في توسع اللغة، وتسمح العرب في اللفظ جائز على طريق المجاز، وقد جاء في أقوى المواضع حجة، وهو القرآن في قوله ﷿ فإنها لا تعمي الأبصار ولكنه إذا جاز في البصر أن يقال: أعمى، فلا أراه يجوز
[ ٨١ ]
أن يقال فيه: مضرور، وارى إنما يدخل في هذا الباب.
ومن التناقض قول ابن الرمة:
تراهُ إذا أبصرَ الضيفَ كلبهُ يكلمهُ من حبّه وهو أعجمُ
فإن هذا الشاعر أقنى الكلب الكلام، في قوله: أنه يكلمه، ثم أعدمه إياه عند قوله: إنه أعجم، من غير أن يزيد في القول ما يدل على أن ما ذكره إنما أجراه على طريق الاستعارة، فإن عذر هذا الشاعر ببعض المعاذير، إذ كانت الحجج كثيرة، فهلا قال كما قال عنترة العبسي:
فازورَّ من وقعِ القَنا بلبانهِ وشكَا إلى بعبرةٍ وتحمحمِ
فلم يخرج الفرس عما له من التحمحم إلى الكلام، ثم قال:
لو كانَ يدرِي ما المحاورةُ اشتكَى ولكان، لو علِم الكلامَ، مكلمِي
فوضع عنترة ما أراده في موضعه.