التوشيح
وهو أن يكون أول البيت شاهدًا بقافيته، ومعناها متعلقًا به، حتى أن الذي يعرف قافية القصيدة التي البيت منها، إذا سمع أول البيت عرف آخره وبانت له قافيته، مثال ذلك قول الراعي:
وإن وزن الحصى فوزنت قومي وجدت حصى ضريبتهم رزينا
فإذا سمع الإنسان أول هذا البيت، وقد تقدمت عنده قافية القصيدة، استخرج لفظة قافيته، لأنه يعلم أن قوله: وزن الحصى، سيأتي بعده: رزين، لعلتين: إحداهما أن قافية القصيدة توجيه، والأخرى أن نظام المعنى يقتضيه، لأن الذي يفاخر برجاحة الحصى يلزمه أني قول في حصاه إنه رزين.
وقول العباس بن مرداس:
هم سودوا هجنًا وكل قبيلة يبين عن أحسابها من يسودها
فمن تأمل هذا البيت، وجد أوله يشهد بقافيته، وقول نصيب:
وقد أيقنت أن ستبين ليلى وتحجب عنك إن نفع اليقين
وقول مضرس بن ربعي:
تمنيت أن ألقى سليمًا ومالكًا على ساعة تنسى الحليم الأمانيا
ومن أنواع ائتلاف القافية مع سائر البيت: الإيغال.
الإيغال:
وهو ا، يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تامًا من غير أن يكون للقافية فيما ذكره صنع، ثم يأتي بها لحاجة الشعر، في أن يكون شعرًا، غليها، فيزيد بمعناها في تجويد ما ذكره في البيت، كما قال امرؤ القيس:
كأن عيون الوحش حول خبائنا وأرجلنا الجزع الذي لم يثقب
فقد أتى امرؤ القيس على التشبيه كاملًا قبل القافية، وذلك أن عيون الوحش شبيهة بالجزع، ثم لما جاء بالقافية أوغل بها في وصف ووكده، وهو قوله: الذي لم يثقب، فإن عيون الوحش غير مثقبة، وهي بالجزع الذي لم يثقب أدخل في التشبيه، وقال زهير:
كأن فتات العهن في كل منزل نزلن به حب الفنا لم يحطم
فالعهن: هو الصوف الأحمر، والفنا: حب تنبته الأرض أحمر، فقد أتى على الوصف
[ ٦٣ ]
قبل القافية، لكن حب الفنا إذا كسر كان مكسره غير أحمر، فاستظهر في القافية لما أن جاء بها، بأن قال: لم يحطم، فكأنه وكد التشبيه بإبغاله في المعنى، قال امرؤ القيس:
إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه تقول هزيز الريح مرت بأثأب
فقد تم أوصف والتشبيه قبل القافية، لأنه يكفي أن يشبه حفيف جري الفرس بالريح، فلما أتى بالقافية، أوغل إيغالًا زاد به في المعنى، وذلك أن الأثاب شجر للريح في أضعاف أغصانه حفيف شديد.
حدثني التوزي قال: قلت للأصمعي: من أشعر الناس؟ فقال: من يأتي إلى المعنى الخسيس فيجعله بلفظه كبيرًا، أو إلى الكبير فيجعله بلفظه خسيسًا، أو ينقضي كلامه قبل القافية، فإذا احتاج إليها أفاد بها معنى.
قال: قلت: نحو من.
قال: نحو ذي الرمة، حيث يقول:
قف العيس في أطلال مية فاسأل رسومًا كأخلاق الرداء المسلسل
فتم كلامه قبل المسلسل، ثم قال: المسلسل، فزاد شيئًا. ثم قال:
أظن الذي يجدي عليك سؤالها دموعًا كتبديد الجمان المفصل
فتم كلامه، ثم احتاج إلى القافية، فقال: المفصل، فزاد شيئًا.
قال: قلت: ونحو من؟ قال: الأعشى، حيث قال:
كناطح صخرة يومًا ليفلقها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
فتم مثله إلى قوله: قرنه، فلما احتاج إلى القافية، قال الوعل، فزاد معنى.
قلت: فكيف صار الوعل مفضلًا على كل ما ينطح؟ قال: لأنه ينحط من قلة الجبل على قرنيه فلا يضيره.