وأقدم أمام كلامي في هذه الأقسام قولًا يحتاج إلى تقديمه، وهو أني رأيت الناس مختلفين في مذهبين من مذهب الشعر، وهما الغلو في المعنى إذا شرع فيه، والاقتصار عل الحد الأوسط فيما يقال منه، وأكثر الفريقين لا يعرف من أصله ما يرجع إليه ويتمسك به، ولا من اعتقاد خصمه ما يدفعه ويكون أبدًا مضادًا له، لكنهم يخبطون في ظلماء، فمرة يعمد أحد الفريقين إلى ما كان من جنس قول خصمه فيعتقده، ومرة يعمد إلى ما جانس قوله في نفسه فيدفعه ويعتقد نقضه، وقد شهدت أنا، ممن هذه سبيله، قومًا يقولون إن قول مهلهل ابن ربيعة:
فلولا الريحُ أسمعُ أهل حَجْرٍ صليل البيضِ تقرعُ بالذكور
خطأ من أجل أنه كان بين موضع الوقعة التي ذكرها وبين حجر مسافة بعيدة جدًا.
وكذلك يقولون في قول النمر بن تولب:
أبقى الحوادثُ والأيامُ من نَمْرٍ أسْبَادَ سيفٍ قديمٍ إثرُه بادِ
[ ١٧ ]
تظلُّ تحْفِرُ عنه إن ضَرَبْتَ بهِ بَعْد الذراعينِ والسَّاقينِ والهادِي
وكذلك في قول أبي نواس:
وأخفْت أهل الشركِ حتى أنهُ لتخافُك النطفُ التي لم تُخْلَقِ
ثم رأيت هؤلاء بأعيانهم في وقت آخر يستحسنون ما يروون من طعن النابغة على حسان بن ثابت ﵁ في قوله:
لنا الجَفْنَاتُ الغُرُّ يلمعنَ بالضُّحَى وأَسْيَافُنَا يَقْطُرْنَ مِن نَجْدَةٍ دَمَا
وذلك أنهم يرون موضع الطعن على حسان إنما هو قوله: الغر، وكان ممكنًا أن يقول: البيض، لان الغرة: بياض قليل في لون آخر غيره كثير، وقالوا فلو قال: البيض، لكان أكثر من الغر.
وفي قوله: يلمعن بالضحى، ولو قال: بالدجى، لكان أحسن.
وفي قوله: وأسيافنا يقطرن من نجدة دمًا، قالوا: ولو قال: يجرين، لكان أحسن، إذ كان الجري أكثر من القطر.
فلو أنهم يحصلون مذاهبهم لعلموا أن هذا المذهب في الطعن على شعر حسان غير المذهب الذي كانوا معتقدين له من الإنكار على مهلهل، والنمر، وأبي نواس، لأن المذهب الأول إنما هو لمن أنكر الغلو، والثاني لمن استجاده، فإن النابغة - على ما حكى عنه - لم يرد من حسان إلا الإفراط والغلو بتصييره مكان كل معنى وضعه ما هو فوقه وزائد عليه، وعلى أن من أنعم النظر علم أن هذا الرد على حسان من النابغة - كان أو من غيره - خطأ بين، وأن حسان مصيب، إذ كانت مطابقة المعنى بالحق في يده، وكان الراد عليه عادلًا عن الصواب إلى غيره.
فمن ذلك أن حسان لم يرد بقوله: الغر، أن يجعل الجفان بيضًا، فإذا قصر عن تصيير جميعها أبيض نقص ما أراده، وإنما أراد بقوله: الغر، المشهورات، كما يقال يوم أغر ويد غراء، وليس يراد البياض في شيء من ذلك، بل تراد الشهرة والنباهة.
وأما قول النابغة في: يلمعن بالضحى، أنه لو قال: بالدجى، لكان أحسن من قوله: بالضحى، إذ كل شيء يلمع بالضحى، فهو خلاف الحق وعكس الواجب، لأنه ليس يكاد يلمع بالنهار من الأشياء إلا الساطع النور الشديد الضياء، فأما الليل فأكثر الأشياء، مما له أدنى نور وأيسر بصيص، يلمع فيه، فمن ذلك الكواكب، وهي بارزة لنا مقابلة لأبصارنا، دائمًا تلمع
[ ١٨ ]
بالليل ويقل، لمعانها بالنهار حتى تخفى، وكذلك السرج والمصابيح ينقص نورها كلما أضحى النهار، والليل تلمع فيه عيون السباع لشدة بصيصها، وكذلك اليراع حتى تخال نارًا.
وأما قول النابغة، أو من قال: إن قوله في السيوف: يجرين، خير من قوله: يقطرن، لأن الجري أكثر من القطر، فلم يرد حسان الكثرة، وإنما ذهب إلى ما يلفظ به الناس ويتعاودونه من وصف الشجاع الباسل والبطل الفاتك بأن يقولوا: سيفه يقطر دمًا، ولم يسمع: سيفه يجري دمًا، ولعله لو قال: يجرين دمًا، لعدل عن المألوف المعروف من وصف الشجاع النجد إلى ما لم تجر عادة العرب به.
ولنرجع إلى ما بدأنا بذكره من الغلو والاقتصار على الحد الأوسط، فأقول: إن الغلو عندي أجود المذهبين، وهو ما ذهب إليه أهل الفهم بالشعر والشعراء قديمًا.
وقد بلغني عن بعضهم أنه قال: أحسن الشعر أكذبه.
وكذلك يرى فلاسفة اليونانيين في الشعر على مذهب لغتهم.
ومن أنكر على مهلهل والنمر وأبي نواس قولهم المقدم ذكره، فهو مخطئ، لأنهم وغيرهم - ممن ذهب إلى الغلو - إنما أرادوا به المبالغة، وكل فريق إذا أتى من المبالغة والغلو بما يخرج عن الموجود ويدخل في باب المعدوم، فإنما يريد به المثل وبلوغ النهاية في النعت، وهذا أحسن من المذهب الآخر، فإن قول النابغة الجعدي في معنى قول النمر على مذهب الاقتصاد ولزوم الحد الأوسط:
وَقَدْ أَبْقَتْ صُرُوفُ الدَّهْرِ مِنِّي كَمَا أَبْقَتْ مِنَ السَّيْفِ الْيَمَانِي
دون قول النمر، لأن في قول النمر دليلًا قويًا على أن ما بقي منه أكثر مما بقي من النابغة.
وكذلك قول كعب بن مالك الأنصاري في معنى قول مهلهل ووصفه صوت الضرب:
مَنْ سَرَّهُ ضَرْبٌ يُرَعْبِلُ بَعْضُهُ بَعْضًا كَمَعْمَعَةِ الأبَاءِ المُحْرَقِ
دون قول مهلهل، لأن في قول المهلهل ما يدل على أن الضرب الذي ذكره أشد وأبلغ.
وكذلك قول الحزين الكناني في معنى قول أبي نواس:
يُغْضِى حياءً ويُغْضَى من مَهَابَتِهِ فما يكَلَّمَ إلا حينَ يَبْتَسِمُ
دون قول أبي نواس، لأن هذا وإن كان قد وصف صاحبه، بما دل على مهابته، فإن في قول أبي نواس دليلًا على عموم المهابة ورسوخه في قلب الشاهد والغائب، وفي قوله: حتى إنه لتهابك، قوة لتكاد تهابك، وكذا كل غال مفرط في
[ ١٩ ]
الغلو إذا أتى بما يخرج عن الموجود فإنما يذهب فيه إلى تصييره مثلًا، وقد أحسن أبو نواس حيث أتى بما ينبئ عن عظم الشيء الذي وصفه.
وإذ قدمت ما أردت تقديمه، فلنرجع إلى ذكر واحد من المعاني الستة التي قلت إنها الأعلام من أغراض الشعراء في المعاني، فأبدأ أولًا بذكر المديح.