صحة التقسيم
وهي أن يبتدئ الشاعر فيضع أقسامًا فيستوفيها، ولا يغادر قسمًا منها.
مثال ذلك قول نصيب، يريد أن يأتي بأقسام جواب المجيب عن الاستخبار:
فقالَ فريقُ القوْم: لا، وفريقُهُمْ: نعمْ، وفريقٌ قالَ: ويحكَ ما ندرِي
فليس في أقسام الإجابة عن مطلوب، إذا سئل عنه، غير هذه الأقسام، ومثال في ذلك أيضًا قول الشماخ يصف صلابة سنابك الحمار، وشدة وهصه الأرض.
متى ما تقعْ أرساغهُ مطمئنةَ على حجرٍ يرفضِّ أو يتدحرجِ
فليس في أمر الوطء الشديد إلا أن يوجد الذي يوطأ، رخوًا فيرض، أو صلبًا فيدفع.
ومثال ذلك أيضًا قول الأسعر بن حمران الجعفي يصف فرسًا على هيئته من جميع جهاته:
أمَّا إذَا استقبلتهُ فكأنهُ بازٌ يكفكفُ أن يطيرَ وقد رأَى
أمَّا إذا استدبرتَهُ فتسوقهُ ساقٌ قموصُ الوقعِ عاريةُ النسَا
أما إذا استعرضته متمطرًا فتقول هذا مثل سرحان الغضا
فلم يدع هذا الشاعر قسمًا من أقسام النصبة التي ترى في الفرس، إذا رئي عليها، إلا أتى به، وقد يجوز ان يظن ظان في قولنا: إن هذا الشاعر قد أتى بجميع الأقسام: ليس بحق، إنه إذا كان الفرس أحد الأجسام، وكل جسم فله ست جهات، فإذا ذكرت حال أربع منها بقيت جهتان لم تذكرا، وحل هذا الشاك، إن وقع من أحد، هو أن هذا الشاعر إنما وصف فرسًا لا جسمًا
[ ٤٦ ]
مطلقًا، وللفرس أحوال يمتنع بها من أن ينتصب كل نصبة، ومع ذلك فإن هذا الشاعر إنما وصف الجهات التي يراها الإنسان من الفرس إذا كان على بسيط الأرض، وكان الرجل قائمًا أو قاعدًا، إذ كانت هذه الحال هي التي يرى الإنسان عليها الخيل في أكثر الأمر، فأما مثل أن يكون الإنسان في علية فيرى من الفرس متنه فقط، أو أن يكون نائمًا فيرى بطنه فقط، فما أبعد ما يقع ذلك، ولم يقصده الشاعر ولا له وجه في أن يقصده، إذ كان ليس في ما يعرف ويعهد من النظر إلى الخيل إلا ما ذكره، وهو أن تستقبل أو تستدبر أو تستعرض من أحد الجانبين.
ومثال في هذا الباب أيضًا قول أبي زبيد الطائي:
يا أسمَ صبْرًا على ما كَان من حدَث إن الحوادثَ ملقىٌّ ومنتظرُ
فليس في الحوادث إلا أن تكون قد لقيت، أو ينتظر لقيها. ومن أنواع المعاني وأجناسها أيضًا