أن يكون سمحًا، سهل مخارج الحروف من مواضعها، عليه رونق الفصاحة، مع الخلو من البشاعة، مثل أشعار يوجد فيها ذلك، وإن خلت من سائر النعوت للشعر، منها أبيات من تشبيب قصيدة للحادرة الذبياني، وهي:
وَتَصَدَّفَتْ حتَّى اسْتَبَتْكَ بِوَاضِحٍ صلْتٍ كَمُنْتَصَبِ الغَزَالِ الأَتْلَعِ
وَبمُقْلَتَيْ حَوْراء تَحْسِبُ طَرْفَهَا وَسْنَانَ حُرةِ مُسْتَهَلِّ المَدْمَعِ
وإذا تُنَازعكَ الحَدِيثَ رأَيتَها حَسَنًا تَبسُّمُهَا لَذِيذَ المَكْرَعِ
كَغَرِيضِ سَارِيةٍ أَدرَّتْهُ الصَّبا بنزيلِ أسجَرَ طيِّب المُسْتَنْقَعِ
لَعِبَ السُّيُولُ بِهِ فأَصْبحَ مَاؤُهُ غَلَلًا تقطَّعَ في أُصُولِ الخِرْوَع
فَسُمَىَّ ويْحَكِ هَلْ عَلِمْتِ بِفتْيَةٍ غادَيْتُ لذَّتَهُمُ بأدْكَنَ مُتْرَع
بكَرُوا عَلَيَّ بِسُحْرَةٍ فصبحْتُهُمْ من عَاتِقٍ كَدمِ الذَّبِيحِ مُشَعْشعِ
[ ٨ ]
ومن هذا الجنس قول محمد بن عبد الله السلاماني:
ألا رُبَّمَا هاجت لك الشَّوْق عَرْصَةٌ بِمَرّانَ تَمْرِيها الرِّيَاحُ الزَّعَازِعُ
بها رَسْمُ أَطْلاَلٍ وَجثْمٌ خَوَاشِعُ علَيْهِنَّ تَبْكِي الهَاتِفَاتُ السَّوَاجعُ
وَبِيضٌ تَهَادَى في الرِّياط كأَنَّها مَهَا رَبْوَةٍ طَابَتْ لَهُنَّ الْمراتِعُ
تحَرَّيْنَ مِنَّا مَوْعِدًا بعد رِقْبَةٍ بِأَعْقَرَ تَعْلُوهُ الشُّروجُ الدَّوَافعُ
فَجِثن هُدُوًَّا والثِّيَابُ كأَنَّهَا مِنَ الطَّلِّ بَلَّتْها الرِّهَامُ النَّوَاشِعُ
طُرُوقًا وأَلجأَنا الهَوَى نَحْوَ رُبْوَةٍ بها غفَلتْ عَنَّا العُيُونُ الخَوادِعُ
فلمَّا قَضَيْنا غُصَّةً من عِتَابِنَا وقدْ فَاض مِن بَعْد العِتَابِ المَدَامِعُ
جرًى بيْنَنا مِنَّا رَسِيسٌ يزيدُنا سقامًا إذا ما اسْتيقنتْهُ المسامِعُ
قَلِلًا وكان اللَّيْلُ في ذاك ساعةً وقُمنَ ومعرُوفٌ مِنَ الصُّبْحِ صادِعُ
ووَليّنَ مِنْ وجدٍ بِمِثْلِ الّذِي بِنَا وَسَالتْ علَى آثارِهِنَّ المْدَارِعُ
يُزَجِّين بِكْرًا يَبْهَرُ الرَّيْطُ متْنَهَا كما مَار ثُعْبَانُ الْغَضا المُتَدَافِعُ
وقُمْنَا إلى خُوصٍ كأَنَّ عُيُونها قِلاتٌ تَرَاخى ماؤُها فهُو نَاصِعُ
ومنه بيتان للشماخ يذكر نهيق الحمار:
إذا نَبَرَ التَّعْشِير نبْرًا كأنَّهُ بِقارِحِهِ مِنْ خَلْفِ نَاجِذِهِ شجِ
بعيدُ مَدَى التَّطْرِيبِ أوّلُ صَوْتِهِ سَحِيلٌ وأدْنَاهُ شحيجُ مُحَشْرَجِ
ومنها أبيات لجبيهاء الأشجعي:
أمِنَ الْجَمِيعِ بذِي الْيفَاعِ رُبُوعُ رَاعتْ فُؤَادَكَ والرُّبُوعُ تَرُوعُ
مِنْ بعْدِ ما بَلِيَتْ وغيَّرَ آيَها قَطْرٌ ومُسْبَلَةُ الذُّيُولِ خَرِيعُ
جوالَةٌ بِرُبى الْمَلاَ غوْليَّةٌ برَغامِهِنَّ مُربَّةٌ زُعْزُوعُ
يا صاحِبيَّ ألاَ ارْفعاني إنَّهُ يَشْفِى الصُّدَاعَ فَيَذْهَلُ المرْفُوعُ
ألواحَ نَاجيةٍ كأَنَّ تَلِيلَهَا جِذْعٌ تُطِيفُ به الرُّقاةُ منِيعُ
في كُلِّ مُطَّرِدِ الدُّفَاقِ كَأَنَّهُ نسْرٌ يُرَنِّقُ حَانَ مِنْهُ وُقُوعُ
تَنْجُو إذَا نَجِدَتْ وعارَضَ أوْبَهَا سِلَقٌ أَلْحْنَ مِن النِّيَاطِ خَضُوعُ
عرّسْنَ دائِرَةَ الظَّهيرَةِ بَعْدَمَا وُغِّرْنَ والحدَقُ الكنِينُ خَشُوعٌ
[ ٩ ]
بأَمقَّ أَغْبَر يَلْتَقِي حنَّانَهُ للرِّيحِ بَيْنَ فُرُوعِهِ ترْجِيعُ
يَعْتَسُّ مَنْزِلَهُنَّ أَطْلَسُ جَائِعٌ طَيَّانُ يُتْلَفُ مالَهُ ويَضِيعُ
ومثله أيضًا:
وَلَمَّا قَضَيْنَا من منىً كُلَّ حَاجَةٍ ومَسَّحَ بالأركانِ منْ هُوَ ماسِحُ
وشُدَّتْ عَلَى دُهْمِ المَهارَى رِحَالُهَا ولم يَنْظُرِ الغادِي الَّذِي هُوَ رَائِحُ
أَخَذْنَا بِأَطْرَافِ الأحَاديثِ بَيْنناَ وَسَالتْ بِأَعْناقِ الْمَطِيِّ الأبَاطِحُ