أقول: إن كثيرًا من الناس يحتاج إلى أن يعلم أولًا ما النسيب، ونحنن نحده فنقول: إن النسيب ذكر الشاعر خلق النساء وأخلاقهن، وتصرف أحوال الهوى به معهن.
وقد يذهب على قوم أيضًا موضع الفرق ما بين النسيب والغزل، والفرق بينهما أن الغزل هو المعنى الذي إذا اعتقده الإنسان في الصبوة إلى النساء نسب بهن من أجله، فكأن النسيب ذكر الغزل، والغزل المعنى نفسه، والغزل إنما هو التصابي والاستهتار بمودات النساء، ويقال في الإنسان: إنه غزل، إذا كان متشكلًا بالصورة التي تليق بالنساء، وتجانس موافقاتهن لحاجته
[ ٤٢ ]
إلى الوجه الذي يجذبهن إلى أن يملن إليه، والذي يميلهن إليه هو الشمائل الخلوة، والمعاطف الظريفة، والحركات اللطيفة، والكلام المستعذب، والمزاح المستغرب، ويقال لمن يتعاطى هذا المذهب من الرجال والنساء: متشاج، وإنما هو متفاعل من الشجا، أي متشبه بمن قد شجاه الحب.
وإذ قد بان أن الذي قلناه على ما قلنا، فيجب أن يكون النسيب الذي يتم به الغرض هو ما كثرت فيه الأدلة على التهالك في الصبابة، وتظاهرت فيه الشواهد على إفراط الوجد واللوعة، وما كان فيه من التصابي والرقة، أكثر مما يكون فيه من الخشن والجلادة، ومن الخشوع والذلة، أكثر مما يكون فيه من الإباء والعز، وأن يكون جماع الأمر ما ضاد التحفظ والعزيمة، ووافق الانحلال والرخاوة، فإذا كان النسيب كذلك فهو المصاب به الغرض.
وقد يدخل في النسيب التشوق والتذكر لمعاهد الأحبة بالرياح الهابة، والبروق اللامعة، والحمائم الهاتفة، والخيالات الطائفة، وآثار الديار العافية، وأشخاص الأطلال الداثرة.
وجميع ذلك إذا ذكر احتيج أن تكون فيه أدلة على عظيم الحسرة، ومرمض الأسف والمنازعة، ولست أذكر متى سمعت في التشوق بآثار الديار أوجز ولا أجمع ولا أدل على لاعج الشوق ومكمد الوجه من قول محمد بن عبيد السلاماني أحد، بني سلامان بن مفرج من الأزد:
فلم تدعِ الأرواحُ والماءُ والبلَى من الدار إلا ما يشوقُ ويشغفُ
ولعمري ان عمرو بن أحمر الباهلي قد أوجز وأبان عن شديد تشوق وعظيم تحسر بقوله:
معارفُ تلوى بالفؤاد وإن تقلْ لها بينِي لي حاجةً لم تكلمِ
فأما قوله: إنها لم تكلم، فهو تجاهل الهائم وتدله الواله، فإنه قد يحتاج إلى أن يكون في شعر الوامق التحير وآية التلدد.
وممن شاقته المنازل صخر الخضري، وقد مر على ربع كانت خلته كأس تحله، فقال:
بليتُ كما يبلَى الرداءُ ولا أرَى جنابًا ولا أكنافَ ذروةَ تخلقُ
ألوِّى حيازيميِ بهنَّ صبابةً كما يتلوى الحيةُ المتشرقُ
وممن شافه البرق، فأحسن وصف ما يثيره من الشوق: حبيش ابن نطر العامري، حيث يقول ويذكر خفقان قلبه:
[ ٤٣ ]
أجدَّك ما يبدو لك البرقُ مرَّة من الدَّهر إلا ماءُ عينيكَ يذرفُ
وقلبك من فرطِ اشتياقٍ كأنهُ يَدا لامعٍ أو طائرٌ يتصرفُ
ولرجل من عبس:
إذا الله أسقَى دمنتينِ ببلدةٍ من الأرض سقيَا رحمةٍ فسقاهُما
نزلنَا بهذِي نزلةً ثمَّ نزلةً بهذِي فطابَ المنزلانِ كلاهمَا
فبتُّ أشيمُ البرقَ مرتفِقًا به يدًا عن يدٍ حتَّى ونَى منكباهُما
وقال الشماخ:
رأيتُ سنَا برقٍ فقلتُ لِصاحبي بعيدٌ بفلجٍ ما رأيتُ سحيقُ
فباتَ مهمًا لي يذكِّرني الهوَى كأنِّي لبرقٍ بالحجازِ صديقُ
وباتَ فؤادِي مستخفًا كأنَّه خوافِي عقابٍ بالجناحِ خفوقُ
فأما النسيب نفسه فقد تقدمت أوصافنا له.
ومما أختم به القول أن المحسن من الشعراء فيه، هو الذي يصف من أحوال ما يجده ما يعلم به كل ذي وجد حاضر أو دائر أنه يجد أو قد وجد مثله، حتى يكون للشاعر فضيلة الشعر.
فمن ذلك قول أبي الصخر الهذلي، فإنه يصف ما أرى أن كل متعلق بمودة يجد مثله وهو:
أما والَّذِي أبكَى وأضحكَ والَّذِي أماتَ وأحيَا والَّذِي أمْرُه الأَمْرُ
لقد كنتُ آتِيها وفي النَّفْس هجْرُها بَتَاتًا لأخرى الدهرِ ما طلعَ الفجرُ
فما هوَ إلا أن أراها فجاءةً فأبهتُ لا عرفٌ لديَّ ولا نكرُ
وأنسَى الذي قد كنتُ فيهِ هجرتُها كما قد تنسِّى لبَّ شاربِها الخمرُ
وفي هذه القصيدة أيضًا موضع آخر دال على إفراط المحبة، ومبين عن سجية في اهل الهوى عامة، وهو قوله:
ويمنعنُيِ من بعْض إنكارِ ظلمِها إذا ظلمتْ يومًا وإن كان لي عذرُ
مخافةُ أني قد علمتُ لئن بَدا لي الهجرُ منها ما على هجرها صبرُ
وإني لا أردي إذا النفس أشرفت على هجرها ما يبلغن بي الهجر
[ ٤٤ ]
وأما قول الشاعر:
يودُّ بأن يُمْسِي سقيمًا لعلَّها إذا سمعتْ عنه بشكوَى تراسلهُ
ويهتزُّ للمعروفِ في طلبِ العلَى لتحمدَ يومًا عند ليلَى شمائلهُ
فهو من أحسن القول في الغزل، وذلك أن هذا الشاعر قد أبان في البيت الأول عن أعظم وجد وجده محب، حيث جعل السقم أيسر مما يجد من الشوق، فإنه اختاره ليكون سبيلًا إلى أن يشفى بالمراسلة من الوجد، فهو أيسر ما يتعلق به الوامق، وأدنى فوائد العاشق، وأبان في البيت الثاني عن إعظام منه شديد لهذه المرأة، حيث لم يرض نفسه لها عن سجيته الأولى، حتى احتاج إلى أن يتكلف سجايا مكتسبة يتزين بها عندها، وهذه غاية المحبة، ووصف الشاعر لذلك هو الذي يستجاد لا اعتقاده، إذ كان الشعر إنما هو قول، فإذا أجاد فيه القائل لم يطالب بالاعتقاد، لأنه قد يجوز أن يكون المحبون معتقدين لأضعاف ما في نفس هذا الشاعر من الوجد، فحيث لم يذكروه، وإنما اعتقدوه فقط، لم يدخلوا في باب من يوصف بالشعر.
ومن النسيب قول طريح بن إسماعيل الثقفي:
بان الخليطُ وفرقَ الشملُ وعلى التفرقِ ما بدَا الوصلُ
أبكاكَ منهم ما فرحتَ به ولكلِّ مولدِ فرحةٍ ثكلُ
ومن هذه الأبيات:
ممسودةٌ خلِقت فعليتهَا خوطٌ ومعقدُ مرطهَا عبلُ
تضعُ البريمَ فيستديرُ على فعمٍ ألفَّ كأنَّه رملُ
يسجَى إذا ما قلتُ أخفضهُ ويمورُ منكشطًا إذا يعلُو
وقيامهَا حسنٌ وضحكتهَا عند العجيبِ تبسمٌ رتلُ
وغَلا بها عظمٌ فألحقهَا بنسائهَا ولداتَها بسلُ
ولأبي صخر الهذلي في التصابي والخلاعة والإصرار على التعلق بمودات النساء:
أراد الشيبُ منِّي ختلَ نفسِي لأنسَى ذكرَ رباتِ الحجالِ
إذا اختصمَ الصبَا والشيبُ عندِي فأفلجتُ الشبابَ فلا أبالِي
[ ٤٥ ]
فقد أتينا من ذكر نعوت الأغراض التي تنتحيها الشعراء من المعاني، وهي المديح والهجاء وغيرهما، مما عددناه وشرحنا أحواله على ما فيه كفاية لمن له فهم وعنده نظر وفحص.
وهذه المعاني التي ذكرناها من أغراض الشعراء إنما هي أجزاء من جملة المعاني، وتكلمنا به فيها مع ما بيناه من أحوالها مثالًا لغيرها، واعتبارًا فيما لم نذكره منها.