إنه قد سهل السبيل إلى معرفة وجه الهجاء وطريقته،
[ ٢٩ ]
ما تقدم من قولنا في باب المديح وأسبابه، إذ كان الهجاء ضد المديح، فكلما كثرت أضداد المديح في الشعر كان أهجى له، ثم ننزل الطبقات على مقدار قلة أصناف الأهاجي فيها وكثرتها.
فمن الهجاء المقذع الموجع ما أنشدناه أحمد بن يحيى:
كائرْ بسعدٍ إن سعْدًا كثيرةٌ ولا تبغِ من سَعْدٍ وَفَاءً ولا نَصْرَا
ولا تَدْعُ سَعْدًا للقِرَاعِ وخَلِّهَا، إذا أَمِنَتْ، وَرَعْيَهَا البَلَدَ القَفْرَا
يروعكَ من سعدِ بن عمروٍ جسومُهَا وتزهدُ فيهَا حينَ تقتلهَا خبْرَا
فمن إصابة المعنى في هذا الهجاء أن هذا الشاعر سلم لهؤلاء القوم أمرين يظن أنهما فضيلتان، وليستا بحسب ما وصفناه من الفضائل مصيبتين، وهما كثرة العدد وعظم الخلق، وغزا بذلك مغازي دلت على حذقه بالشعر، فمنها أن أدخل هجاءه لهم في باب الأقوال الصادقة لإعطائه إياهم شيئًا ومنعه له شيئًا آخر، وقصده بذلك لأن يظن أن قوله فيهم إنما هو على سبيل الصدق، وذكره إياهم بما هم من جيد ورديء، ومنها ما بان من معرفته بالفضائل حتى ميز صحيحها من باطلها، فسلم الباطلة ومنه الصحيحة، ومنها أن قطع عن هؤلاء القوم ما يعتذر به الكرام من قلة العدد، فإن الكرام أبدًا فيهم قلة، كما قال السموأل ابن عاديا:
تعيرنَا أنَّا قليلٌ عديدنَا فقلتُ لها إن الكِرام قليلُ
ومن خبيث الهجاء ما أنشدني أحمد بن يحيى أيضًا:
إن يغدرُوا أو يفجرُوا أو يبخلُوا لا يحفلُوا
يغْدُوا عليكَ مرجل ينَ كأنهمْ لم يفعَلُوا
فمن جودة هذا الهجاء أن الشاعر تعمد أضداد الفضائل على الحقيقة فجعلها فيهم، لأن الغدر ضد الوفاء، والفجور ضد الصدق، والبخل ضد الجود، ثم أتى بعد ذلك بضد أجل الفضائل وهو العقل، حيث قال:
يغدُوا عليكَ مرجِل ين كأَنَّهُمْ لَمْ يفعَلُوا
لأن هذا الفعل إنما هو من أفعال أهل الجهل والبهيمية والقحة التي هي من عمي القوة المميزة، كما قال جالينوس في كتابه في أخلاق النفس.
[ ٣٠ ]
ولزياد الأعجم في غياظ بن حصين بن المنذر:
وسميتَ غيَّاظًا ولستَ بغائظٍ عدوًَّا، ولكنَّ الصديق تغيظُ
عدوكَ مسرورٌ وذو الودِّ للذِي أتى منكَ من غيظٍ عليكَ كظيظُ
نسيٌّ لما أوليتَ من صالحٍ مضَى وأنتَ لتعدادِ الذنوبِ حفيظُ
تلينُ لأهل الغلِّ والغمرِ منهمُ وأنتَ على أهلِ الصفاءِ فظيظُ
ومن الهجاء أيضًا ما تجمل فيه المعاني، كما يفعل في المدح، فيكون ذلك حسنًا إذا أصيب به الغرض المقصود مع الإيجاز في اللفظ، وذلك مثل قول العباس بن يزيد الكندي في مهاجاته جريرًا ومعارضته إياه في قوله:
إذا غضبتْ علَيْك بنو تميمٍ حسبتَ الناس كلهمُ غِضابا
وقال:
لقدْ غضبت علىَّ بنُو تميمٍ فما نكأتْ لغضبَتِها ذبَابا
لو اطلعَ الغرابُ على تميمٍ وما فيهمْ من السوءاتِ شابَا
ومثل قول مرة بن عداء الفقعسي:
وإذا تسركَ من تميمٍ خصلةٌ فلما يسوءُك من تميمٍ أكثرُ
وقال الآخر:
ويقضَي الأمرُ حين تغِيب تيمٌ ولا يستأذنونَ وهم شهودُ
وللحكم الخضري:
ألم تَرَ أنهم رُقِموا بلؤمِ كما رقمتْ بأذرعها الحميرُ
ومثل قول أعشى باهلة:
بنو تيْم قرارةُ كل لؤمٍ لكلِّ مصبِّ سائلةٍ قرارُ
وقد تبع أبو تمام حبيب بن أوس الطائي الاعشى في هذا المعنى فقال:
أضحَوْا بمستنِّ سيلِ اللؤمِ وارتفعتْ أموالهم في هضابِ المطلِ والعللِ
لو كان يخْفَى على الرَّحمن خافيةٌ من خلقهِ خفيتْ عنهُ بنو أسَدِ
ومثل قول الآخر:
قومٌ إذا ما جنَى جانيهمُ أمنُوا من لؤمِ أحسابهمْ أن يقتلُوا قودَا
[ ٣١ ]
ومثل قول زياد الأعجم:
إني لأكرِمُ نفسِي أن أكلِّفَها هجاءَ جَرْمٍ ولما يهجهمْ أحدُ
ماذا يقول لهم مَن كان هاجيَهُمْ لا يبلغُ الناسُ ما فيهم وإن جَهَدُوا
ومثل قول أوس بن مغراء:
فلسْتُ بعافٍ عن شتيمةِ عامرٍ ولا حابِسي عما أقولُ وعيدُها
ترى اللؤمَ ما عاشُوا جَديدًا عليهمُ وأبقَى ثيابَ اللابسينَ جديدهَا
لعمركَ ما تبلَى سرابيلُ عامرٍ من اللؤمِ ما دامتْ عليها جلودُها
وهذه الأبيات قالها أوس وهو يهاجي النابغة الجعدي، فيقال: إن النابغة كان يقول: إني وأوس بن مغراء لنبتدر بيتًا ما قلناه بعد، لو قاله أحدنا لقد غلب على صاحبه.
فلما قال أوس البيت الاخير، قال النابغة: هذا هو البيت الذي كنا نبتدره، فغلب أوس عليه.
ومثل قول عباس بن مرداس السلمي في سفيان بن عبد يغوث النضري:
وأوعِدْ وقُلْ ما شئتَ إنَّك جاهلٌ على أنَّما أنتَ امرؤ من بَنِي نَضْرِ
وما أجود ما قال الفرزدق في عبد الله بن عمير الليثي حين هرب من أبي فديك الخارجي وكان يتمنى لقاء الخوارج كهجاء:
تمنيتهمْ، حتَّى إذا ما لقيتهمْ تركْت لهم عند الجِلاد السرادِقَا
وأعطيتَ ما تُعْطى الحليلةُ بَعْلَها وكنتَ حُبَارى إذ رأيتَ البوارِقَا
ففي قوله: ما تعطى الحليلة بعلها، مع إيجازه، عجائب، وكذلك في قوله: حبارى.
ومنهم من يفرط في ذكر نقيصة واحدة، كما يغلو عند المدح في فضيلة واحدة.
فمن ذلك للحطيئة يغرق في ذكر البخل وحده:
كددتُ بأظفارِي وأعملتُ مِعْولي فصادفتُ جُلْمُودًا من الصخرِ أملَسا
تشاغَلَ لما جئتُ في وَجْهِ حاجَتِي وأطرقَ حتى قلتُ قدْ مَات أو عَسَى
وأجمعتُ أنْ أنعاهُ حين رأيتُه يفوقُ فواقَ الموتِ حتى تنفسَا
فقلت لهُ: لا بأس لسْتُ بعائِدٍ فأفرخَ تعلوهُ السماديرُ مبلسَا
ولجرير في ذكر الجهل وحده:
ولا تتقونَ الشرَّ حتى يصيبكُم ولا تعرفون الأمرَ إلا تدبرَا
[ ٣٢ ]
ثم ينظر أقسام المديح وأسبابه، فيجري أمر الهجاء بحسبها في المراتب والدرجات والأقسام، ويلزم ضد المعنى الذي يدل عليه إذ كان المديح ضده الهجاء.
ولنتبع القول في الهجاء: القول في المراثي.