قال الله تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ)
. ذهب المفسرون إلى أنها هى الكواكب السبعة: زحل، والمشترى، والمرّيخ، والشمس، والزّهرة، وعطارد، والقمر.
وقالوا: إن هذه الكواكب هى المعنيّة بقوله تعالى: (فَالْمُدَبِّراتِ أَمْرًا) .
وسميت كنّسا لأنها تجرى فى البروج ثم تكنس أى تستتر كما تكنس الظباء؛ وخنسا لاستقامتها ورجوعها. وقيل الخنّس والكنّس منها خمسة، دون الشمس والقمر.
وسميت خنّسا لأن الخنوس فى كلام العرب الانقباض. وفى الحديث الشريف «الشيطان بوسوس للعبد، فإذا ذكر الله تعالى خنس» أى انقبض ورجع. فيكون فى الكوكب بمعنى الرجوع. وكنّسا من قول العرب كنس الظبى اذا دخل الكناس، وهو مقرّه؛ ويكون فى الكوكب اختفاءه تحت ضوء الشمس.
وأسماء هذه الكواكب عند العرب مشتقة من صفاتها.
فقالوا فى زحل: زحل فلان إذا أبطأ، وبذلك سمّى هذا الكوكب لبطئه فى السماء.
وقيل الزّحل والزّحيل [١] الحقد وهو فى طبعه. وهذا الكوكب عند المفسرين هو المعنى بقول الله ﷿ وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ) .
_________________
(١) الذحل الذى بمعنى الحقد بالذال المعجمة ولم يذكره أحد من أئمة اللغة فى الزاى. فهو أشتباه على الناقل. والذى «فى اللسان» أنه سمى بذلك لبعده.
[ ١ / ٣٨ ]
وقالوا فى المشترى: إنه إنما سمّى بذلك لحسنه، كأنه اشترى الحسن لنفسه. وقيل لأنه نجم الشراء والبيع، ودليل الأموال، والأرباح.
وقالوا فى المرّيخ: إنه مأخوذ من المرخ (وهو شجر تحتك بعض أغصانه ببعض فتورى نارا) فسمّى بذلك لأحمراره. وقال آخرون المرّيخ سهم لا ريش له إذا رمى به لا يستمرّ فى ممرّه. وكذلك المرّيخ، فيه التواء كثير فى سيره وحكمه، فشبه بذلك.
وقالوا فى الشمس: إنها لما أن كانت واسطة بين ثلاثة كواكب علوية وثلاثة سفلية، سميت بذلك لأن الواسطة التى فى المخنقة تسمّى «شمسة» .
وقالوا فى الزّهرة: إنها مشتقة من الزاهر، وهو الأبيض النّيّر من كل شىء.
وقالوا فى عطارد: إنه النافذ فى الأمور، ولهذا سمّى بالكاتب. وهكذا هذا الكوكب كثير التصرف مع ما يلابسه ويقارنه.
وقالوا فى القمر: إنه مأخوذ من القمرة، وهى البياض؛ والأقمر الأبيض.
والفرس تسمّى هذه الكواكب بلغتها «كيوان» ويعنون به زحل؛ و«تير»، ويعنون به المشترى (وبعضهم يسميه «البرجيس»)؛ و«بهرام» ويعنون به المرّيخ؛ و«مهر» ويعنون به الشمس؛ و«أناهيد» ويعنون به الزّهرة (وبعضهم يسميها «بيدخت»)، و«هرمس» (ويعنون به عطارد)، و«ماه» (ويعنون به القمر) .
وقد جمع بعض الشعراء أسماء هذه الكواكب فى بيت واحد من بيتين يمدح بهما بعض الرؤساء فقال:
لا زلت تبقى وترقى للعلا أبدا مادام للسّبعة الأفلاك أحكام!
مهر، وماه، وكيوان، وتير معا وهرمس، وأناهيد، وبهرام!
[ ١ / ٣٩ ]
وقال أبو إسحاق الصابى:
نل المنى فى يومك الأجود، مستنجحا بالطالع الأسعد!
وارق كمرقى زحل صاعدا إلى المعالى أشرف المقصد!
وفض كفيض المشترى بالنّدى إذا اعتلى فى أفقه الأبعد!
وزد على المرّيخ سطوا بمن عاداك من ذى نخوة أصيد!
واطلع كما تطلع شمس الضّحى كاسفة للحندس الأسود!
وخذ من الزّهرة أفعالها فى عيشك المستقبل الأرغد!
وضاه بالأقلام فى جريها عطارد الكاتب ذا السّودد!
وباه بالمنظر بدر الدّجى وافضله فى بهجته وازدد!
وقد اختص كلّ كوكب من هذه الكواكب بقول. سنذكر من ذلك ما تقوم به الحجة، وينهض به الدليل من الكتاب والسنة، وما يتمثّل به مما فيه ذكرها، وما ورد فى ذلك من الأوصاف والتشبيهات: نظما ونثرا مما وقفت عليه فى أثناء مطالعتى لكتب الفضلاء وتصانيفهم ودواوينهم. وعدلت عن أقوال المنجمين لما فيها من سوء الطويّة وقبح الأعتقاد: لأن منهم من يرى أن للنجوم فى الوجود تأثيرات وأفعالا. أعاذنا الله تعالى من ذلك!