قال أبو محمد العلوىّ:
كأنّ اخضرار الجوّ صرح ممرّد وفيه لآل لم تشن بثقوب.
كأنّ سواد اللّيل فى ضوء صبحه سواد شباب فى بياض مشيب.
وقال أبو علىّ بن لؤلؤ، الكاتب:
ربّ فجر كطلعة البدر جلّى جنح ليل كطلعة الهجران،
زار فى حلّة النراة فولّى الل يل عنه فى حلّة الغربان.
وقال الخالديّان:
وكأنّما الصّبح المنير وقد بدا باز [١] أطار من الظّلام غرابا.
_________________
(١) البازلغة فى البازى. (عن الجوهرى)، واخترنا ذلك لأنه منقول عن كلمة فارسية هى «باز» . وتركية «طوغان» وهو نوع من الصقور وأشد الجوارح تكبرا وأضيقها خلقا. يوجد بأرض الترك ويؤخذ للصيد.
[ ١ / ١٤٣ ]
وقال النظام البلخىّ، من شعراء الخريدة:
فلاح الصبح مبتسم الثّنايا وطار اللّيل مقصوص الجناح.
يطير غراب أو كار الدّياجى إذا ما حلّ بازىّ الصّباح.
وقال تميم بن المعزّ:
وكأنّ الصّباح فى الأفق باز والدّجى بين مخلبيه غراب.
وقال ابن وكيع:
غرّد الطير فنبّه من نعس. وأدر كأسك فالعيش خلس!
سلّ سيف الفجر من غمد الدّجى وتعرّى الصبح من ثوب الغلس.
وانجلى فى حلة فضّيّة ما بها من ظلمة اللّيل دنس.
وقال أبو مروان بن أبى الخصال:
ولمّا رأيت الغرب قد غصّ بالدّجى وفى الشّرق من ثوب الصّباح دلائل،
توهّمت أن الغرب بحر أخوضه وأن الذى يبدو من الشّرق ساحل.
وقال أسعد بن بليطة الأندلسىّ:
جرت بمسك الدّجى كافورة السّحر فغاب، إلا بقايا منه فى الطّرر،
صبح يفيض وجنح الليل منغمس فيه كما غرق الزنجىّ فى نهر.
قد حار بينهما فى برزخ قمر يلوح كالشّنف بين الخدّ والشّعر.
وقال أحمد بن عبد العزيز القرطبىّ:
بتنا كأنّ حداد الليل شملتنا حتّى بدا الصبح فى ثوب سحولىّ.
كأنّ ليلتنا، والصبح يتبعها، زنجيّة هربت قدّام رومىّ.
[ ١ / ١٤٤ ]
وقال أبو نواس:
فقمت والليل يجلوه الصّباح، كما جلا التّبسم عن غرّ الثّنيّات.
وقال عبد الله بن المعتزّ:
قد أغتدى واللّيل فى جلبابه كالحبشىّ فرّ من أصحابه.
والصّبح قد كشّر عن أنيابه كأنّما يضحك من ذهابه.
وقال السرىّ:
وشرّد الصبح عنّا الليل فاتّضحت سطوره البيض فى آياته السّود.
وقال أبو فراس:
مددنا علينا الليل، والليل راضع إلى أن تردّى رأسه بمشيب.
بحال تردّ الحاسدين بغيظهم وتطرف عنّا عين كلّ رقيب.
إلى أن بدا ضوء الصّباح كأنه مبادى نصول فى عذار خضيب.
وقال عبد الصمد بن بابك، شاعر اليتيمة:
واستهلّت لمصرع الليل ورق ثاكلات، حدادها التّطويق.
فتضاحكت شامتا وكأنّ الص بح جيب على الدّجى مشقوق.
وقال أبو بكر الصنوبرىّ:
وليلة كالرّفرف المعلم محفوفة الظّلماء بالأنجم.
تعلّق الفجر بأرجائها، تعلّق الأشقر بالادهم.
وقال السلامىّ، شاعر اليتيمة:
وقد خالط الفجر الظّلام كما التقى على روضة خضراء ورد وأدهم.
[ ١ / ١٤٥ ]
وعهدى بها، والليل ساق ووصلنا عقار، وفوها الكأس أو كأسها الفم.
إلى أن بدرنا بالنجوم، وغربها يفضّ عقود الدّرّ والشّرق ينظم.
ونبّهت فتيان الصّبوح للذّة تلوح كدينار يغطّيه درهم.
ومن رسالة للقاضى الفاضل عبد الرحيم البيسانى، عفا الله عنه. جاء منها:
«فلما قضى الليل نحبه، وأرسل الصباح على دهمه شهبه؛ شمّر الليل إزاره، ووضع النجم أوزاره؛ ونزح بالطّيف طاردا، وظلّ وراء الصبح ناشدا؛ وفجر الفجر نهر النهار، واستردّ البنفسج وأهدى البهار؛ فمواكب الكواكب منهزمه، وغرّة الفجر كغرّة مولاى مبتسمه» .
ومما يدخل فى هذا الباب، ما حكى أن بعض الأعراب تزوّج بأربع نسوة، فأراد أن يختبر عقولهنّ.
فقال لإحداهنّ: إذا دنا الصبح فأيقظينى. فلما دنا الصبح، قالت له: قم، فقد دنا الصبح! فقال: وما يدريك؟ قالت: غارت صغار النجوم وبقى احسنها وأضوؤها وأكبرها، وبرد الحلىّ على جسدى، واستلذذت باستنشاق النسيم. فقال لها: إن فى ذلك دليلا.
ثم بات عند الثانية، فقال لها مثل مقالته للأولى. فلما دنا الصبح، أيقظته.
فقال لها: وما يدريك؟ قالت: ضحكت السماء من جوانبها، ولم تبق نابتة إلا فاحت روائحها، وعينى تطالبنى بإغفاءة الصباح. فقال لها: إن فى ذلك دليلا.
[ ١ / ١٤٦ ]
ثم بات عند الثالثة، فقال لها مثل ذلك. فلما دنا الصبح، أيقظته. فقال لها:
وما يدريك؟ فقالت: لم يبق طائر إلا غرد، ولا ملبوس إلا برد، وقد صار للطّرف:
فى الليل مجال، وليس ذلك إلا من دنوّ الصباح. فقال لها: إن فى ذلك لدليلا.
ثم بات عند الرابعة، فقال لها مثل ذلك. فلما دنا الصبح، قالت له: قم، فقد دنا الصبح! فقال لها: وما يدريك؟ قالت: أبت نفسى النوم، وطلبنى فمى بالسواك واحتجت إلى الوضوء. فقال لها: أنت طالق، فإنك أقبحهنّ وصفا.