قال أبو العلاء المعرّىّ:
يا ليت شعرى! وهل ليت بنافعة؟ ماذا وراءك أو ما أنت يا فلك؟
كم خاض فى إثرك الأقوام واختلفوا قدما! فما أوضحوا حقّا ولا تركوا.
شمس تغيب ويقفو إثرها قمر، ونور صبح يوافى بعده حلك.
طحنت طحن الرّحى من قبلنا أمما شتّى، ولم يدر خلق أيّة سلكوا.
وقال، إنّك طبع خامس، نفر. عمرى! لقد زعموا بطلا وقد أفكوا!
راموا سرائر للرحمن حجّبها، ما نالهنّ نبىّ، لا ولا ملك.
وقال الرئيس أبو علىّ بن سينا [٢]:
بربّك! أيّها الفلك المدار، أقصد ذا المسير أم اضطرار؟
مدارك، قل لنا، فى أىّ شيء؟ ففى أفهامنا منك ابتهار!
_________________
(١) المرزم: الثبت القائم على الأرض.
(٢) . قال صاحب عيون الأنباء (ج ١ ص ٢٤٨- ٢٤٩) إن بعض الناس ينسب هذه القصيدة لابن سينا وليست له، ونص على أنها لابن الشل البغدادى وقد أوردها فى خمسين بيتا.
[ ١ / ٣٤ ]
وعندك ترفع الأرواح؟ أم هل مع الأجساد يدركها البوار؟
وفيك الشّمس رافعة شعاعا، بأجنحة قوادمها قصار؟
قطوف، ذى النّجوم أم الّلآلى؟ هلال أم يد فيها سوار؟
وشهب، ذى المجرّة أم ذبال [١] عليها المرخ [٢] يقدح والعفار [٣]؟
وترصيع، نجومك أم حباب تؤلّف بينها اللّجج الغزار؟
تمدّ رقومها ليلا وتطوى نهارا، مثل ما طوى الإزار!
فكم بصقالها صدئ البرايا! وما يصدا لها أبدا غرار.
وتبدو ثمّ تخنس راجعات وتكنس مثل ما كنس الصوار [٤] .
فبينا الشّرق يقدمها صعودا تلقّاها من الغرب انحدار.
هى العشواء، ما خبطت هشيم هى العجماء، ما جرحت جبار [٥] .
وقال أبو عبادة البحترىّ:
أناة! أيّها الفلك المدار! أنهب ما تصرّف أم خيار؟
ستبلى مثل ما نبلى، وتفنى كما نفنى، ويؤخذ منك ثار.
_________________
(١) الذبال: الفتائل.
(٢) المرخ: شجر سريع الورى كثيره. وقد وصفه المؤلف فيما بعد (ص ٣٩) بأنه شجر تحتك بعض أغصانه ببعض فتورى نارا.
(٣) العقار: شجر يتخذ منه الزناد وهو من شجر النار.
(٤) الصوار كالصيار بكسر الصاد وضمها: القطيع من البقر.
(٥) الجبار (بضم الجيم) الهدر.
[ ١ / ٣٥ ]