قال فراس بن خندف: تجمّعت اللهازم لتغير على تميم وهم غارّون «٢»، فرأى ذلك ناشب بن بشامة العنبرىّ الأعور، وهو أسير فى بنى سعد بن مالك من بنى ثعلبة، فقال لهم: أعطونى رسولا أرسله إلى بنى العنبر أوصيهم بصاحبكم خيرا ليولوه ما تولوننى من البرّ. وكان حنظلة بن طفيل المرثدىّ أسيرا فى بنى العنبر، فقالوا: على أن توصيه ونحن حضور، قال نعم، فأتوه بغلام «٣»، فقال: أتيتمونى بأحمق، وما أراه مبلّغا عنّى! قال الغلام: لا والله ما أنا بأحمق، وقل ما شئت فإنّى مبلّغه، فملأ الأعور كفّه من الرمل فقال: كم فى كفّى منه؟ قال: شىء لا يحصى كثرة، ثم أومأ الى الشمس فقال: ما تلك؟ قال: هى الشمس. قال: فاذهب إلى أهلى فأبلغهم عنّى التحيّة وقلّ لهم: ليحسنوا إلى أسيرهم [ويكرموه «٤»] فإنى عند قوم محسنين إلىّ [مكرمين «٥» لى] وقل لهم ليعروا جملى الأحمر: ويركبوا نافتى العيساء «٦»، ويرعوا حاجتى فى بنى مالك، وأخبرهم أن العوسج «٧» قد أورق، وقد اشتكت النساء، وليعصموا همّام بن بشامة فإنه مشئوم محدود «٨» . ويطيعوا ابن الأخنس فإنه حازم ميمون.
[ ١٥ / ٣٧٩ ]
قال: فآتاهم الرسول فأبلغهم، فقال بنو عمرو بن تميم: ما نعرف هذا الكلام، ولقد جنّ الأعور، والله ما نعرف له ناقة عيساء، ولا جملا أحمر! فشخص الرسول، ثم ناداهم هذيل: يا بنى العنبر، قد بيّن لكم صاحبكم، أمّا الرمل الذى قبض عليه فإنه يخبركم أنه أتاكم عدد لا يحصى، وأمّا الشمس التى أومأ إليها فإنه يقول: إن ذلك أوضح من الشمس، وأمّا جمله الأحمر فهو الصّمّان «١»: يأمركم أن تعروه «٢»، وأما ناقته العيساء فهى الدّهناء «٣»، يأمركم أن تتحرزوا فيها، وأما أبناء مالك فإنه يأمركم أن تنذروا بنى مالك بن زيد مناة، وأن تمسكوا الحلف بينكم وبينهم، وأما العوسج الذى أورق، فيخبركم أنّ القوم قد لبسوا السلاح، وأمّا تشكّى النساء فيخبركم إنهنّ قد عملن حجلا يغزون به.
قال: فتحرّزت عمرو فركبت الدّهناء وأنذروا بنى مالك فقالوا: ما ندرى ما تقول بنو عمرو، ولسنا متحوّلين لما قال صاحبهم. قال: فصبّحت اللهازم بنى حنظلة فوجدوا عمرا قد جلت، وكان على الجيش أبجر بن جابر العجلىّ، وشهدها ناس من بنى تميم اللات، وشهدها الفرز بن الأسود بن شريك فى بنى شيبان، فاقتتلوا، فأسر ضرار بن القعقاع بن زرارة، وتنازع فى أسره بشر بن العوراء من تيم اللات، والفرز بن الأسود فجزّوا ناصيته وخلوا أسره من تحت الليل، وأسر عمرو بن قيس من بنى ربيعة بن عجل عثجل بن الماموم بن شيبان بن علقمة من بنى زرارة، ثم منّ عليه، وأسرت غمامة بنت الطّود بن عبيد بن زرارة، واشترك فى أسرها الخطيم بن هلال، وظربان بن زياد، وقيس بن خليد، فردّوها إلى أهلها، وأسر
[ ١٥ / ٣٨٠ ]
حنظلة بن المأموم بن شيبان بن علقمة، أسره طلبة بن زياد أحد بنى ربيعة بن عجل، وأسر حوثرة بن بدر من بنى عبد الله بن دارم، فلم يزل فى الوثاق حتى قال أبياتا يمدح فيها بنى عجل فأطلقوه، وأسر نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة، وعمرو بن ناشب، وأسر سنان بن عمرو أحد بنى سلامة من بنى دارم، وأسر حاضر بن ضمرة، وأسر الهيثم بن صعصعة، وهرب عوف بن القعقاع عن إخوته، وقتل حكيم النهشلىّ، وكان يقاتل ويرتجز:
كلّ امرئ مصبّح فى أهله والموت أدنى من شراك نعله
وفيه يقول عنترة:
وغادرنا حكيما فى مجال صريعا قد سلبناه الإزارا