قال عبد الملك بن عبدون فى كتابه المترجم بكمامة الزهر وصدفة الدرّ «٢»: ومن أهل اليمن من خرج منها فملك الشام، وهم آل جفنة وأوّلهم: الحارث بن عمرو بن عامر ابن حارثة [بن امرئ القيس بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك «٣»] بن زيد ابن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ويكنى الحارث بأبى شمر.
ثم تداولها منهم سبع وثلاثون ملكا. ومدّة ما ملكوا من السنين ستمائة سنة وست عشرة سنة إلى أن كان آخرهم جبلة بن الأيهم، وهو الذى تنصّر فى أيام عمر ابن الخطاب ﵁ بعد أن كان قد أقبل إلى عمرو أسلم.
[ ١٥ / ٣١١ ]
ثم إنه كان فى الطواف فداس رجل طرف ردائه فلطمه جبلة، فأتى الرجل عمر ﵁ فطلب جبلة ليقيده منه فنتصّر جبلة ولحق بهرقل صاحب القسطنطينية، فأقطعه هرقل الأموال والضياع والرباع، ثم ندم جبلة على ما كان منه وقال:
تنصّرت الأشراف من أجل لطمة وما كان فيها لو صبرت لها ضرر
تكنّفنى منها لجاج ونخوة فبعت لها العين الصحيحة بالعور
فياليت أمّى لم تلدنى وليتنى رجعت إلى القول الذى قاله عمر
ويا ليتنى أرعى المخاض بقفرة وكنت أسيرا فى ربيعة أو مضر
ويا ليت لى بالشام أدنى معيشة أجالس قومى ذاهب السمع والبصر
وحكى أنّ عمر بن الخطاب ﵁ بعث إلى هرقل رسولا يدعوه إلى الإسلام أو الى الجزية فأجاب إلى الجزية، فلمّا أراد الرسول الانصراف قال له هرقل: ألقيت ابن عمّك هذا الذى عندنا- يعنى جبلة- الذى أتانا راغبا فى ديننا؟ فقال: ما لقيته. قال ألقه، قال الرسول: فذهبت إلى باب جبلة فإذا عليه من القهارمة والحجّاب والبهجة وكثرة الجمع مثل ما على باب هرقل. قال:
فتلطّفت فى الدخول عليه حتى أذن لى، فدخلت فرأيته أصهب اللحية، وكان عهدى به أسود اللحية والرأس، فأنكرته وإذا هو قد ذرّ سحالة «١» الذهب على لحيته حتى صار أصهب، وهو قاعد على سرير من قوارير، قوائمه أربعة أسود من الذهب. قال: فلمّا عرفنى رفعنى معه على السرير. قال: وجعل يسألنى عن المسلمين وعن عمر ﵁؛ فذكرت خيرا وعرّفته أنّ المسلمين كثروا.
[ ١٥ / ٣١٢ ]
ثم انحدرت عن السرير فقال لى: لم تأبى الكرامة التى أكرمناك بها؛ قلت: إنّ رسول الله ﷺ نهى عن هذا. قال: نعم! ﷺ، ولكن نقّ قلبك من الدنس ولا تبال على ما قعدت. فلمّا سمعته يصلّى على النبىّ ﷺ طمعت فيه فقلت له: ويحك يا جبلة! ألا تسلم وقد عرفت الإسلام وفضله؟ قال: أبعد ما كان منّى؟ قلت: نعم. قال: إن كنت تضمن لى أن يزوّجنى عمر ابنته ويولّينى الإمرة بعده رجعت إلى الإسلام. قال الرسول:
فضمنت له التزويج ولم أضمن له الإمرة. قال: ثم أومأ إلى خادم كان على رأسه فذهب مسرعا فإذا خدّام قد جاءوا يحملون الصناديق فيها الطعام، فوضعت ونصبت موائد الذهب وصحاف الفضّة، وقال لى: كل. فقبضت يدى وقلت: إنّ رسول الله ﷺ نهى عن الأكل فى آنية الذهب والفضّة. قال:
نعم! ﷺ، ولكن نقّ قلبك وكل فيما أحببت. قال: فأكل فى الذهب وأكلت فى الخلنج «١»، ثم جىء بطسات الذهب وأباريق الفضّة فغسل يده فيها وغسلت فى الصّفر «٢»، ثم أومأ إلى خادم فمرّ مسرعا فإذا خدم معهم كراسىّ الذهب مرصّعة بالجواهر، فوضعت عشرة عن يمينه وعشرة عن شماله، ثم جاءت الجوارى عليهنّ تيجان الذهب مرصّعة بالجواهر، فقعدن عن يمينه وعن شماله على تلك الكراسى، ثم جاءت جارية كأنها الشمس حسنا على رأسها تاج، على ذلك التاج طائر وفى يدها اليمنى جامة فيها مسك فتيت، وفى يدها اليسرى جامة فيها ماء ورد؛ فأومأت الجارية أو صفّرت بالطائر الذى على تاجها فوقع فى جام ماء الورد
[ ١٥ / ٣١٣ ]
فاضّطرب فيه، ثم أومأت إليه أو صفّرت فوقع فى جام المسك فتمرّغ فيه، ثم أومأت فطار حتى نزل على تاج جبلة، فلم يزل يرفرف حتى نفض ما عليه فى رأسه، فضحك جبلة سرورا به، ثم التفت الى الجوارى اللواتى عن يمينه وقال لهنّ: بالله أضحكننا، فاندفعن يغنّين بخفق عيدانهنّ ويقلن:
لله درّ عصابة نادمتهم يوما بجلّق «١» فى الزّمان الأوّل
يسقون من ورد البريص «٢» عليهم بردى «٣» يصفّق بالرّحيق السّلسّل
يغشون حتى ما تهرّ كلابهم لا يسألون عن السّواد المقبل
بيض الوجوه كريمة أحسابهم شمّ الأنوف من الطّراز الأوّل
أولاد جفنة عند قبر أبيهم قبر ابن مارية «٤» الكريم المفضل
قال: فضحك حتى بدت نواجذه ثم قال: أتدرى من يقول هذا؟ قلت لا؛ قال: حسان بن ثابت، ثم أشار الى الجوارى اللواتى عن يساره فقال لهنّ: بالله أبكيننا، فاندفعن يغنّين بخفق عيدانهنّ ويقلن:
لمن الدار أقفرت بمعان «٥» بين أعلى اليرموك «٦» فالخمّان «٧»
ذاك مغنى لآل جفنة فى الدهر وحقّ تعاقب الأزمان
[ ١٥ / ٣١٤ ]
قد أرانى هناك دهرا مكينا عند ذى التاج مقعدى ومكانى «١»
قال: فبكى حتى سالت دموعه على لحيته، ثم قال: أتدرى من يقول هذا؟
قلت: لا، قال: حسّان، ثم أنشد: تنصّرت الأشراف الأبيات ثم سألنى عن حسّان أحىّ هو؟ قلت: نعم، فأمر له بكسوة ولى بمثلها، وأمر بمال لحسّان ونوق موقرة برّا ثم قال: إن وجدته حيّا فادفع الهديّة إليه، وإن وجدته ميتّا فادفعها إلى أهله وانحر النّوق على قبره.
قال: فلمّا أخبرت عمر بخبره وما اشترط علىّ وما ضمنت له قال: فهلّا ضمنت له الأمر فإذا أفاء الله به قضى الله علينا بحكمه! ثم جهّزنى عمر إلى القسطنطينية إلى هرقل ثانية وأمرنى أن أضمن له ما اشترط، فلمّا دخلت القسطنطينية وجدت الناس قد انصرفوا من جنازته، فعلمت أنّ الشقاء غلب عليه فى أمّ الكتاب.